ماذا أضاف الحراك البيئي للأرض والحضارة الانسانية؟

كتابة: حيدر موسى.




في يوم الأرض الذي يصادف الثاني والعشرون من ابريل، يحق لنا أن نسأل: ماذا أضافت الحركات والأحزاب والأكاديميات والجمعيات البيئية لصالح الأرض والتقدم العلمي والبشري بعد قرابة الخمسين عاماً من الوجود.

يكاد يتفق الساسة وأصحاب التوجه المالي الجشع أن الحركات البيئية تعمل على عرقلة النهوض الاقتصادي للدول، وتدفع إلى المزيد من البطالة عبر إغلاق المصانع ذات الأثر الضار بالبيئة، بل وتعمل على منع امتلاك التكنولوجيا المتقدمة كالطاقة النووية وعرقلة تنامي الحضارة الإنسانية تحت عناوين حماية الأرض والتنوع الحيوي ومستقبل الكائن البشري. وكل هذا الجدل يتجلى أوضح في الدول المتقدمة حيث الأحزاب والبرلمان ومؤسسات المجتمع المدني المساندة للتوجه البيئي تضغط بقوة لسن مزيدٍ من التشريعات، والتظاهر في الطرقات في سبيل تحقيق الاهداف البيئية المنشودة.

هذا الاعتراض السياسي ذو الخلفية المادية على العمل البيئي يبرز بقوةٍ مثلاً عند الحديث عن موضوعٍ واحدٍ فقط من المواضيع البيئية المتعددة، ألا وهو ظاهرة تغير المناخ. فبالرغم من أن ٩٧٪‏ من الأبحاث العلمية النزيهة والمستقلة التي درست هذا الموضوع ثبت لديها يقيناً دور الأنشطة البشرية في الإسهام المباشر في رفع درجات الحرارة، يصر قادة دول العالم الرأسمالي، القادمون عادة أو المتحالفون مع كبريات الشركات الإقتصادية المؤثرة، على التنكر والتنصل والتمسك بالتفسيرات العلمية الضعيفة، تخوفاً من الكلفة الاقتصادية الباهظة التي قد تترتب جراء أيّ التزاماتٍ دوليةٍ قد تطالها، وهذا ما يفسر سبب تباطء معظم مباحثات ومؤتمرات المناخ عن تحقيق تطلعاتها منذ اتفاقية كيوتو واتفاقية باريس.مؤخراً.

إن الحركات البيئية بالمجمل لا تتنكر لدور التكنولوجيا في سبيل تعزيز الرفاهية للمجتمع البشري، ولا تتنصل للنهضة العلمية التي ترى نفسها جزءاً لا يتجزأ منها، ولا تدعو إلى تكنو علمية تتقهقر على أثرها حضارة الانسان الى عصور التخلف، مع استثناءٍ بسيطٍ لبعض الفلسفات البيئية التي تنزع إلى فكرة عدم مركزية الإنسان في الأرض وعدم امتلاكه حق وسلطة العبث بالطبيعة كونه جزءاً منها وليس حاكماً ومتسلطاً عليها. وكل ما يدعو إليه ذوي التوجه البيئي الغالب هو خلق التوازنات المطلوبة بين الطبيعة والتنمية، بين الإنسان ومحيطه. فبعد أن كانت التنمية ورفاهية الانسان هي محور الخطط الاقتصادية، صار من الواجب إضافة بعدٍ اخر فاعلاً ومؤثراً إلا وهي الطبيعة ومواردها المحدودة.

على هذا يمكن ان نلخص أهم انجازات الحركات البيئية، في جملةٍ من النقاط التالية:

أولا: مفهوم الاستدامة:
ان الفضل لبروز هذا المصطلح الذي بتنا نسمعه كثيراً في الأدبيات السياسية والإقتصادية والمحافل الثقافية يعود بلا شك إلى المساعي البيئية الرسمية والغير رسمية. فمفهوم الاستدامة يحث الانسان إلى النظر إلى أبعد مدىً بقدر الامكان، وإن يجعل للأجيال القادمة حصةً من الشراكة على الموارد الطبيعية كما هي للإنسان الحاضر. وأن يعمل فيها الانسان على وزن خططه الإقتصادية والتنموية بما يراعي المصلحة العامة، وأن يجعل من التنمية فعلاً مستمراً ودائماً وليس مقصوراً على فتراتٍ زمنيةٍ متكدسةٍ ومتقطعةٍ.

