الفيزيائيون يرصدون تردداتٍ كموميةٍ غريبةٍ للفضاء الفارغ – ربما

ترجمة: عبدالحميد شكري
مراجعة: فارس بوخمسين

إن الفضاء الفارغ من أيّ شيءٍ، ولكنه متعكرٌ بالجسيمات الكمومية التي ترفرف داخل وخارج الوجود وِفقاً لميكانيكا الكم عوضاً عن ذلك. ويدعي الآن فريقٌ من الفيزيائيين بأنهم قد قاموا بقياس تلك الترددات بشكلٍ مباشرٍ، من دون تشويشها أو تضخيمها. على أية حال، آخرون يقولون أنه من غير الواضح تماماً ماهية الشي الذي تقيسه هذه التجربة الجديدة، مما قد يلائم ظاهرةً تظهر في مبدأ عدم التيقن المشهور والمتأصل في ميكانيكا الكم.

يقول النظري في مختبر لوس ألاموس الوطني في نيو ميكسيكو والذي لم ينخرط في العمل الحالي دييقو دالفيت: “هنالك العديد من التجارب التي رصدت تأثيراتٍ غير مباشرةٍ لترددات الفراغ.” وأضاف: “إن كانت هذه التجربة الجديدة صحيحةً فستكون أول ملاحظةٍ مباشرةٍ في المجال للترددات نفسها.”

إن الفراغ يعج بأزواجٍ من الجسيمات والجسيمات المضادة التي تقفز إلى داخل وخارج الوجود بفضل مبدأ عدم التيقن. ومن ضمن هذه الجسميات أزواج الإلكترون والبوزيترون وأزواج الفوتونات، والتي تمثل الجسيمات المضادة خاصتها وأشياء أخرى كثيرة. لا يمكن التقاط تلك الجسيمات “الخيالية” مباشرةً عادةً. ولكن مثل بعض الأغاني اليونانية المخيفة، تقوم بممارسة تأثيراتٍ خفيةٍ على العالم “الحقيقي”.

فعلى سبيل المثال، تقوم الفوتونات الخيالية التي تتذبذب داخل وخارج الوجود بإنتاج مجالٍ كهربائيٍ مترددٍ بشكلٍ عشوائيٍ. وفي عام 1947مـ وجد الفيزيائيون أن المجال يقوم بإزاحة مستويات الطاقة لإلكترون داخل ذرة الهيدروجين، وبالتالي الطيف الإشعاعي للذرة أيضاً. وبعد عام واحد، تنبأ النظري الهولندي هيندريك كازيمير أن المجال سيؤثر أيضاً بقوةٍ بالغة الدقة على صفيحتين معدنيتين متباعدتين عن كثب ليقوم بعصرهما معاً. وذلك لأن المجال الكهربائي يجب أن يتلاشى من على أسطح الصفيحتين، لذا فإن تموجاتٍ محددةٍ شبيهةٍ بالأمواج للمجال الكهربائي ستتمكن من أن تتكيف بين الصفيحتين. وعلى النقيض، بإمكان تموجاتٍ أكثر أن تدفع الصفيحتين من الخارج لتؤثر بقوةً صافيةً. وقد تم رصد تأثير كازيمير في عام 1997مـ.

أما الآن، فكلاً من كلاوديس ريك وألفيرد لايتينتورفر وزملائهما من جامعة كونستانز في ألمانيا يقولون بأنهم قد قاموا برصدٍ مباشرٍ لترددات المجال الكهربائي تلك، وذلك عن طريق رسمٍ بيانيٍ لتأثيراتها على موجة ضوء. وتعتمد التجربة على تقنيةٍ قاموا بتطويرها لدراسة نبضة ضوءٍ أطول مع أخرى أقصر بكثيرٍ، وذلك عن طريق قذفهما عبر بلورة في آنٍ واحد. حيث أن النبضة “المضخمة” الأطول تم استقطابها أفقياً، أيّ أن المجال الكهربائي يتذبذب من الجانبين. ونبضة “المسبار” الأقصر بدأت مستقطبةً بشكلٍ عموديٍ. ولكن، خصائص البلورة تعتمد على المجال الكهربائي بداخلها، ولذا فإن الشعاع المضخم سيتسبب في تغيير واستقطاب شعاع المسبار ليخرج من البلورة ليرسم نمطاً إهليجياً. ويستطيع الباحثون استخدام تأثير الاستقطاب لرسم التموجات في المجال الكهربائي في الموجة المضخمة عن طريق ضبط تزامن النبضات.

