انتاج حالة الصلابة الفائقة الغريبة للمرة الأولى

كتابة: طاقم بي اي سي.
ترجمة: طه محمد.

تأتي المادة في أبسط حالاتها بالشكل الصلب، السائل، الغازي، أو البلازما. لكن ماذا لو كنا قادرين على الجمع بين الخصائص الأساسية لهذه الحالات المنفصلة للمادة لنخلق هجيناً غريباً، هجيناً من المادة يمكن أن يتواجد في الحالتين الصلبة والسائلة معاً بطريقةٍ ما؟

قال فريقان مستقلان من الفيزيائيين أنهما تمكنا من فعل ذلك بالضبط عبر بإنتاج حالة صلابة فائقة، وهى حالةٌ شاذةٌ من المادة التى تملك البنية البلورية للمادة الصلبة، لكنها تنساب كالسوائل، ويقولون أنه من الممكن أن تكون هذه هى أول حالة صلابةٍ فائقةٍ تُنتج على الإطلاق. وأشار أحد اعضاء الفريق إلى إن حالة الصلابة الفائقة يجب ان تكون مستحيلةً، وذلك لإن خواص المواد الصلبة والسائلة تكون متعارضةً عادةً.

لكن وجود حالة الصلابة الفائقة تُنبؤ بها باكراً منذ العام 1969مـ، عندما وضع عالمٌ فيزيائيٌ روسيٌ فرضيةً تقول بأن نظير الهيليوم-4 يمكن أن يجمع بين الحالتين الصلبة والسائلة في آنٍ واحدٍ. في وقتها، كانت المشكلة الوحيدة هي اعتقاد الجميع بأنه من المستحيل خلق حالة الصلابة الفائقة.

في العقود التالية، رصد الفيزيائيون لمحاتٍ لحالةٍ كموميةٍ غريبةٍ، لكن النتائج التجريبية سادها عدم اليقين. وفي العام 2004مـ، أعلن باحثون من جامعة ولاية بنسلفانيا أنهم تمكنوا من تحقيق ما بدا أنه حالة صلابةٍ فائقةٍ عن طريق تبريد الهليوم الصلب إلى أقل من عشر الدرجة فوق الصفر المطلق (حوالي  273 درجة مئوية تحت الصفر). حيث كانوا قادرين فجأةً على معالجتها بطريقةٍ أكثر سهولةٍ من ذي قبل، مما لمح لهم بأنهم حققوا حالةً جديدةً من المادة، والتي تجمع خصائص المواد الصلبة والموائع الفائقة معاً، وهي السوائل معدومة اللزوجة.

صرح الفيزيائي روس ماكنزي من جامعة كوينزلاند في أستراليا والذي لم يشارك في الدراسة لـ إيه بي سي نيوز في حينها: “إنها صلبةٌ من ناحية أنها قاسيةٌ نوعاً ما كمثل المواد الصلبة الإعتيادية، ولكن لديها هذه الخاصية الغريبة جداً وهي أنه يمكنها التدفق دون أي لزوجةٍ على الإطلاق”.

لكن أعضاء الفريق ظلوا عازفين عن تسمية ما صنعوه بحالة الصلابة الفائقة إلى أن يصبح من الممكن تكرار التجربة، لأنهم كانوا غير قادرين على استثناء احتمالية أن طبقةً رقيقةً من السائل لم تتسلل لداخل الحاوية الزجاجية لتسبب بانحرافٍ في النتائج. وبالتقدم سريعاً إلى العام 2006مـ، ادعى الفيزيائي جون ريبي من جامعة كورنيل أنه فضح زيف تجربة حالة الصلابة الفائقة لجامعة ولاية بنسلفانيا.

حاول “غريم حالة الصلابة الفائقة” سيء السمعة ريبي أن يكرر التجربة باستخدام جهازٍ يسمى المذبذب التوائي، وقال إن مظهر حالة الصلابة الفائقة كان نتيجةً لعيوبٍ في البنية البلورية ببساطةٍ. وشرح يوجيني صموئيل رايش في دورية نايتشر: “لم تكن إشارة حالة الصلابة الفائقة ناتجةً عن سلوكٍ كميٍ داخليٍ لبلورةٍ نقيةٍ، ولكنها تعود بطريقةٍ ما إلى اضطرابٍ في البنية، وهذا هو السبب في اختفاءها عند اختفاء العيوب”. وفي عام 2010مـ، ظهرت تجربةٌ أخرى لريبي لتضع مسماراً آخر في نعش حالة الصلابة الفائقة.

