مدخل إلى الجاذبية الكمومية – الجزء الثالث

كتابة: لينة الأصفر
مراجعة فارس بوخمسين
تصميم: نورة الدراك

هذا المقال جزءٌ من سلسلة “مدخل إلى الجاذبية الكمومية”، وبإمكانكم أن تطلعوا على الجزء الأول هنا والثاني هنا.

توجد هناك العديد من الدوافع الرياضية والفيزيائية التي تحتم وجود الجاذبية الكمومية، حيث تمتلأ الفيزياء الكلاسيكية بالكثير من المشاكل والتناقضات بشكلٍ لا يمكن التغاضي عنه، ومن الأمثلة على هذه المشاكل:

– تناقضات المادة الكمومية مع الهندسة الكلاسيكية:
إن معادلات حقل أينشتاين، تتنبأ بتفاعل بين المادة وهندسة الزمكان:

Picture1

إذاً يجب علينا استبدال تنسور الطاقة-الإجهاد بمؤثر كمومي حيث أن المادة كموميةٌ، ولكن بالحفاظ على الطرف الأيسر من المعادلة كلاسيكياً (هندسة كلاسيكية) نحصل على هذه المعادلة:

بدون عنوان3

وعندما نعوض بدلها بقيمة الفراغ في فضاءٍ منكوسكي:

Picture2

وبهذا نحصل على تناقضٍ عند التعويض في معادلات حقل أينشتاين. وإن تعديل تعريف الفراغ والتعويض مجدداً غير متوافقٍ مع المشاهدات، كما أنها عمليةٌ غير مجديةٍ حيث إن الفراغ نفسه معتمدٌ على الخلفية. لذلك يجب على المرء أن يقوم بتكميم جميع حدود معادلات حقل أينشتاين لتصبح معادلات أينشتاين الكمومية على فضاء هيلبرت مناسبٍ:

Picture3

 

– نظام الفوق بنفسجي، تباعدات نظرية الحقل الكمومي:
في نظرية الحقل الكمومي الإضطرابية، يتم التكامل على جميع الجسيمات الافتراضية في الحلقات ذات الرتب العليا (مثلما يحصل في عملية الطاقة الذاتية). للحدود ذات الرتب العليا، يمكن للجسيمات الإفتراضية أن تأخذ قيم جد عالية لكمية الحركة، و بالتالي سيكون لها طاقة عالية، و زمن استقرار منخفض (حسب مبدأ الريبة) و طول موجي مساوي لطول موجة كومبتون:

Picture4

ولكن حسب النظرية النسبية العامة، إن كانت الطاقة مكافئة لكتلة بلانك، سيكون طول موجة كومبتون أصغر أو مساو لنصف قطر شفارزتشايلد، بالتالي سيتكون ثقب أسود ميكروي، يتحلل حسب إشعاع هاوكينج إلى أي نوع من الجسيمات (ما دامت لها نفس محصلة الكتلة واللف). فمثلا يمكن للنيوترينو أن يتحول إلى كوارك، أو غلوون، وهذا غير مسموح وفقا للأنموذج القياسي. ولذلك، يتوقع من الجاذبية أن تقوم بقطع فوق البنفسجي، وذلك بتكميم الزمكان برتبة مساحة بلانك (كما تفعل الجاذبية الكمومية الحلقية).

– مشاكل الهندسة الكلاسيكية:
مع أن معادلات حقل أينشتاين تتنبأ بوجود الثقوب السوداء أو المنفردات التجاذبية إلا أنها غير قادرة على وصف الزمكان عندها، ولذلك تعاني الهندسة الكلاسيكية من تضاربات.

– تضاربات المادة الكمومية:
إن استخدام نظرية الاضطراب لحل مشاكل التباعدات في نظرية الحقل الكمومية ليس له تفسيرٌ أو تبريرٌ فيزيائيٌ. كما أن الطاقة الخاصة بالفراغ، والتي تهمل حدودها (المتابعدة) أمرٌ لا يمكن التغاضي عنه، فطاقة الفراغ أمرٌ “حقيقيٌ” ذو تأثيرٍ فيزيائيٍ يمكن قياسه (مثل أثر كازيمير). كما يبدو أن لتموجات الفراغ قيمةٌ كبيرةٌ لا يستهان بها من الطاقة، ولا بد من وجود أثر لها يُترك على هندسة الزمكان – ربما من خلال الثابت الكوني-. إن الجاذبية توفر حلاً هنا، بوجود حدٍ لصغر “الطول” فإن المادة + الجاذبية لابد من أن تكون منتهيةً لأن الجاذبية توفر قطعاً للحدود اللانهائية.

