ماذا سيحصل لو حدثت أكبر عاصفةٍ شمسيةٍ في التاريخ اليوم؟

كتابة: ريتشارد لوفيت.
ترجمة: عبير.
مراجعة: عبد الحميد شكري.

ثارت الشمس في 14 من فبراير (شباط) مسببةً أكبر انفجارٍ شمسيٍّ في أربع سنواتٍ، وكان حجمه كبيراً بما يكفي ليتداخل مع الاتصالات اللاسكلية وإشارات نظام تحديد المواقع الخاص بالطائرات في الرحلات طويلة المسار. وفي حين أن تلك العواصف الشمسية انقضت، كان التوهج الشمسي في يوم الفالنتين في واقع الأمر متواضعاً، وما كان انفجار النشاط هذا إلا بدايةً لانفجارٍ شمسيٍّ أقوى قادمٌ سيبلغ ذروته في السنوات القادمة.

صرح مدير مركز التنبؤ بطقس الفضاء في بولدير بولاية كولاورادو وهو توم بوجدان في مطلع هذا الشهر في اجتماع الجمعية الأمريكية للتقدم العلمي في واشطن دي سي: “للشمس دورة نشاطٍ تشبه موسم الأعاصير”. ويضيف: “لقد كانت الشمس في سباتٍ لمدة أربع أو خمس سنواتٍ ولم تبدِ أي حركةٍ”. أما الآن فقد استيقظت الشمس، وحتى لو كانت العاصفة الشمسية القادمة القصوى ستجل نشاطاً أقل بالمجمل في معدل النشاط، إلا أن الأحداث الفردية يمكن أن تكون قويةً جداً.

في الحقيقة ووفقاً لناسا، إن أكبر عاصفةٍ شمسيةٍ سُجلت في التاريخ هي تلك التي حدثت عام 1859مـ، وذلك خلال ذروة نشاطٍ شمسيٍ بنفس حجم الذي سندخله الآن. ولقد لُقبت تلك العاصفة بحدث كارينغتون تيمناً بالفلكي البريطاني ريتشارد كارينغتون، وهو الذي شهد التوهج الضخم وكان أول من لاحظ الرابط بين نشاط الشمس والاضطراب المغناطيسي الجيولوجي على الأرض. ولقد سُجل ظهور أضواء الشمال في مناطق بعيدةٍ ككوبا وهونولولو خلال حدث كارينغتون، بينما شوهدت أضواء الجنوب في سانتيغو في شيلي.

قال دانييل بيكر من مختبرات جامعة كولورادو لفيزياء الفضاء والجو في اجتماع الجيوفيزياء في ديسمبر (كانون الأول) المنصرم أن التوهجات كانت قويةً جداً لدرجة أنه “كان بإمكان الناس في الشمال الشرقي من الولايات المتحدة أن يقرؤوا الجريدة المطبوعة على ضوء الشفق”.

بالإضافة إلى ذلك، يقول فيزيائيّ الفضاء في مختبرات الولايات المتحدة للأبحاث القوات الجوية في بيدفورد بولاية ماساتشوستس وهو إد كليفر أن الاضطرابات المغناطيسية الأرضية كانت قويةً بما يكفي لدرجة أن عاملي التليغراف الأمريكي رأوا الشرارات تتطاير من معداتهم، بعضها كان سيئاً بما فيه الكفاية لدرجة أنها تسببت بإشعال الحرائق.

كانت مثل هذه التقارير في عام 1859مـ فضوليةً في معظمها، ولكن إن حدث شيءٌ مشابهٌ اليوم فيمكن أن تُسحق وتتوقف بنية العالم عالية التقنية. حيث يقول بوجدان من مركز التنبؤ بطقس الفضاء: “يكمن الخطر في كون التقنية المتقدمة كامنةً وموجودةً فعلياً في كل جانبٍ من جوانب حياتنا”.

