بكتيريا الأمعاء تُنّظم عزل ألياف الأعصاب الدماغية

ترجمة: إسراء الحاجي.
مراجعة: عبدالحميد شكري.





يشير البحث إلى أن بكتيريا الأمعاء قد تؤثر بشكلٍ مباشرٍ على تركيب ووظيفة الدماغ، مما يُقدم طرقاً جديدةً لعلاج الأمراض النفسية والتصلب المتعدد (أو التصلب اللويحي).

البكتيريا في أمعائك ليست مجرد شريكٍ صامتٍ يُساعد في هضم الطعام، بل إنها أيضاً قد تعمل على إحداث تأثيراتٍ دقيقةٍ في أفكارك، مزاجك، وسلوكك. وطبقاً لدراسةٍ جديدةٍ أجراها باحثون في جامعة كلية كورك، ربما تؤثر ميكروبات أمعائك على تركيبة ووظيفة الدماغ بطريقةٍ أكثر مباشرةً عبر تنظيم عملية تكوّن الميالين، وهي العملية التي يتم خلالها عزل ألياف الأعصاب حتى تنقل النبضات العصبية بشكلٍ صحيحٍ.

تُقدم النتائج الجديدة المفاجئة والمنشورة في مجلة ترانزليشينال سايكايتري ما يمكن أن يكون الدليل الأقوى حتى الآن على أن لبكتيريا الأمعاء تأثيرٌ ماديٌّ محسوسٌ على الدماغ، وتقترح بأنه من الممكن أن نتمكن في يومٍ من الأيام من علاج الأمراض الموهنة التي تحدث بسبب فقدان الميالين مثل التصلب المتعدد (التصلب اللويحي) بل وحتى الأمراض النفسية، وذلك عبر تغيير تكوّن معرض ميكروبات الأمعاء بطريقةٍ أو بأخرى.

كثُر البحث حول بكتيريا الأمعاء بشكلٍ كبيرٍ في الأعوام العشرة الماضية، وفي ذاك الوقت أصبح واضحاً أكثر فأكثر أن هناك اتصالاً ثنائيَّ الاتجاه بين بكتيريا الأمعاء والدماغ. يبدو أن ميكروبيوم أمعاء الإنسان يلعب أدواراً مهمةً في الصحة والمرض، كما أن التغيرات في تكوينه مرتبطةٌ بنطاقٍ واسعٍ من الأمراض العصبية والنفسية بما فيها التوحد، الألم المزمن، الاكتئاب، ومرض باركنسون، بالرغم من أن حلقات الربط بينهما لا تزال ضعيفةً إلى حدٍ ما.

جون كريان وجيرارد كلارك من معهد ميكروبيوم أي بي سي مهتمون بشكلٍ خاصٍ بالكيفية التي تمكن بكتيريا الأمعاء من أن تؤثر على تراكيب الدماغ المعنيّة بالسلوك الشبيه بالقلق. حيث نشروا العام الماضي دليلاً على أن الفئران الخالية من الجراثيم والخالية تماماً من بكتيريا الأمعاء أظهرت تغيراً في التعبير الجيني في اللوزة الدماغية، وهي تركيبٌ صغيرٌ في الدماغ بشكل اللوز مهمٌ في تنظيم العواطف والسلوك الاجتماعي. حيث تمت تربية الحيوانات (الفئران) في بيئةٍ معقمةٍ للغاية، ولهذا فإن البكتيريا لم تتمكن من استعمار أمعائهم بعد الولادة. وكنتيجةٍ لهذا، بدت جيناتٌ معينةً والمسؤولة عن الوظائف العصبية أكثر نشاطاً في أدمغتهم مقارنةً بأدمغة الفئران الطبيعية.

متابعةً لهذه النتائج السابقة، قرر كلٌ من كريان و كلارك أن يقوما بتحليلٍ منظمٍ للكيفية التي يمكن بها لبكتيريا الأمعاء أن تؤثر على نشاط الجينات في مناطق أخرى في الدماغ. في آخر دراساتهم، والتي قادها طالب الدكتوراه آلان هوبان، استخدم الباحثون تقنية تسلسل الحمض النووي الرايبوزي ليدرسوا تعبير الجينات في القشرة أمام الجبهية، والتي تلعب دوراً رئيسياً في الوظائف التنفيذية مثل التخطيط وصنع القرار، وأيضاً في معالجة المعلومات العاطفية، وذلك من خلال ممارسة التحكم العلوي-السفلي على اللوزة وعلى تراكيب دماغيةٍ أخرى تحت قشرية.

