الجانب المشرق لاقتصاد الروبوتات في الشرق الأوسط

كتابة: موريسيو زوازيا.
ترجمة: سعاد السقاف.
مراجعة: ريم عبد الله.

كُتِب الكثير بالفعل عن وصول الثورة الصناعية الرابعة والفرصة التي يقدمها تكامل تقنياتها الحديثة في بناء قيمة أنظمة الإنتاج والاقتصاد في جميع أنحاء العالم، فبشكلٍ ما، يمكن القول بأنها تعطي فرصةً لمساواة مجال اللعب، حيث أصبح الإنتاج المحليّ أكثر جدوىً بالنسبة لكثيرٍ من صغار المنتجين، مما يضع المجتمعات النامية في طريق الاكتفاء الذاتيّ، كما سيؤدي انخفاض التكاليف إلى تمكين المصانع بمختلف أحجامها من رفع مستويات الإنتاج.

من ناحيةٍ أخرى، وعلى الجانب الآخر من المعادلة، نجد تنبؤاتٍ تهيمن على عناوين الأخبار باستبدال اليد العاملة البشرية بالروبوتات، مما يعني فقدان الوظائف على نطاقٍ واسعٍ وتصاعد التحديات المجتمعية. كما تم التشكيك في قدرة المناطق الأقل تطوراً صناعياً أو البلدان ذات الاقتصادات والبنى التحتية الهشّة على الاستجابة لهذه التغيّرات والتنافس بفعاليةٍ في المستقبل.

إن مسألةٌ حرجةٌ بالنسبة لمنطقتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث أنه من الواضح أن المنطقة تشمل بلداناً في حالاتٍ مختلفةٍ جداً، تتراوح بين تلك التي تعاني من صراعاتٍ نشطةٍ، تحديات التماسك المجتمعي، وانخفاض الدخل من احتياطات الموارد الطبيعية، إلى اقتصاداتٍ مزدهرةٍ، شموليةٍ، ومتقدمةٍ نسبياً.

مع ذلك، فإن تصادم بعض ميزات المنطقة مع ظاهرة الثورة الصناعية الرابعة يجعلها في الواقع في موقعٍ يؤهلها لأخذ دورٍ رياديٍ في الاعتماد والاستفادة من التقنيات الحديثة، وهنا بعض الأمثلة:

النمو السريع للسكان اليافعين والذكيين تقنياً، ودور الواقع المعزز، الواقع الافتراضيّ، والتقنيات القابلة للارتداء:
إن أكثر من 40% من سكان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هم دون سن الخامسة والعشرين، ويعد النمو السكاني الثاني عالمياً ووراء نمو منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، ومن المتوقع أن يستمر هذا النمو ليصل إجمالي عدد السكان إلى 700 مليونٍ بحلول عام 2050مـ. وفي حين يشير ذلك بوضوحٍ إلى الحاجة الملحة لإيجاد فرص عملٍ وبناء قدراتٍ جديدةٍ، إلا أن جيل الألفية الجديد من العاملين الذين نشأوا والتقنية بين أيديهم سيكونون أكثر تكيّفاً مع عصر الإنتاج الجديد. فعلى سبيل المثال، يمكن للشركات استخدام الواقع المعزز لإجراء “تدريبٍ مكثفٍ” للموظفين، مما سيؤدي إلى زيادة المشاركة، التدريب بشكلٍ أسرع، وقوى عاملةً أكثر تمكناً.

المَدنية، تطوير البُنى التحتية الجديدة، وإنترنت الأشياء:
إن حوالي 263 مليون نسمة (أي حوالي أو 62٪) من سكان المنطقة هم من سكان المدن، ومن المُتوقع أن يتضاعف عدد سكان الحضر بحلول عام 2040مـ. ما يعني المزيد من البناء والمزيد من الفرص لتضمين أجهزة إنترنت الأشياء في عمليات البناء الحالية والمستقبلية، كإدارة المرور، إدارة الطاقة، والأنظمة الذكية الأخرى لمساعدة المنطقة في أخذ قفزةٍ إلى الأمام. ولقد بدأت مدنٌ مختلفةٌ حول العالم بحصد قوة الاتصال الرقميّ، فنشاهد مثلاً في برشلونة استخدام أعمدة الإنارة الذكية التي تستشعر حركة المشاة لضبط الإضاءة، واختبار جودة عينةٍ من الهواء ومشاركة المعلومات مع وكالات المدينة وعامة الناس، وفي سنغافورة تُستخدم أساطيل الحافلات الذكية التي تحدد المشاكل المرورية وتساهم في تقليل الازدحام وأوقات الانتظار إلى حدٍ كبيرٍ، كما قامت دبي بتثبيت إشارات مرورٍ جديدةٍ تُظهر حركة المشاة وتقوم بتعديل توقيت الإشارة تلقائياً لتشجيع المزيد من الأفراد على المشي والمساعدة في تقليل الحوادث.