العاصفة الشمسية ستمزق “الغلاف الإلكتروني” للأرض

يقول بيكر من جامعة كلورادو أن الاضطرابات الإلكترونية بقوة تلك التي عطلت آلات التليغراف ستكون أكثر ضرراً أساساً، حيث أن التليغراف يُعتبر “إنترنت ذاك العصر”. وتأتي العواصف الشمية التي تستهدف الأرض في ثلاثة مراحل، ولا تحدث جميعها في كلّ العواصف.

في البداية، تؤين أشعة الشمس ذات الطاقة العالية الغلاف الجوي الأعلى للأرض وتتداخل مع الاتصالات اللاسلكية، وهي في الغالب أشعةٌ سينيةٌ وأشعةٌ فوق بنفسجية، ومن ثم تحدث عاصفةٌ إشعاعيةٌ يُحتمل أن تكون خطرةً على رواد الفضاء غير المحمين.

تأتي أخيراً مقذوفةٌ الكتلة الإكليلية، وهي غيمةً تتحرك ببطءٍ من الجزيئات المشحونة ويمكن أن تستغرق أياماً حتى تصل إلى الغلاف الجوي للأرض، ويمكن لهذه الجسيمات الشمسية أن تتفاعل مع الحقل المغناطيسي للأرض لتنتج تذبذباتٍ كهرومغناطيسيةٍ قويةٍ عندما تضرب هذه المقذوفة الأرض.

يقول بيكر: “نحن نعيش في غلافٍ إلكترونيٍ يُغلف الأرض، تخيلوا ماذا يمكن أن تكون العواقب”.

يقول بيكر أن ما يبعث على القلق بوجه خاصٍ هو التشويش الذي يصيب نظام تحديد المواقع العالمي، والذي أصبح واسع الانتشار في الهواتف المحمولة، الطائرات، والسيارات. لقد بلغت قيمة الأعمال التجارية لصناعة نظام تحديد المواقع في عام 2003مـ 13 مليار دولارٍ، ويُتوقع أن تنمو لتصل إلى قرابة التريليون دولارٍ بحلول عام 2017مـ.

كما يقول بيكر أن اتصالات الأقمار الصناعية معرضةً لخطر التضرر بسبب العواصف الشمسية، والتي تُعد أساسيةً ومحوريةً في عددٍ من النشاطات اليومية، ويضيف: “في كل مرةٍ تشتري جالوناً من البنزين باستخدام بطاقتك الائتمانية، فهذه صفقةٌ تتم باستخدام الأقمار الصناعية”.

يقول بيكر وهو كاتبٌ مؤلفٌ مشاركٌ في كتابة تقرير مجلس الأبحاث الوطني عن أخطار العواصف الشمية أن الخوف الأعظم هو ما قد يصيب شبكة الكهرباء، نظراً لأن التيار الكهربائي الناتج عن الجزيئات الشمسية يمكن أن تفجر المولدات الضخمة، وستستغرق مولداتٌ كهذه وقتاً طويلاً حتى تُستبدل، خصوصاً إذا ما تضرر المئات منها في وقتٍ واحدٍ.

يوافقه كليفر من مختبرات أبحاث القوات الجوية الأمريكية قائلاً: “هم لا يملكون الكثير من هذه على الرفوف”. ويُعد النصف الشرقي من الولايات المتحدة معرضاً بشكلٍ خاصٍ للخطر، لكون البنية التحتية للطاقة الكهربائية مترابطةً جداً، ولذا فإن فشل الشبكة سينساب بسهولةٍ كسلسلة من الدومينو.

يقول بيكير: “تخيل المدن الكبرى بلا كهرباءٍ لأسبوعٍ، شهرٍ، أو سنةٍ. يمكن أن تتراوح الخسائر لما بين تريليون إلى تريليوني دولارٍ، ويمكن أن تستمر آثارها لسنواتٍ”. وحتى لو لم يتسبب النشاط الشمسيّ العالي الأخير بحدثٍ بمستوى كارينغتون، فمن المعروف أن للعواصف الصغيرة تأثيرٌ على الطاقة والاتصالات.

