الطاقة الكهرومائية: هل هي نظيفةٌ حقاً؟

 

ترجمة: نورة النزهة

اجتازت الأرض عتبةً أساسيةً ومخيفةً جداً، وذلك بإعلان العلماء أن مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي تجاوزت رسمياً أكثر من 400 جزءٍ في المليون، وهناك أملٌ ضئيلٌ بإعادته إلى مستوياتٍ آمنةٍ.

تبدو الأمور الآن أسوأ من ذلك بكثيرٍ، لأن دراسةً جديدةً تعرفت على مصدرٍ جديدٍ لانبعاثات الغازات الدفيئة لم يُسبق لنا النظر فيه، وهو مسؤولٌ عن انبعاثاتٍ ثاني أكسيد الكربون والميثان بنسبةٍ تفوق دولة كندا كاملةً.

لكي نوضح الصورة، إننا نتحدث عما يمكنه قذف ما يقارب جيجا طنٍ واحدٍ (مليار طن) من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، وهو 1.3٪ من جميع الغازات الدفيئة التي ينتجها البشر في غلافنا الجوي كل هذا الوقت، ولم تكن لدينا أي فكرةٍ عن ذلك.

إن كنت تفكر بأن الوضع كان سيئاً من قبل، فقد ساء الآن أكثر. وتريَّث حتى تسمع عن ماهية هذا المصدر المُكتشف حديثاً للغازات الدفيئة: السدود والخزانات المستخدمة لتوليد “الطاقة النظيفة” مثل الطاقة الكهرومائية ولري المحاصيل فيما يقارب مليون منشأةٍ حول العالم.

ما يثير القلق بصورةٍ خاصةٍ هو أن نسبةً هائلةً تعادل 79٪ من الغاز الناتج من هذه الخزانات هو غاز الميثان، والذي يمتلك احتماليةً تقدر بـ 36 ضعفٍ لإحداث احتباسٍ حراريٍ مقارنةً بتلك الناتجة عن ثاني أكسيد الكربون (وهو مقياسٌ يأخذ بالاعتبار قابلية الغازات لامتصاص الطاقة، ومدة بقائها في الغلاف الجوي). ولقد وُجد أن كلاً من ثاني أكسيد الكربون وأكسيد النيتروجين الثنائي يشكلان على التوالي الـ 17٪ و 4٪ المتبقية من انبعاثات الخزانات.

توصل فريقٌ دوليٌ من العلماء الذين أنهوا أكبر دراسةٍ عن انبعاثات الخزانات للغازات الدفيئة حتى الآن إلى هذا الاكتشاف. حيث قاموا بتحليل أكثر من 200 دراسةٍ سابقةٍ عن الانبعاثات الممكنة من 267 سدٍ وخزانٍ حول العالم، التي تعادل مساحة أسطحها مجتمعةً حوالي 30.000 ميلاً مربعاً (أي 77.699 كيلو متراً مربعاً).

عندما تم جمع كافة المعلومات، وجدوا أن هذه المرافق كانت أسوء للبيئة أكثر مما كان متوقعاً. وتقول بريدجت ديمر وهي إحدى أعضاء الفريق من جامعة ولاية واشنطن مخبرةً كريس مووني من الواشنطن بوست: “كان هنالك نوعٌ من الانفجار في البحث في تأثيرات تقدير الانبعاثات الصادرة من الخزانات. لذلك جمعنا كافة التقديرات المعروفة عن الخزانات على المستوى العالمي، لتوليد الطاقة الكهرومائية وغيرها من المهام، كالسيطرة على الفيضانات أو الري”. وأضافت: “فوجدنا أن تقديرات انبعاثات الميثان لمساحةٍ من الخزان أعلى بحوالي 25٪ مما كان يُعتقد سابقاً، ونعتبر ذلك مهماً، نظراً للازدهار العالمي في بناء السدود التي في قيد التنفيذ حالياً”.

كما تشير ديمر إلى أن مرافق توليد الطاقة الكهروكيميائية ليست الوحيدة التي تساهم في هذه الكميات الضخمة وغير المحسوبة من الغازات الدفيئة، بل كافة السدود والخزانات الاصطناعية.

في جوهر الأمر، إذا قمنا عمداً بغمر مناطق من الأرض لتوليد الطاقة، لري محاصيلنا، أو للسيطرة على الفيضانات، فنحن نساهم في الاحترار المتسارع للكوكب.

وضح الفريق أن الخزانات التي صنعها الإنسان تميل إلى غمر مساحاتٍ شاسعةٍ تحتوي على الحياة العضوية كمخلفاتٍ للأعشاب والأوراق، كلها دفعةً واحدةً. بينما تغرق هذه المخلَّفات الغنية بالكربون في الماء، فإنها سرعان ما تنفذ من الأوكسجين، وذلك يؤدي إلى ازدياد تنفس الكائنات الحية الدقيقة التي تتنفس ثاني أكسيد الكربون وتطلق الميثان كمنتجٍ ثانويٍ.

يتم تغذية العديد من السدود أيضاً بأنهار المياه العذبة، التي تحمل معها مجموعةً كبيرةً من المواد العضوية الجديدة، مما يعني أن الدورة يمكن أن تستمر لفترةٍ أطول بعد تعفن وتآكل المواد الأصلية.

من ناحيةٍ أخرى، تطورت المسطحات المائية الطبيعية كالبحيرات، المستنقعات، الأنهار أو الأراضي الرطبة أكثر بشكلٍ تدريجيٍ. وهي أقلُّ عرضةً للنفاذ من الأوكسجين على عكس السدود والخزانات.

يقول أحد أعضاء الفريق من ولاية واشنطن جون هاريسون مخبراً صحيفة الواشنطن بوست: “إذا كان الأوكسجين متوفراً فسيتم تحويل الميثان إلى ثاني أكسيد الكربون مرةً أخرى. وإذا لم يكن موجوداً، فيمكن أن يُطلق من جديدٍ إلى الغلاف الجوي بصورة الميثان”.

فهل يعني ذلك أن الطاقة الكهرومائية لم تعد خياراً مقبولاً؟

يقول الباحثون أنه ذلك ليس بالضرورة، ولكنهم يؤكدون على أهمية أن نكون أكثر اطلاعاً على الآثار الجانبية الضارة المحتملة للمنشآت الضخمة كالسدود والخزانات (التي تؤدي إلى تغيرٍ جذريٍ على مساحاتٍ شاسعةٍ من الأراضي)، والأخذ ذلك بالاعتبار عندما نخطط لأي مسافةٍ نحن بحاجةٍ لقطعها لـ”نزيل الكربون” من الاقتصاد العالمي.

يضيف هاريسون: “نحاول تزويد الزعماء السياسيين والشعب بالصورة الأكثر اكتمالاً لعواقب بناء السدود على النهر”. ولقد قُبل البحث للنشر في طبعة الأسبوع المقبل من دورية العلوم الأحيائية.

المصدر (sciencealert)

الغازات الدفيئة (greenhouse gas)
احتمالية الاحترار العالمي (global warming potential)
جامعة ولاية واشنطن (Washington State University)
بريدجت ديمر (Bridget Deemer)
صحيفة الواشنطن بوست (The Washington Post.)
جون هاريسون (John Harrison)

 

 

Comments are closed.