– مشكلة الثابت الكوني:
لنأخذ حقلاً عددياً على فضاء منكوسكي، فإن القيمة المتوقعة للمؤثر الهاملتوني في حالة الفراغ، تعطى بالعلاقة التباعدية التالية :[1]

بدون عنوان

يمكن التخلص من التباعد باعتبار أن الأعداد الموجية المسموحة تعطي بالعلاقة:

Picture6

غير مسموحة بسبب الجاذبية (تولد ثقوب سوداء). وبهذا فإن التكامل السابق يصبح متناسباً مع مقلوب مربع مساحة بلانك.  باستخدام هذه النتيجة لحساب هاملتوني الثابت الكوني:

بدون عنوان

 حيث استخدمنا متري مينكوسكي هنا ( فضاء مسطح). و نستنتج من هذا التكامل النسبة:

Picture8

بينما تم تقديرها حسب البيانات التجريبية بأقل من ذلك ب 120 رتبة في الواقع، وهذا يعد الخطأ الأسوأ في تاريخ الفيزياء ! [3]

– مشكلة الجاذبية الكمومية الإضطرابية :
إن محاولة تطبيع الحقل التجاذبي اضطرابياً، بفرد التابع اللاجرانجي كمتسلسلة قوى للمعامل (χ)[2] الذي يمكن اعتباره “الانحراف” عن متري منكوسكي ( الجرافيتون) يؤدي إلى تباعداتٍ حتى في مستوى حلقتين. ولم يتمكن أحد من تبرير التخلص من أي من الحدود المتباعدة. إذاً فالوصفة المتبعة في نظرية الحقول الكمومية الاضطرابية غير نافعةٍ!

قد تنجح الوصفة السابقة بتقديم ثابت ارتباطٍ جديدٍ لا تعهده النظرية الكلاسيكية للجاذبية، ولكن قد يبدو أنه من غير الطبيعي والغير جميلٍ لنظرية أن “تخترع” معاملاتٍ غير موجودةٍ فقط لحل مشكلاتها الرياضية. إن تقديم هذا الثابت (كما في نظريات الأوتار) يكلف النظرية جمالها التنبئي.

– الجاذبية الفائقة:
إن تقديم التناظر الفائق للحقول الكمومية، أدى للتخلص من الكثير من التباعدات في نظرية الاضطراب، وحل بشكلٍ نسبيٍ مشكلة فوق البنفسجي، أو بالأحرى حسن من تباعدها لحد ما، وذلك نتيجةً للإلغاءات الفيرميونية. إذاً يبدو من المنطقي تجربة الجاذبية الفائقة للتخلص من التباعدات، ولكن بينت نقاشات جدية عدم جدوى هذه الطريقة، حتى نظرية إم الشهيرة، والتي تطرح جاذبية فائقة في 11 بعداً لم تظهر بها تلك الإلغاءات ” السحرية” المتأملة من نظريات الجاذبية الفائقة.

إذا يبدو أن الحل الوحيد المرض هو نظرية تجاذبية كمومية ونظرية حقلٍ كموميٍ مبنيةٌ على استقلال الخلفية، لا تعتمد على خلفية الزمكان، بل على منطويٍ آخر، أو ربما لا تعتمد حتى على أي منطوٍ! تعتبر الجاذبية الكمومية الحلقية أحد أكثر النظريات المبنية على استقلال الخلفية نجاحاً وتقدماً، ولكنها لا تزال قيد البناء والتطوير.

[1] إن القيمة المتوقعة للهاملتوني في الفراغ، تعطي بالفرق بين الهاملتوني و النسخة المرتبة طبيعيا منه Normally-ordered Hamiltonian H-HN= <0>
[2] قد يكون الثابت الكوني هو الحل لتفسير الطاقة المظلمة، ولكن لايوجد بيانات تدعم هذا لحد الآن.
[3] لإضافة ديناميكية للبنية السبيبية يمكن كتابة المتري على الشكل التالي:
g= η+χحيث يمثل الحد الأول متري مينكاوسكي، بينما الحد الثاني فهو الإنحراف عنه- الجرافيتون.

 

Website Comments