عبر استخدام نفس المنهج الذي اُستخدموه في دراستهم السابقة، قارن الباحثون مستويات التعبير الجينيّ في الفئران الخالية من الجراثيم بتلك الموجودة في الفئران الطبيعية. فقام الباحثون بتحديد ما يقارب 90 جيناً أظهرت فرقاً في التعبير الجينيّ لدى الفئران الخالية من الجراثيم مقارنةً بالفئران الطبيعية، ومما فاجأهم أنهم وجدوا أن عدداً لا بأس به من تلك الجينات معروفةٌ بانخراطها في عملية تكون الميالين، وظهرت أنها أكثر نشاطاً في القشرة أمام الجبهية للفئران الخالية من الجراثيم مقارنةً بالفئران الطبيعية. تشفر بعض الجينات التي حددوها المعلومات الجينية المكوّنة للبروتينات والتي تُشكّل المكونات التركيبية للميالين، بينما البعض الآخر يلعب دوراً تنظيمياً في عملية تكوّن الميالين.

تابع الباحثون تجربتهم عبر تشريح أدمغة الحيوانات (الفئران) بسبب افتِتانهم بنتائجهم، واستخدموا المجهر الإلكتروني ليفحصوا أنسجة القشرة أمام الجبهية عن قربٍ. أظهر الفحص أن الفرق في التعبير الجينيّ صاحبته فروقاتٌ تشريحيةٌ مرئيةٌ، بحيث أن الألياف العصبية في القشرة أمام الجبهية في الفئران الخالية من الجراثيم كانت مُحاطةً بطبقةٍ أكثر سماكةً من غشاء الميالين مقارنةً بالفئران الطبيعية.

الأهم من ذلك هو أن الباحثين وجدوا أن هذه الآثار كانت أكبر بكثيرٍ في ذكور الفئران مقارنةً بالإناث، وأن هذه الآثار يمكن أن تُعكس بشكلٍ جزئيٍّ عبر إدخال بكتيريا الأمعاء إلى الفئران الخالية من الجراثيم بعد فطامهم.

الميالين هو مادةٌ دهنيةٌ تلف نفسها حول الألياف العصبية لتمنع تسرب التيار الكهربائي منها وتسّهل توصيل النبضة العصبي. ويُصنّع الميالين في الدماغ بواسطة خلايا دِبقيةٍ متخصصةٍ تُسمى بالخلايا الدبقية قليلة التغضّن، ولكل واحدةٍ من هذه الخلايا عددٌ قليلٌ من التفرعات التي تُكوّن طبقةً مسطحةً من الميالين وتلتف حول قطعةٍ قصيرةٍ من محورٍ عصبيّ. وبهذا يغّلف كل فردٍ من ألياف المحور العصبيّ بقطعةٍ قصيرةٍ من الميالين الذي كونته العديد من الخلايا الدبقية قليلة التغضن المختلفة. وعندما تُثار الخلية العصبية، فإن نبضاتها الكهربائية تقفز بين الفجوات في غشاء الميالين مما يُسّرع انتقالها عبر امتداد الليف العصبي.

إن العملية تكوّن الميالين ولفه حول المحاور العصبية، هي عمليةٌ في غاية الأهمية لنضج وتطور الدماغ. ففي مرحلة المراهقة يمر الدماغ بمرحلةٍ مطولةٍ تتصاعد فيها المرونة العصبية وتتم فيها إزالة عددٍ كبيرٍ من التشابكات العصبية في القشرة أمام الجبهية، وتجتاح موجةٌ من عملية تكوّن الميالين منطقة القشرة أمام الجبهية. تُحسن هذه العمليات الدوائر العصبية في القشرة أمام الجبهية وتزيد اتصالها بمناطق الدماغ الأخرى. إلا أن الزيادة المرونة العصبية تجعل المراهقين أكثر عرضةً للانخراط في السلوكيات الخطرة وللإصابة بالأمراض النفسية كالفصام.

إن عملية تكوّن الميالين مهمةٌ للغاية أيضاً للدماغ ليؤدي وظيفته الطبيعية اليومية. فالميالين يزيد من سرعة انتقال النبضات في الألياف العصبية مئات المرات، ولهذا فإن العواقب تكون مُدمرةً عندما تتعطل عملية تكوّن الميالين. فعلى سبيل المثال، ربما يؤدي فقدان الميالين في الدماغ والحبل الشوكي إلى صعوبةٍ في الحركة والرؤية في التصلب المتعدد (التصلب اللويحي)، وفي الحالات الشديدة إلى العمى الكامل والشلل.

يقول كريان: “لقد أزلنا الستار عن عمليةٍ تُقيّد تكوّن الميالين في القشرة أمام الجبهية”. ويضيف: “على حسب معلوماتنا، فإن هذه هي الدراسة الأولى التي تُظهر علاقةً واضحةً بين الميكروبيوم وتكوّن الميالين في الدماغ”. ربما تؤدي النتائج الجديدة أخيراً إلى علاجاتٍ جديدةٍ لمرض التصلب المتعدد (التصلب اللويحي) وأمراض فقدان الميالين الأخرى، بالاعتماد على البريبيوتيك*، البروبيوتيك^، بل وحتى زرع البراز+، حيث يمكن استخدام كل هذه الوسائل لتغير التكوين الدقيق للميكروبات في الأمعاء.