قال رايش أن النتائج أشارت إلى أن ريبي اكتشف نوعاً من “الليونة الكمومية”، حيث زادت ليونة الهليوم-4 الصلب بشكلٍ جذريٍ مع ارتفاع درجة حرارته، ولكن بعد ذلك تصلب مجدداً مع الانخفاض في درجة الحرارة. وأكمل مضيفاً: “وهذا التصلب من شأنه أن يسبب زيادةً في تردد المذبذب التوائي ويحاكي إشارة حالة الصلابة الفائقة”. وقال ريبي وقتها: “لقد خاب أملي عندما تبين أن هذا شيءٌ اخر غير حالة الصلابة الفائقة”.

لم يستطع الفيزيائيون أن يقرروا من كان على حق: هل استطاع فريق جامعة ولاية بنسيلفانيا تحقيق حالة الصلابة الفائقة حقاً أم هل كشف ريبي زيف زعمهم؟ ومن وقتها، ظل احتمال وجود حالة الصلابة الفائقة مثيراً للجدل، لكن النتائج التجريبية الجديدة القادمة من باحثين في الولايات المتحدة وسويسرا قد تغير الوضع القائم أو تجعل الأمور حتى أكثر تعقيداً.

حيث تدعي فرقٌ من معهد ماساتشوستس للتقنية وإي تي اتش زيوريخ أنها قد أنتجت حالة الصلابة الفائقة في شكلٍ غريبٍ من حالات المادة المعروفة بتكاثف بوز- أينشتاين، وهي حالةٌ من حالات المادة التي تتشكل في درجات حرارةٍ شديدة البرودة، حيث تتصرف الذرات مثل الموجات. وإن فائدة البدء بتكاثف بوز- أينشتاين هي أنها مائعٌ فائقٌ، ولذا فقد قطعت نصف الطريق إلى حالة الصلابة الفائقة بالفعل.

كما ورد في تقرير إميلي كونوفر لـ ساينس نيوز أن الفرق استخدمت أساليب مختلفةٍ لتصل الى نفس النتيجة. حيث تمكنوا من اقناع المائع الفائق من التصرف كالمواد الصلبة في نفس الوقت، وذلك عن طريق تكوين تنوعاتٍ في الكثافة المنتظمة للذرات. حاكى ذلك التركيب الذري المتكرر للبلورة الصلبة، ولكن السائل كان ما زال قادراً على التدفق من خلال هذا النظام الصلب.

بمعنى ما، لقد صنعوا مادةً قادرةً على التدفق خلال نفسها، وبدون أية مقاومةٍ تذكر. ويقول سارانغ غوبالاكريشنان من جامعة مدينة نيويورك والذي لم يشارك في البحث: “إنها بالتأكيد الحالة الأولى حيث يمكنك النظر إلى نظامٍ بوضوحٍ لا لبس فيه وتقول إن هذا مائعٌ فائقٌ وصلبٌ في ﺁنٍ واحدٍ”.

إن ادعاءات تحقيق حالة الصلابة الفائقة ستكون مثيرةً للجدل، ولقد التزم كلاً من الفريقان بالصمت حتى يتم استعراض النتائج من قبل الدوريات المُحكمة (لقد تم تقديمهما إلى الدوريات ويتم معالجتها بينما نتكلم). وسيكون أكبر الشكوك التي يجب أن نتعامل معه هو كيفية تعريفنا فعلياً لحالة الصلابة الفائقة، وإذا ماكان إستخدام تكاثف بوز- أينشتاين بدلاً من الهيليوم- 4 الصلب هو نهجٌ مشروعٌ.

يوضح كونوفر: “إن فكرة حالة الصلابة الفائقة غريبةٌ جداَ بسبب تنافس حالة الميوعة الفائقة مع الصلابة، حيث تضطر الذرات لاختيار حالةٍ من الاثنين في معظم المواد”. ولكن خلافاً لذلك، يمكن لهذه الحالتين التعايش بسهولةٍ أكبر معاً وفي وفاقٍ في حالة تكاثف بوز- أينشتاين، جاعلةً هذه المواد الغريبة أقل معارضة للبديهة مما تفعل حالة الصلابة الفائقة في الهيليوم- 4″.

كما أن حقيقة إنتاج حالة الصلابة الفائقة عن طريق تعديل البنية الداخلية للمادة يدوياً بدلاً من إخضاعها ببساطةٍ لتقلبات درجات الحرارة كما فعل فريق جامعة ولاية بنسلفانيا مع الهليوم- 4 الصلب  قد يعتبر كـ “غِش”. وينبغى لنا أن نرى ما إذا كان يمكن تكرار النتائج لنكون على يقينٍ، لكن يبدو أن السباق إلى حالة الصلابة الفائقة على وشك البداية مجدداً، ونحن متحمسون لمعرفة إلى اين يمضي. ولقد نشرت النتائج على موقعٍ لما قبل النشر هنا (اى تى اتش زيورخ) وهنا (أم اى تى).

المصدر (sciencealert)

Comments are closed.