التنوّع الاقتصاديّ، الإنتاجية، ودور الروبوتات:
فرضت أسعار النفط المتقلبة ضغطاً على البلدان المصدّرة للنفط في الشرق الأوسط، مما أدى إلى مضاعفة التركيز على التنويع الاقتصاديّ. حيث وضعت جميع دول مجلس التعاون الخليجيّ خططاً طويلة المدى لزيادة تنويعها، جذب الاستثمارات، تنمية قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة ووظائف القطاع الخاص، وزيادة إجمالي الناتج المحلي والصادرات. إذ يتيح التكامل بين التقنيات الجديدة بديلاً للطرق التقليدية في التنمية، مما قد يمكّن البلدان من دخول قطاعاتٍ صناعيةٍ جديدةٍ بسهولةٍ نسبيةٍ.

من أمثلة ذلك “المصانع السريعة” التي تستخدم الروبوتات والطباعة ثلاثية الأبعاد لإنتاج السلع المخصصة بصورةٍ سريعةٍ، والتي يمكنها المساهمة في تسريع توطين الإنتاج. كما يُمكن لهذه الأتمتة أن تضاعف الإنتاجية وتُمكّن بلدان المنطقة من دخول أسواقٍ جديدةٍ لم تكن لتستطيع المنافسة فيها من قبل، مثل تصنيع قطع الطيران، وعلاوةً على ذلك، فيمكن لاستخدام الأتمتة والتحكم الذاتيّ لنقل البضائع والركاب أن يرفع الميزة التنافسية للمنطقة.

بطبيعة الحال، لا شك أن هناك تحدياتٍ أمام المنطقة للتغلب عليها إذ أنها تبني مستقبلاً جديداً، وستكون جميعها عناصر رئيسيةً في التخفيف من الأسباب الأساسية للصراعات الأمنية الإقليمية. وثلاثة تحدياتٍ هي أساسيةٌ لإطلاق النمو التحوليّ للثورة الصناعية الرابعة:

بناء القدرات المناسبة:
لا تزال بعض المناطق متأخرةً في التحديث الصناعي، ومن المُسَلم به أنه ينبغي تجهيز الطلاب والمهنيين بالمهارات ذات الصلة، كالمهارات الإنسانية الداخلية التي ستكون مطلوبةً أكثر من أي وقتٍ مضى، وليس فقط في مواضيع العلوم، التقنية، الهندسة والرياضيات، حيث ستغير الأتمتة من دور البشر في مكان العمل.

الحكومة الداعمة، الأنظمة، والسياسات:
يأتي ذلك من خلال اعتماد الحكومات أطراً أكثر تقدميةً وشموليةً التي تشجع على الطلب، تحفز الاستثمار، تعزز تنمية المشاريع، تحد من الفساد، وتعالج الاختلالات في الإقصاء التاريخيّ في بعض مجتمعاتها.

التكامل الإقليميّ:
أخيراً، وفي عالمٍ بدأت فيه المناطق تنظر إلى الداخل، يمكن أن يستفيد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من تحسين التبادلات الاقتصادية الإقليمية فيما بينهم، حيث يعد التكامل الاقتصاديّ في المنطقة من بين أدنى المعدلات على الصعيد العالميّ. فمن شأن زيادة حركة السلع، رأس المال، والقوى العاملة داخل المنطقة أن تمكنها من تعزيز النمو الاقتصاديّ والتعامل بشكلٍ أفضل مع اضطرابات الثورة الصناعية الرابعة.

ليس لديّ شكٌ في بأن منطقتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يقفان على عتبة فرصةٍ هائلةٍ أثناء صعود الثورة الرقمية، وأعتقد أن لديهما القدرة على انتهاز هذه الفرصة، ومواصلة طريقهما نحو مستقبلٍ مثمرٍ للغاية وأكثر تكاملاً.

المصدر: (weforum)

موريسيو زوازيا (Mauricio Zuazua)
الثورة الصناعية الرابعة (Fourth Industrial Revolution (4IR))
الواقع المعزز والواقع الافتراضي (reality/virtual reality (AR/VR))
إنترنت الأشياء (internet of things (IoT))

Comments are closed.