هل الفراغ فارغٌ حقاً؟

كتابة: لمياء أحمد بن إبراهيم.
مراجعة: عبد الحميد شكري.

هل الفراغ فارغٌ حقاً؟! بالطبع هو فارغٌ، يا لتفاهة السؤال. أو ربما لا يكون السؤال تافهاً فعلاً، فهو ليس بفارغٍ إلا إذا أُفرغ من كلّ الذرات الموجودة كذرات الغازات المكوّنة للهواء. إن هذا سؤالٌ صعبٌ على المختصين وسهلٌ جداً على من سواهم، وسنحتاج إلى كوبٍ مليءٍ بالكابتشينو حتى نجيب عليه، وسنمهد للإجابة عنه بينما تقوم بإعداد الكوب.

بدأت سطور الإجابة في عام 1927مـ مع عالم الفيزياء النظرية العبقري بول ديراك، حين بدأت على يديه ولادة نظريةٍ جديدةٍ كلياً تدعى بنظرية ميكانيكا الكم النسبية والتي قادت بدورها لظهور نظرية الكهروديناميكا الكمومية، وهي نظريةٌ كميةٌ ونسبيةٌ في آنٍ واحدٍ معاً. فلقد سعى ديراك آَنذاك إلى الجمع بين ميكانيكا الكم والنظرية النسبية الخاصة لأينشتاين لخلق نظريةٍ شموليةٍ للإلكترون، ففي حين كان يعمل كلٌ من شرودنغر وهايزنبيرغ على الإلكترونات التي تتحرك ببطءٍ، كان تركيز ديراك على سلوك الإلكترون عندما يسير بسرعاتٍ عاليةٍ جداً كسرعة الضوء، وكان نتاج ذلك معادلته الموجية الكمومية النسبية الشهيرة، ولكن المحير في معادلته الجديدة أنها أنتجت ضعف العدد المتوقع من الإلكترونات (لها حلين رياضيين متناظرين)!

في البداية رفض ديراك نفسه هذه النتيجة السخيفة، ولكنها قادته في النهاية إلى التنبؤ بوجود المادة المضادة. اسمها غريب بالنسبة إليّ ولا أستسيغه، ولكنها ببساطةٍ نوعٌ جديدٌ من الجسيمات ذات الكتلة المطابقة للإلكترون ولكنها تحمل شحنةً معاكسةً له، والتي ستتحول عند ملامستها للأجسام العادية إلى ضوءٍ فوراً. وبالطبع كأي نتيجةٍ نظريةٍ، فلا بد من إخضاعها للفيزياء التجريبية، ولقد تم ذلك بالفعل على يد كارل أندرسون في معهد كاليفورنيا للتقنية، وأصبحت جسيمات ديراك تلك تدعى بالبوزيترونات، ومن هنا كانت اللبنة الأساسية لنظرية الكهروديناميكا الكمومية.

لكن ما علاقة كل ما سبق ذكره بالفراغ؟ أو حتى بالكابتشينو؟! أجاب ديراك عن ذلك بنفسه خلال مؤتمرٍ عُقد في عام 1933مـ والذي كان يضم أعظم علماء الفيزياء والكيمياء في العالم، حيث قال ديراك لجمهوره آنذاك بأنهم بحاجةٍ لتغيير مفهومهم عن الفراغ. أخبرهم أن بإمكانهم أن يعتبروا الفراغ ليس فارغاً، فهو يفيض بأزواجٍ من الجسيمات التي تنشأ وتفنى بسرعةٍ كبيرةٍ جداً، وهي الجسيم والجسيم المضاد.

بعد ذلك وفي أواخر عام 1940مـ، تم تطوير نظرية الكهروديناميكا الكمية على يد ثلاثة علماء بشكلٍ مستقلٍ عن بعضهم البعض، وهم ريتشارد فاينمان، جوليان شوينغر، وشينيتشيرو توموناجا. وتصف هذه النظرية التفاعلات بين الجسيمات المشحونة (كالإلكترون والبوزيترون)، حيث تتفاعل هذه الجسيمات مع بعضها البعض عن طريق انبعاث وامتصاص فوتونٍ، والذي سُمي بالفوتون الافتراضيّ لتفريقه عن الفوتون المتعارف عليه. فمثلاً: إذا كانت تلك الشحنتان تتجاذب فيما بينها فمن المفترض أن يكون هناك رسولٌ يذهب ويعود بين الشحنتين (وذلك بحسب النموذج القياسيّ للفيزياء، وهذا الرسول هو الفوتون الافتراضيّ) وكأنه شبحٌ فيسبب تجاذبهما، تملؤ هذه الجسيمات الافتراضية المحيرة عالمنا بكل ماتعنيه الكلمةّ من معنى! ولكننا لا نراها، بل نرى تأثيرها فقط، وأطلق عليها جون ويلر اسم الرغوة الكمومية!

