كيف قامت فتاةٌ في الحادية عشرة بتسمية كوكب بلوتو

ترجمة: عبدالحميد حسين شكري.
مراجعة: فارس بوخمسين.


كان صباح اليوم 14 من شهر آذار/مارس من عام 1930مـ يوماً مألوفاً إلى حدٍ ما لقاطنة إحدى بيوت أكسفورد ذات الأحد عشر ربيعاً، والتي تدعى فينيتيا بورني. ففي حين كانت تلك الطالبة تتناول إفطارها في غرفة الطعام، كان جدها فالكونر مادان يقلب صفحات إصدار ذلك اليوم من صحيفة تايمز أوف لندن. ولكن القدر كان كامناً في الصفحة 14: حيث كانت هنالك مقالةٌ تتحدث عن اكتشاف كوكبٍ جديدٍ في أقاصي المجموعة الشمسية.

قام مادان بقراءة المقالة بصوتٍ عالٍ لحفيدته المبكرة النضوج، والتي درست الكواكب في مدرستها سابقاً عن طريق ترتيب كتل الصلصال في حديقة الجامعة، لتشكل المسافات بين الأجرام السماوية. وقد كان لدى فينيتيا الصغيرة أيضاً ميولٌ إلى علم الأساطير التقليدية (إن كل الأجرام السماوية الكبيرة في نظامنا الشمسي سُميت باللغة الإنجليزية تيمناً بأسماء آلهة الإغريق والرومان)، لذا بينما كان مادان يفكر في اسمٍ للكوكب الجديد، كان لدى فينيتيا اقتراحٌ في جعبتها.

“تساءلنا جميعنا “، هذا ما قالته في الفيلم الوثائقي “تسمية بلوتو”. “ثم قلت: ‘لم لا ندعوه ببلوتو؟’ وكل شيءٍ نبع من ذلك.”

قام جد فينيتيا وهو رئيسٌ متقاعدٌ لمكتبة بودليان التاريخية في جامعة أوكسفورد بتمرير هذه الفكرة إلى أحد أصدقاءه الفلكيين، والذي أجاب: “أعتقد أن بلوتو رائعٌ!!” وفقاً لصحيفة نيويورك تايمز. (حيث أنه لا يوجد شيءٌ مثل كوكبٍ جديدٍ ليدفع الأساتذة البريطانيين المحترمين لاستخدام علامات الترقيم بكثرة).

قام الفلكي بإرسال برقيةٍ إلى زملاءه في مرصد أريزونا حيث تم اكتشاف الكوكب، ومن ثم صوتوا جميعاً لصالح الاسم. وبهذا وُلد بلوتو، الكوكب التاسع للمجموعة الشمسية. ولكن جميعنا نعلم ما حدث بعد 75 عاماً: فقد حدثت اكتشافاتٌ فلكيةٌ جديدةٌ ودار جدلٌ حول التعريف الصحيح للكوكب، مما أسفر عن تجريد بلوتو من لقبه.

قد لا يكون بلوتو كوكباً بعد الآن، وقد يكون صغير الحجم وغامضاً، إلا أن الكوكب المسكين كان قادراَ على أسرنا بسحره قليل الحظ، بالرغم من بعده وعتمته وقيام العلماء لسنوات بانتقاص مكانته رويداً رويداً. ولهذا فإن مناصريه أتوا من أماكن بعيدة الاحتمال، مثل فينيتيا ذات 11 عاماً. حيث شملوا شخصاً منبوذاً علمياً وفتىً مزارعاً ومفلساً، إلى جانب الآلاف من محبي علم الفلك البسطاء الذين هتفوا عندما أحدثت سفينة الفضاء نيو هورازون التابعة لناسا ضجيجاَ صباح الثلاثاء قبل شهورٍ بإرسالها أفضل صورةٍ لما هو ليس بكوكبٍ والمفضل لدى الجميع.

هذا هو، كله من الصخور ذات اللونين البني والبيج. وفي نصفه السفلي كان هناك ما يشبه القلب المكتمل. فكيف لقلوبنا ألا تذوب؟

لقد كان الطريق طويلاً منذ أول صورة لبلوتو، والتي التقطت بواسطة بيرسيفال لويل قبل 100 عام تقريباً بالضبط. وكان لويل أحد علماء الفلك الأمريكان في مطلع القرن الماضي والذي اشتهر بسمعة سيئةٍ لتنبئه أن المخلوقات الفضائية قد قامت ببناء القنوات على سطح المريخ.