لكن لهذه النتائج تطبيقاتٌ أوسع أيضاً. فهناك دليلٌ متزايدٌ على أن توزيع الميالين في الدماغ يُمكن أن يتعدل استجابةً للتجربة. ويُشير كريان إلى دراسة أُجريت عام 2012مـ والتي أظهرت أن الانعزال الاجتماعي يضعف تكوّن الميالين في القشرة أمام الجبهية في الفئران الراشدة. وبالتالي، فإن النتائج الجديدة تُقدم دلالاتٍ مثيرةً حول إمكانية كيفية تنظيم بكتيريا الأمعاء مرونة الدماغ استجابةً للانعزال والعوامل الاجتماعية الأخرى أو المحفزات البيئية.

أظهرت دراسةٌ حديثةٌ أخرى أن بكتيريا الأمعاء تتحكم في نضوج ووظيفة الدُبيقيات، وهي الخلايا المناعية التي تتخلص من التشابكات العصبية غير المرغوب بها في الدماغ. وبالتالي سيكون من المغري التنبؤ بأن التغيرات المرتبطة بالعمر في تكوين ميكروبات الأمعاء ربما تُنظم عملية تكوّن الميالين وعملية إزالة التشابكات العصبية في المراهقين، وبالتالي يمكنها أن تُساهم في التطور الإداركيّ. ولذا، فإن تعلم المزيد عن العلاقة بين ميكروبات الأمعاء والدماغ ربما يُساعد الباحثين على فهم التغيرات التي تحدث في الدماغ خلال سن المراهقة.

تقول المتخصصة في الأحياء الدقيقة إليزابيث بيك من جامعة ستانفورد: “تُعد هذه ورقةً بحثيةً جديدةً مثيرةً والتي تُمثّل خطوةً مهمةً في الأبحاث في مجال محور الدماغ والأمعاء”. وتضيف: “وبالرغم من أننا يجب أن نكون حذرين في استنباط هذه النتائج و تعميمها على الناس، إلا أنها تعطي دليلاً مقنعاً على الاتصال المعقد بين بكتيريا الأمعاء والدماغ، وتدعم الفرضية التي تقول أن بكتيريا الأمعاء لا تُنّظم فقط التراكيب التشريحية بل أنها تُنظم أيضاً السلوك والمزاج على الأرجح”.

يقول كريان أن فريقه يُجري الآن تجارب شبيهةٍ على فئران ذوي أعمارٍ مختلفةً ليحاولوا أن يحددوا مراحل التطور التي ربما تُحْدِث فيها بكتيريا الأمعاء هذه التأثيرات، ويأمل أن يستخدم الباحثون الآخرون أقطاباً كهربائيةً دقيقةً لفحص النتائج الوظيفية لتنظيم عملية تكوّن الميالين بواسطة بكتيريا الأمعاء. يقول كريان: “نريد أيضاً أن نفهم الآلية الكامنة. ما الذي الشيء في الميكروبيوم الذي يقود هذا التأثير؟ هل هو بسبب وجود بعض المواد الناشئة عن الأيض، أو على الأرجح بسبب غياب هذه المواد، وهل يمكننا أن نعيد هذه المواد باستخدام المضادات الحيوية على سبيل المثال؟”.




المصدر: (theguardian)

البريبيوتيك* (وهي ألياف النباتات التي تساعد على نمو البكتيريا المرغوبة في الأمعاء)
البروبيوتيك^ (وهي المتممات الغذائية التي تتكون من البكتيريا الحية والخمائر المفيدة للجسم)
زرع البراز+ (وهو نقل المواد الموجودة في براز شخصٍ سليمٍ إلى الشخص المصاب)
التصلب المتعدد (التصلب اللويحي) (multiple sclerosis)
جامعة كلية كورك (University College Cork)
عملية تكوّن الميالين (myelination)
ترانزليشينال سايكايتري (Translational Psychiatry)
ميكروبيوم (microbiome)
مرض باركنسون (Parkinson’s Disease)
جون كريان (John Cryan)
جيرارد كلارك (Gerard Clarke)
معهد ميكروبيوم أي بي سي (APC Microbiome Institute)
اللوزة الدماغية (amygdala)
آلان هوبان (Alan Hoban)
الحمض النووي الرايبوزي (RNA)
القشرة أمام الجبهية (prefrontal cortex)
خلايا دِبقيةٍ (glial cells)
الخلايا الدبقية قليلة التغضّن (oligodendrocytes)
ما قبل الأحياء (Prebiotics)
البروبيوتيك (probiotics)
زرع البراز (fecal transplants)
الدُبيقيات (microglia)
إليزابيث بيك (Elisabeth Bik)
جامعة ستانفورد (Stanford University)

 

Comments are closed.