تخيل الآن أننا في مكانٍ مفرغٍ تماماً من الذرات وأن لدينا رؤيةٌ مجهريةٌ خارقةٌ جداً تمكننا من رؤية العالم حتى طول بلانك، سنرى هذه الجسيمات التي تنشأ وتفنى باستمرارٍ وكأنها رغوة الكابتشينو تماماً، فنحن محاطون برغوةٍ تسمى الرغوة الكمومية. فانظر الآن لفقاعات كوب الكابتشينو الذي أعددته، أترى كيف تفنى فقاعةٌ وتحل محلها أخرى وكيف تنشأ وتفنى باستمرارٍ؟ هذا هو حال الفوتونات الافتراضية التي تعيش فترةً قصيرةً جداً وتفنى وتنشأ وتفنى وتنشأ وهكذا دواليك.

ما سبق كان نظرياً وكان بحاجةٍ إلى إثباتٍ تجريبيٍ، ولقد قام العالم هنريك كازمير بهذا بالفعل عندما كان يدرس قوى فان دير فال على استقرار الغرويات عام 1948مـ، حيث قام بوضع لوحين معدنيَين مفصولين بمسافةٍ صغيرةٍ جداً مقدارها ميكرومترِ واحدٍ، ووضعهما في مكانٍ مُفرغٍ من الذرات، وكانت المفاجأة أن اللوحين تجاذبا! فما الذي سبب تجاذبهما على الرغم من أن المكان فارغٌ؟ إنها الرغوة الكمية.

إن كل هذا على الأرض، فماذا عن الفضاء؟ بالطبع، إن الرغوة الكمومية ماهي إلا إحدى المحاولات لدمج النسبية العامة (نظرية الجاذبية) مع ميكانيكا الكم، فكلٌ من ميكانيكا الكم والنسبية العامة حققتا نجاحاً عظيماً. فجاذبية أينشتاين أثبتت أنها انحناءٌ وتشوهٌ في نسيج الزمكان والتي تسببها كتل الأجسام الكبيرة، أيّ أن الفضاء ليس فارغاً تماماً، أما ميكانيكا الكم فتنظر إلى أن تلك الجسيمات الموجية تتواجد في كل مكانٍ حتى في نسيج الزمكان.

لننظر الآن إلى الفضاء إلى حيث نسيج أينشتاين (الزمكان) والذي سيكون بالنسبة إلينا وإلى الكواكب والنجوم الكبيرة المتحركة نسيجاً سلساً ناعماً، ولكن إذا قمنا بالتقريب بشكلٍ كبيراً جداً جداً لنسيج الزمكان فسيكون ربما مليئاً بتلك الرغوة الكمومية.

خذ مثالاً لتقريب ذلك: سيكون البحر بالنسبة إليك عندما تكون مسافراً وتحلق طائرتك فوق البحر سطحاً أزرقاً مستوياً، ولكنه على النقيض تماماً بالنسبة إلى صياد يقوم بالصيد من على متن قاربه. فهذا سيرى البحر مليئاً بالأمواج والتقلبات والفقاعات. هذا إن كنت من محبي السفر جواً، أما إن كنت ممن يخاف ركوب الطائرة والبحر فلا عليك، فخذ مثالاً لك على الأرض، فعندما تمشي على طريقٍ معبدةٍ بسيارتك الفارهة فسيكون الطريق سلساً تماماً بالنسبة لك، ولكنه بالنسبة لنملةٍ تمشي عليه فسيكون مختلفا كلياً.

مازالت الدراسات قائمةً على الفضاء (نسيج الزمكان)، لإثبات وجود هذه الجسيمات المتناهية الصغر عن طريق قياس تأثيرها، فلربما تكون رغوة الكم جزءاً من حل اللغز المفقود الذي سيجمع الصورة كاملة، القطع الكبيرة (الجاذبية) مع الصغيرة (ميكانيكا الكم)، ومن هنا سيتوحد كل شيءٍ. وأخيراً، الفراغ ليس فارغاً تماماً، وكلما احتسيت كوباً من الكابتشينو تذكر ميكانيكا الكم.

 

المصادر:

 

نظرية ميكانيكا الكم النسبية (Relativistic Quantum Theory)
المادة المضادة (Antimatter)
البوزيترون (Positron)
نظرية الكهروديناميكا الكمومية (Quantum Electrodynamics)
الرغوة الكمومية (Quantum Foam)
بول ديراك (Paul Dirac)
كارل أندرسون (Carl Anderson)
معهد كاليفورنيا للتقنية (California Institute of Technology)
ريتشارد فاينمان (Richard Feynman)
جوليان شوينغر (julian schwinger)
شينيتشيرو توموناجا (Sin’ichirō Tomonaga)
هنريك كازمير (Hendrik Casimir)
قوى فان دير فال (Van Der Waal force)
طول بلانك (Planck’s length)
جون ويلر (John Wheeler)

 

Website Comments