ثانيا: الابداع العلمي:
ساهم تنامي الحس البيئي لدى الافراد والمجتمعات إلى إضافة مزيدٍ من عنصر الابداع في الحلول التقنية، فلطالما وُلدت الاختراعات البشرية من رحم الحاجة والمعاناة. وما تدفع به الحركات البيئية هو إضافة عنصر التحدي في الاختراعات وتحسين طريقة وكفاءة عملها بما يضمن حماية الارض. وعلى هذا صارت التكنولوجيا الحديثة وكبريات الشركات اليوم تتنافس في تقديم اختراعات تستهلك طاقةً وموارد أقل وبفعاليةٍ أكبر. وصار الاهتمام البيئي مصدر فخرٍ لشركاتٍ مؤثرةٍ مثل قوقل وأبل والفيسبوك وغيرها. فالضغط البيئي المدعوم بالقوانين والتشريعات المحلية والدولية ساهم في التحسين من كفاءة التقنيات المستخدمة في المصانع والسيارات وعمل على التقليل من نسب انبعاثات ثاني اكسيد الكربون وغيرها من المواد الضارة.

ثالثا: حماية التنوع الحيوي والصحة البشرية:
لقد كرست النهضة الصناعية والرأسمالية الاقتصادية نزعة الجشع والآنا في الذات البشرية، وموت الضمير الذي يدفع المصانع لرمي المخلفات في البيئات المائية وإلى تدمير الغابات، والقتل اللامتناهي للحيوانات في سبيل رفاهية الانسان. وقد أسهمت البحوث البيئية المتتالية في التوصل الى فهم حقيقي لقيمة التنوع الحيوي وإلى دقة الانظمة البيئية، بحيث أن الخلل في المنظومة الحيوية يتبعه تأثيرٌ خطيرٌ يطال كيان الانسان ذاته. ومن هنا تصاعد الإهتمام في العقود الاخيرة بحقوق الحيوان والأشجار، وتم وضع التدهور البيئي ضمن العوامل الصحية الاكثر تأثير بالإنسان. وترتب على ذلك إزالة وحظر استخدام عددٍ هائلٍ من المركبات الكيميائية الخطرة، مثل نزع الرصاص من وقود السيارات، وحظر استخدام مركبات كلوروفلوروكربون CFCs المسببة لثقب الاوزن، ومواد الاسبستوس المسرطنة والمستخدمة في مواد البناء. ولك ان تتخيل بعد عقود من حظر تلك المواد كيف سيكون عليه مصير الأرض والإنسان لو كانت موجودة إلى الان.

رابعا: الاقتصاد الاخضر والطاقة المتجددة والتدوير:
من أهم عمل الحركات البيئية هو الدفع باتجاه تبني اقتصادٍ أخضر ونظيفٍ ومتجددٍ وغير مكلفٍ، وقابلٍ للتدوير لحفظ أكبر قدر ممكنٍ من الموارد والاستفادة من المخلفات. هذا الإقتصاد يولد ويخلق فرصاً وظيفيةً عاليةً، ويدعم الدول الفقيرة غير القادرة على تحمل تكلفة الطاقة الإحفورية للاستفادة من الفرص المتاحة والمتجددة في إطار جغرافيتها وطبيعتها الممكنة سواءً أكانت من الشمس او الرياح او الامواج وغيرها من اشكال الطاقة النظيفة. عندما نرى اليوم السويد تستفيد من النفايات في توليد الكهرباء، أو نرى ألمانيا تنتج من الطاقة الشمسية أضاعف ما تنتجه مفاعلات الطاقة النووية الفتاكة، ألا يحق للحركات البيئية ان تتباهى بإنجازاتها، حيث لطالما كانت ألمانيا تحديداً البلد الحاضن الاكبر والاب الروحي للحراك البيئي العالمي.

في الختام، نأتي للفئات العاملة في المجال البيئي على المستوى المحلي والعربي. فمن صحيح أن العمل البيئي يتطلب مناخاً سياسياً مؤاتياً ويتطلب فسح مجالٍ أوسع لعمل مؤسسات المجتمع المدني، إلا أن هذا لا يعني ان تظل البرامج البيئية المقدمة محدودةً بجمع النفايات وحملات تنظيف الشواطئ والمنتزهات. يجب علينا الدفع بالشباب للعمل والابتكار التقني الذي يحسن من كفاءة الطاقة ويحفظ الموارد، كما يجب التواصل والاستفادة من منجزات ما تحققه الجمعيات البيئية العالمية، فالحركات البيئية ذات طابع عالمي وعابر للحدود والقارات، فالأرض واحدة والمصير واحد.




Comments are closed.