أنماط النشاط العصبي للدماغ المُخدر تكشف أدلة جديدة عن الوعي

ترجمة: أسامة اليمني.
مراجعة: عبد الحميد شكري.

ستظل الخلايا العصبية نشطةً على نحوٍ كبيرٍ حتى تحت تأثير التخدير، حيث أوضحت دراسةٌ أجراها عددٌ من الباحثين في مستشفى شاريتيه الجامعي ببرلين أن الشبكات العصبية الموضعية تبقى نشطةً حتى وإن غاب الدماغ عن الوعي، وذلك باستخدام تصويرٍ خلويٍّ عالي الدقة. فتحت تأثير التخدير، تُغيِّر الخلايا العصبية من طريقة عملها عبر الاستثارة بشكلٍ أكثر تزامناً، كما تصبح متفاعلةً بشكلٍ يبعث على الدهشة مع المؤثرات الخارجية. ولقد تم نشر نتائج هذه الدراسة في دورية جبهات علم الأعصاب الخلويّ.

يعد إثبات كيفية إنتاج الدماغ للوعي من أعتى الأسئلة البحثية في مجال علم الأعصاب، وفي محاولةٍ للتوصل إلى إجابةٍ لمثل هذا السؤال قام فريقٌ بحثيٌّ بقيادة الباحث بمبادرة مجتمع التميز نيوروكيور التابع لشاريتيه وهو الدكتور مظاهر حسن بضم جهوده مع زملائهم من معهد ماكس بلانك للبحث الطبي في هايدلبرغ. فتمكنوا من معرفة كيفية اختلاف النشاط العصبيّ في أدمغة الفئران ما بين حالة الوعي وحالة التخدير عن طريق تصوير النشاط العصبيّ لأدمغتها. ويوضح دكتور حسن من نيوروكيور قائلاً: “لقد استخدمنا بروتيناً فلوريّاً والذي يعمل على تحويل الإشارات الكهربية إلى أخرى ضوئية. حيث مكَّننا ذلك من الكشف عن تردد ومتوسط سعة الموجة الذيْن تُحْدِثهما الاستجابات العصبية، كما سمح لنا ذلك بكشف النقاب عن التزامن العصبيّ”. وربما تشير تلك النتائج إلى أن عملية الوعي لا تعتمد على عدد الخلايا العصبية النشطة في القشرة الدماغية ببساطة، بل يبدو أنها تعتمد على الطريقة التي تتواصل بها تلك الخلايا وعلى درجة اختلافها من حيث أنماط نشاطها.

تظهر القشرة الدماغية في حالة اليقظة أنماطاً معقدةً من النشاط، حيث استثارةٍ للخلايا الفردية في أوقاتٍ مختلفةٍ. ولكن جميع الخلايا العصبية أظهرت أنماطاً متماثلةً من النشاط واسْتَثيرت في الوقت ذاته تحت تأثير المخدر. يذكر عالم الأحياء العصبية من هايدلبرغ والمؤلف الرئيسي لهذه الدراسة البحثية وهو السيد توماس ليسيك: “على الرغم من أنه من المتوقع أن يتوقُّف الدماغ عن العمل تحت تأثير التخدير، إلا أن الحقيقة مغايرةٌ تماماً. حيث تظل الخلايا العصبية نشطةً للغاية ولكنها تُغَيِّر من طريقة التواصل فيما بينها. إذ أنها تصبح متزامنةً بصورةٍ كبيرةٍ أثناء حالة اللاوعي، أيّ أن جميع الخلايا العصبية تشرع بفعل الشيء ذاته بمعنىً أبسط”. كما وُجِد أيضاً بطريقةٍ توحي بالدهشة أن الخلايا العصبية تحت تأثير التخدير أصبحت أكثر حساسيةً للمؤثرات البيئية عما هو الحال أثناء اليقظة. حيث يقول السيد ليسيك: “هذا يُثير الدهشة بشكلٍ خاصٍّ، حيث يُسْتخدَم التخدير لإيقاف عمل الألم والمؤثرات الخارجية أثناء الجراحة”. حتى أن بعض مناطق الدماغ المختصة عادةً بإدراك اللمس استجابت للمعلومات الصوتية.

نشطةٌ ومتزامنةٌ للغاية: هكذا تظهر الخلايا العصبية تحت التخدير.

تَمْنَحُنا تلك الرؤى الجديدة حول أنماط النشاط العصبي معلوماتٍ متعلقةً بماهية المعايير الخلوية الضالعة في إنتاج الوعي وفقدانه. وربما تساهم تلك الاكتشافات بعد دمجها مع التطورات الأخرى التي قد تمكننا من قياس النشاط العصبيّ في الدماغ البشريّ في تحسين الوسائل التشخيصية المُتَّبَعة في حالاتٍ مثل الغيبوبة ومتلازمة المُنْحَبِس. ولقد نجحت هذه الدراسة للمرة الأولى في إظهار إمكانية ملاحظة الشبكات العصبية المعروفة بصرياً على مدار عدة أسابيع لدراسة تأثيرات ما بعد التخدير. ويؤكد دكتور حسن قائلاً: “من الواضح أن دراسة التخدير سينتج عنها رؤىً عميقةً فيما يخص آلية الوعي”.

المصدر: (neurosciencenews)

مستشفى شاريتيه الجامعي ببرلين (Charité – Universitätsmedizin Berlin)
جبهات علم الأعصاب الخلوي (Frontiers in Cellular Neuroscience)
مظاهر حسن (Mazahir T. Hasan)
مبادرة مجتمع التميز (نيوروكيور) (NeuroCure Cluster of Excellence)
معهد ماكس بلانك للبحث الطبي في هايدلبرغ (Max Planck Institute for Medical Research in Heidelberg)
بروتين فلوري متألق (fluorescent protein)
توماس ليسيك (Thomas Lissek)
الإدراك باللمس (الإدراك اللمسي) (tactile perception)
التزامن العصبيّ (neuronal synchrony)
متلازمة المُنْحَبِس (locked-in syndrome): وهي حالةٌ مرضيةٌ يحتفظ فيها المريض بوعيه ولكنه يفقد معظم الإشارات العصبية الإرادية الصادرة عنه لتتركه في حالة شللٍ رباعيٍّ وعجزٍ عن النطق وعن تحريك عضلات الوجه والرقبة، وكل ما يتبقى له هو مجرد تحريك العين في اتجاهٍ رأسيٍّ وومض العين كوسيلة اتصالٍ وحيدةٍ مع العالم الخارجيّ.

 

Comments are closed.