فـ”عواصف الهالوين” مثلاً التي حدثت عام 2003مـ تداخلت مع اتصالات الأقمار الصناعية متسببةً بانقطاعٍ قصيرٍ للتيار الكهربائي في السويد، وأشعلت السماء بشفقٍ طيفيٍّ بلغ بعده لولايتي فلوريدا وتكساس.

تحسين توقعات الطقس الفضائيّ
أحد الحلول هو إعادة بناء شبكات الطاقة الكهربائية المتهالكة لتكون أقل عرضةً لخطر الاضطرابات الشمسية، أما الحل الآخر فهو التنبؤ الأفضل. حيث يأمل العلماء الذين يستخدمون مركبة مرصد الديناميكا الشمسية الفضائية الجديدة أن يصلوا لفهمٍ أفضل لكيفية تصرف الشمس حين تتحرك لطاقتها القصوى القادمة وتبدأ بتوليد عواصف أكبر.

من الممكن أن تساهم هذه الدراسات بتوقع مكان وزمان المحتملين لظهور الانفجارات الشمسية، وإذا ما كانت العاصفة تستهدف الأرض. ويقول الفيزيائي العامل في مركز توقع الطقس الفضائي رودني فيريك: “ستزودنا التوقعات المحسنة بتنبؤاتٍ أكثر دقةً، وهكذا يمكن للمسؤولين أن يتخذوا إجراءاتٍ احترازيةٍ”.

يقول بوجدان من المركز أنه حتى الآن يمكن لأكثر الانبعاثات إضراراً والناتجة عن العواصف الكبيرة أن تنتقل ببطءٍ كافٍ لأن يُتنبأ بها باستخدام الأقمار الصناعية المراقِبة للشمس قبل أن تضرب الجزئيات الأرض بوقتٍ كافٍ. ويقول فيريك: “يمنحنا هذا حوالي 20 ساعةً لتحديد الإجراءات التي يجب أن نتخذها”.

في حالة الطوارئ، يمكن لشركات الكهرباء أن تحمي المحولات القابلة للتضرر بإطفائها قبل أن تضرب العاصفة، وربما يتسبب هذا بانقطاعٍ محليٍّ، ولكنه لن يستمر لزمنٍ طويلٍ.

يقول بوجدان: “الأخبار الجيدة هي أن هذه العواصف تنتهي عادةً بعد ساعتين”. وفي غضون ذلك، فإن العلماء يتزاحمون لمعرفة كل شيءٍ يمكنهم عن الشمس لمحاولة إنتاج تنبؤاتٍ أطول أمداً. ووفقاً لفيريك فإن على تنبؤات الطقس الفضائيّ أن تلحق بالركب: “إننا في نفس المكان حيث كانت تنبؤات الطقس قبل 50 عامٍ مضت”.

المصدر: (nationalgeographic)

ريتشارد لوفيت (Richard A. Lovett)
نظام تحديد المواقع (GPS)
مركز التنبؤ بطقس الفضاء في بولدير كولاورادو (Space Weather Prediction Center in Boulder, Colorado)
توم بوجدان (Tom Bogdan)
الجمعية الأمريكية للتقدم في العلوم في واشطن دي سي (American Association for the Advancement of Science in Washington, D.C.)
ريتشارد كارينغتون (Richard Carrington)
دانييل بيكر (Daniel Baker)
مختبرات الولايات المتحدة للأبحاث القوات الجوية في بيدفورد بولاية ماساتشوستس (U.S. Air Force Research Laboratory in Bedford, Massachusetts)
إد كليفر (Ed Cliver)
انبعاث الكتلة الإكليلي (coronal mass ejection (CME))
رودني فيريك (Rodney Viereck)

Comments are closed.