بسبب رفض بعض المجتمع الفلكي لفكرته الساذجة بما لا يمكن إنكاره، قام لويل بتكريس ما تبقى من حياته لمهمةٍ جاحدةٍ أخرى: وهي البحث عن كوكب إكس، وهو كوكبٌ صخريٌ مراوغٌ يقع في المجال الخارجي لنظامنا الشمسي. باستخدام كامرةٍ بدائيةٍ ومنظاراً مستعاراً، قضى لويل أكثر من عقدٍ جاهداً بأخذ صورٍ في سماء الليل أملاً في العثور على دليلٍ لكوكبٍ قد نُظِّرَ لوجوده بشكلٍ نظريٍ منذ أربعينيات القرن التاسع عشر ولكن لم يتم إثباته قط.

في ربيع عام 1915مـ، قامت كامرة لويل أخيراً بالتقاء ما كانت تبحث عنه: وهي صورتين باهتتين لكرةٍ صغيرةٍ للصخور الفضائية والتي تبعد أكثر من 3 مليارات ميلٍ عن الشمس. إلا أنه ولأسباب قد لا نعلمها أبداً، فلربما لم ير لويل تلك الصورتين قط، أو ربما رآها ولكنه لم يدرك أهميتها، ولكنه لم يدرك أبداً أنه قد عثر أخيراً على الكوكب التاسع. وتوفي لويل بعد عامٍ واحدٍ وتلاشت الصور الأولى إلى الغموض.

تركت وفاة لويل في عام 1916مـ فجوةً لجهود البحث عن الكوكب التاسع، والتي ظلت فارغةً حتى عام 1929 مـ عندما قدم شابٌ في 23 من عمره ويدعى كلايد تومبو إلى مرصد فلاغستاف في ولاية أريزونا والذي أنشأه لويل.

كان تومبو ابناً لأحد المزارعين من ولاية كنساس، والذي تحطم حلمه بالذهاب إلى الكلية عندما دمرت عاصفةٌ ثلجيةٌ محاصيل عائلته وِفقاً لسيرته الذاتية على موقع أكاديمية الإنجاز. ولكنه لم يفقد العزيمة وقام بتعليم نفسه علم المثلثات والهندسة وبدأ ببناء منظاره الخاص. لقد كانت رسوماته للكواكب بأدواته المنزلية مثيرةً للإعجاب إلى حد أنه عندما أرسلها إلى المرصد في فلاغستاف قام الفلكيون بدعوته للعمل معهم.

كتب تومبو في أول يوم له هناك: “كنت في الواقع قلقاً حيال ذلك كلياً، فالجميع كانوا غرباءً والمرصد يبعد ألف ميلٍ من منزلي، ولم يكن هنالك ما يكفي من المال في محفظتي لشراء تذكرة العودة إلى المنزل”، وِفقا لجمعية كانساس التاريخية.

قام تومبو بالعمل على مهمة لويل القديمة لدى وصوله، أيّ البحث عن “الجسم المراوغ وراء نبتون”. وبالرغم من أن التقنية قد تحسنت قليلاً، إلا أن طريقة السعي إلى كوكبٍ بعيدٍ لم تتغير كثيراً. كان تومبو يقضي ساعاتٍ داخل قبة المرصد بدون تدفئة، ويقوم بأخذ صورٍ خاطفةٍ للسماء ثم يحلل واجهتها لتحديد ما إذا كان أيٌّ من نقاط الضوء عليها قد بدأ بالتحرك عبر الأيام. حيث أن الأجسام التي تبقى ثابتة هي النجوم، طبقا للمنطق. ولكن إن لم تتحرك فربما تكون كوكباً.

قام تومبو بالعثور عليها بعد بحثٍ دام قرابة عامٍ واحدٍ، حيث ظهرت بقعةٌ داكنةٌ وصغيرةٌ في عددٍ من صوره. عندها هتف قائلا: “ها هو!” قضى كل من تومبو وزملائه أكثر من أسبوعٍ لدراسة البقعة المتحركة وإثبات صحتها، بعد ذلك أعلنوا عن نتائج بحثهم إلى العالم في 13 من آذار/مارس عام 1930مـ. أيّ اليوم الذي يوافق عيد ميلاد لويل الخامس والسبعين.

