خمسة مشاريعٍ علميةٍ عملاقةٍ تحوّل الصين

كتابة: محمد حبشي.
مراجعة: محمد ممدوح

نمت القوة الاقتصادية للصين بسرعةٍ خاطفةٍ للأنفاس، وربما يعكس تضخم نفوذها السياسي تلك الحقيقة، وكذلك يفعل تعزيز قوتها العسكرية، ولكن هناك مجالاتٌ أخرى تغدو فيها الصين رائدة على المستوى العالمي وقد تكون أقل وضوحاً. إن البحث العلمي هو شيءٌ تقوم به الصين على نطاقٍ هائلٍ، فعندما اعتمد مجلس نواب الشعب الوطني الصيني خطته الخمسية رقم ثلاثة عشر في وقتٍ سابق من العام الماضي كان واضحاً أن الابتكار العلمي يترسخ أكثر كأولويةٍ وطنيةٍ.

تعتزم الصين زيادة الإنفاق على البحث العلمي إلى ما يُعادل 2.5% من إجمالي الناتج المحلي بحلول عام 2020مـ، بعدما كان أقل من 2.2% خلال السنوات الخمس الماضية. ونسرد هنا بعض المشاريع العلمية الأكثر أهميةً في الصين:

 

التلسكوب الخارق

المنظار الكروي ذو فتحة الخمس مئة متر

 يصعب مضاهاة هذا باعتباره رمزاً للقوة العلمية، إذ يُعد المنظار الكروي ذو فتحة الخمس مئة مترٍ منظاراً راديوياً لا مثيل له في الضخامة وأكبر بصورةٍ ملحوظةٍ من التليسكوب الأكبر الذي يليه في الحجم، وهو مرصد أَرِسِيبُو في بورتريكو والذي يبلغ قُطره 305 متراً. ولقد تم بناء هذا المنظار الذي يُعادل حجمه ثلاثون ملعباً لكرة القدم في حفرةٍ طبيعيةٍ في الإقليم الجنوبي الغربي من قوزاو. ويجري حالياً وضع اللمسات الأخيرة لهذا المشروع الذي وصلت كلفته لـ180 مليون دولارٍ قبل افتتاحه رسمياً في سبتمبر.

يشكِّل المنظار فعلياً أُذناً فضائيةً عملاقةً، تستمع إلى موجات الراديو المنبعثة من الأجسام في أعماق الفضاء. ولأن الموجات التي تسافر عبر مسافاتٍ بعيدةٍ في الفضاء ستصل ضعيفةً للغاية، فإن المنظار الأكبر هو الأفضل. سيساعد المنظار العلماء في معرفة المزيد حول كيفية تشكُّل الكون، وكذلك في البحث عن نجومٍ جديدةٍ أو أي علاماتٍ تدل على وجود حياةٍ خارج كوكب الأرض.

 

مسبار المريخ

لم تبقى الصين مُجرَّد عينٍ (وأذنٍ) صوب السماء، ولكن لديها برنامج فضاء فعالٍ جداً أيضاً. ففي الواقع، بدأ عصر الفضاء في الصين في عام 1970مـ، عندما أرسلت أول قمرٍ صناعيٍ لها والمسمى “دونغ فانغ هونغ 1” إلى مداره.

منذ ذلك الحين، كان هناك المزيد من الأقمار الصناعية والصواريخ، وفي 2003مـ كان هناك أول روَّاد الفضاء الصينيون أو كما تطلق الصين على روادها للفضاء تايكونوت*. وفي 2013 م، هبطت الصين بمسبارها الأول على سطح القمر منذ مدةٍ تقارب 40 عاماً. وتُخطِّط البلاد لإرسال مسبار آخر إلى سطح القمر في عام 2018مـ، وتعهَّدت بشكلٍ أكثر طموحاً بإرسال بعثةٍ إلى المريخ بحلول عام 2021مـ.

أخبر كبير مصممي مهمة القمر والمريخ وُو ويرن إذاعة البي بي سي: “سندور حول المريخ، ومن ثَمَّ سنهبط ونقوم بنشر مركبةٍ جوالةٍ، كل هذا في مهمةٍ واحدة”. وفي حين أن ميزانية برامج الفضاء في كلٍ من الولايات المتحدة وروسيا تقلَّصت منذ عنفوان الحرب الباردة، إلا إن تمويل برنامج الفضاء الصيني أخذٌ في الارتفاع.