يقول لايتينتورفر: لكن ترددات الفراغ نفسها ستؤثر على البلورة وبالتالي على استقطاب نبضة المسبار. لذا فإننا “ندخل نبضة المسبار فقط، ولا شيء آخر” لقياس ترددات مجال الفراغ. وفي المتوسط يبقى استقطاب نبضة المسبار المنعزلة عمودياً. ولكن بعد محاولاتٍ عديدةٍ متكررةٍ تتغير قليلاً، ويقول الفريق أن هذا الاضطراب كان علامةً على ترددات الفراغ.

إن مراقبة التأثير عملٌ لا يُستهان به، فالاستقطاب يتغير بسبب التغيرات العشوائية في عدد الفوتونات في كل نبضة، أو “ضجيج الطلقة”. ولتمشيط الاثنين عن بعضهما، يقوم الفيزيائيون بتغيير الفترة الزمنية وعرض النبضة وليس عدد الفوتونات فيها. حيث أن على ضجيج الطلقة أن يبقى ثابتاً، بينما يجب على الضجيج من الترددات الكمومية أن ينكمش كلما كبرت النبضات. وقد شاهد الباحثون تغيراً بنسبةٍ ضئيلةٍ في الضجيج، حيث نسبوا هذا التأثير إلى ترددات الفراغ.

مع ذلك، يتساءل بعض الفيزيائيون عما تقوم التجربة بقياسه فعلاً. ويقول ستيف لاموريوس وهو الفيزيائي من جامعة ييل وأحد الأوائل الذين رصدوا تأثير كازيمير أن الباحثون يفترضون أن الخصائص البصرية المتذبذبة للبلورة تعكس ترددات الفراغ. كما يقول بأن من الممكن أن يكون هنالك مصادر أخرى للتغيرات في الخصائص البصرية للبلورة، مثل الترددات الحرارية. يقول لاموريوس: “إن خصائص المادة ستتردد بذاتها”، لذا “كيف يعزو أحدهم هذه الترددات إلى الفراغ وحده؟”

علاوةً على ذلك، لم تكن مجموعة لايتينتورفر الأولى التي تفحص الترددات بشكلٍ مباشرٍ. ففي عام 2011مـ ذكر كريستوفر ويلسون وهو الآن فيزيائي في جامعة ووترلو في كندا وزملاؤه في نيتشر أنهم قد قاموا بتضخيم ترددات الفراغ وتحويلها إلى فوتوناتٍ حقيقيةٍ. يمكن إنجاز ذلك مبدئياً عن طريق تسريع مرآة للأمام والخلف بسرعةٍ تقارب سرعة الضوء. وقد استخدم ويلسون نظيراً أكثر واقعية: وهو نظامٌ ذو طولٍ فعليٍ لتجويفٍ صغيرٍ ذات موصليةٍ فائقةٍ والتي يمكن تغيرها إلكترونياً. وأشار لايتينتورفر أن التجربة الجديدة تختلف عن تجربة ويلسون في كونها لا تتطلب تضخيم الترددات. ويرد ويلسون، “في حين أوافق أن هذا يعد اختلافاً، ولكني لا أعتقد أنه رئيسيٌ.”

يؤكد لايتينتورفر أن العمل الجديد يشكل تقدماً نوعياً على الجهود السابقة. كما يقول: “لقد أخذنا وبوضوحٍ خطوةً هامةً أخرى مقارنةً بأيّ شخصٍ آخر، عن طريق قياس سعة المجال الكهربائي للفراغ مباشرةً بينما تتردد في الفضاء والزمن.” وهناك آخرون يبدون أقل تيقناً من ذلك.

 

المصدر (sciencemag)

دييقو دالفيت (Diego Dalvit)
مختبر لوس ألاموس الوطني (Los Alamos National Laboratory)
هيندريك كازيمير (Hendrik Casimir)
كلاوديس ريك (Claudius Riek)
ألفيرد لايتينتورفر (Alfred Leitenstorfer)
جامعة كونستانز (University of Konstanz)
ستيف لاموريوس (Steve Lamoreaux)
جامعة ييل (Yale University)
كريستوفر ويلسون (Christopher Wilson)
جامعة ووترلو (University of Waterloo)
نيتشر (Nature)

 

Website Comments