 

محطة الفضاء

ما سوف تكون عليه تيانقونغ-2

في حين أن العديد من وكالات الفضاء في العالم مثل وكالة ناسا، وكالة الفضاء الأوربية، ووكالة الفضاء الاتحادية الروسية هي منظماتٌ مدنيةٌ، إلا إن برنامج الفضاء الصيني هو عسكريٌ في الأصل. وهذا يعني أنه لا يمكن لرواد الفضاء الصينيين الالتحاق حالياً بمحطة الفضاء الدولية؛ لأنه حسبما تقول الولايات المتحدة فإنها تخشى من أن مشاركة التقنية مع رواد الفضاء الصينيين يمكن أن يؤدي إلى الإخلال بالأمن القومي الأمريكي.

تمثَّل الحل الصيني في بناء محطة فضاءٍ خاصة بها، إذ سيتم إطلاق نموذجٍ أوليٍ لمختبر الفضاء تيانقونغ-2 هذا العام، على أن تتبعه نسخةٌ أكبر. إن قدرة الصين على المُضي قدماً في هذا المشروع بمفردها يُبيِّن حجم الأموال التي تم تخصيصها لمثل هذه العلوم المتطورة، ومدى تصميم الدولة على أن تصبح قائدةً للعالم أجمع في هذا المجال.

 

المصادم الخارق

عندما بنت المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن) مصادم الهادرون الكبير، كان أكبر وأقوى مصادم جسيماتٍ في العالم، فضلاً عن كونه أكبر منشأةٍ تجريبيةٍ مُعقَّدةٍ بُنيت على الإطلاق، وأكبر آلةٍ في العالم. فبالتعاون مع أكثر من 10,000 عالمٍ ومهندسٍ من أكثر من 100 دولة، تم بناء المصادم في نفقٍ طوله 27 كيلو متراً أسفل الحدود الفرنسية – السويسرية بالقرب من جنيف.

إن كل ما سبق يجعل المشروع مُثيراً للإعجاب بكل المقاييس، لكن الصين تخطط الآن لبناء آخر أكبر بكثيرٍ، فقد أعلنت الصين عن اعتزامها بناء مصادماً للجسيمات بطول بين 50 و100 كيلو متراً، حيث من المُقرَّر أن تبدأ المرحلة الأولى لتشييد المشروع بين عامي 2020مـ و2025مـ.

من المُتوقَّع أن تعمل المنشأة على توليد الملايين من بوزونات هيغز التي يُطلق عليها في بعض الأحيان “جسيمات الإله”، هذه الجسيمات هي التي تعطي الكتلة ممَّا يجعلها لِبنةً أساسيةً في الكون. ويهدف المشروع إلى توليد طاقةٍ بمُعدَّل سبع مرات مقدار ما يولِّده مصادم سيرن والذي تم فيه إثبات وجود الجسيمات في عام 2012مـ.

 

غواصة أعماق البحار

غواصة جياولونغ

في عام 2012مـ، وصل مشروع الصين لاستكشاف أعماق البحار آفاقاً جديدةً عندما غاص إلى أعماقٍ جديدةٍ، حيث غاصت واحدةٌ من غواصاتها البحثية حتى وصلت إلى عُمقٍ يزيد على 7000 متراً تحت سطح الماء. ولقد أصبحت الصين حين وصلت إلى منطقة الهادال (أعمق جزءٍ من المحيط والذي يبدأ عند 6000 متر تحت السطح) عضواً من مجموعةٍ من نُخبة الدول القادرة على الوصول إلى تلك الأعماق، وتُخطِّط للوصول إلى أبعد من ذلك.

على مدى الخمس سنوات المقبلة، سيعمد العلماء الصينيون إلى بناء غواصتين، أحدهما يقودها طاقمٌ والأخرى بدون أي طاقمٍ وفقاً للخطة الصادرة عن وزارة العلوم، ستتمكن كلاً منهما من الوصول إلى عمقٍ يكافئ 11,000 متراً، أي قاع منطقة الهادال. ويقول تسوى وى تشنغ من مركز علوم وتقنية أبحاث الهادال بجامعة محيط شنغهاي: “ستمثِّل الخمس سنوات القادمة عصراً ذهبياً لتقنية أعماق البحار”.

تأمل الصين أن تصبح قائدةً عالميةً في علم المحيطات، لأن ذلك سيساعدها على تحقيق قدراتٍ علميةٍ متقدمةٍ في العديد من المجالات الأخرى أيضاً. فعبر دفع حدود الاستكشاف في الفضاء وعلى مستوى الجسيمات دون الذرية فإنها تحول نفسها بالفعل لتصبح واحدةً من الدول الأكثر تقدماً علمياً في العالم.

المصدر (weforum)

وُو ويرن Wu Weiren
البي بي سي BBC
المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن) European Organisation for Nuclear Research (CERN)
مصادم الهادرون الكبيرLarge Hadron Collider
تسوى وى تشنغ Cui Weicheng
مركز علوم وتقنية أبحاث الهادال Science and Technology Research Center
جامعة محيط شنغهاي  Shanghai Ocean University

 

Comments are closed.