حوّل هذا الاكتشاف تومبو من كونه باحثاً مجهولاً إلى فلكيٍ عالميٍ ذائع الصيت. وقد عُرضت عليه منحةٌ دراسيةٌ في جامعة كانساس، وأصبح باحثاً عسكرياً وأستاذاً محاضراً في الفلك، وينسب إليه اكتشاف عددٍ كبيرٍ من الكويكبات الجديدة والمئات من النجوم. وبعد وفاته في عام 1997مـ، تم حفظ أونصةٍ (≈ 28جرام) من رفاته وتم شحنها على متن سفينة الفضاء نيو هورايزونز عند انطلاقها في عام مـ2006.

وصلت أخبار هذا الاكتشاف إلى الصغيرة فينيتيا بورني على بعد آلاف الأميال عبر الأطلنطي. حيث كانت تعتقد أن بلوتو كان اسماً مناسباً للكوكب الأبعد والأكثر ظلمة، وهو إله العالم السفلي لدى الرومان. بدا أن فلكيو مرصد لويل وافقوا على هذا الاسم، فقد صوتوا بالإجماع لصالحه. وله ميزةٌ إضافيةٌ وهي كون بداية الاسم بلوتو تحمل نفس الأحرف الأولى من بيرسيفال لويل.

عندما انتشر الخبر بين العامة قام جد بوني بمكافأتها بخمسة جنيهات استرلينية وفقا للمقابلة التي عقدت عام 2006مـ مع قناة بي بي سي.

كانت بروني تشعر بالتواضع إزاء فكرتها العبقرية في أثناء المقابلة، حيث تقول أنها قد أتت باسم بلوتو على الأرجح لأن معظم أسماء الكواكب الكبيرة الأخرى قد تمت تسميتها سابقا طبقا للأساطير التقليدية. إلا أنها أعربت عن استيائها من نقطةٍ واحدةٍ وهي: أنها لم تسمي الكوكب نسبةً للكلب بلوتو، وهي شخصيةٌ في ديزني والتي ظهرت لأول مرةٍ في السنة ذاتها.

“لقد بات مؤكدا كما ينبغي أن الكلب قد تمت تسميته بعد الكوكب وليس العكس. هكذا نكون قد ببرنا واحدا”، كما قالت. وأضافت: “لقد تم اثبات أن الكلب سُميَ تيمناً بالكوكب وبشكلٍ مرضٍ، وليس العكس. ولذا فقد تم تبرئة أحدهما.”

أصبحت بورني معلمةً بمدرسةٍ وصاحبة شهرة ثانوية في علم الفلك، وأصبحت تدعى فينيتيا فير بعد زواجها. وتم تسمية كويكبٍ باسمها بالإضافة إلى أداةٍ لقياس الغبار على متن سفينة الفضاء نيو هورايزونز. توفيت فينيتيا في عام 2009مـ، أيّ بعد ثلاث سنواتٍ من إطلاق المركبة الفضائية وست سنواتٍ قبل وصولها للكوكب الذي أطلقت عليه اسمه.

كان التعميد الغير المحتمل من طالبةٍ بريطانيةٍ بطريقة ما هو ما ميز بلوتو. فبعد قضاء قرنٍ تقريباً في محاولة العثور على الكوكب المراوغ، قضى علماء الفلك معظم الـ85 سنةً القادمة في معارضة أهميته. فكانت تقديرات حجم بلوتو تنخفض مراراً وتكراراً طيلة القرن العشرين. وسمح اكتشاف أكبر أقماره والذي يدعى شارون في سبعينيات القرن الماضي للعلماء بوضع حدٍ لكتلة الكوكب والتي كانت تمثل نسبةً ضئيلةً من كتلة الأرض.
بدأ علماء الفلك في التسعينيات بتحديد أجسامٍ صخريةٍ وكبيرةٍ متاخمة لبلوتو، والتي ندعوها الآن بحزام كايبر. عندها شرع العلماء بمناقشة ما إذا كان يتعين إعادة تصنيف بلوتو من كونه الكوكب التاسع إلى “ملك حزام كايبر”، وذلك وٍفقا لتعبير مدير قبة هايدن السماوية نيل ديغراس تايسون، والذي قام في عام 2000 مـ بإزالة بلوتو من متحف نيويورك لعرض الكواكب.

إلا أن قرع ناقوس الموت لبلوتو ككوكبٍ كان في عام 2005مـ، عندما اكتشف علماء الفلك جرماً فضائياً يدعى إيريس، والذي كان يبعد عن الشمس أكثر من بلوتو وبدا أكبر حجماً. وقد سمي تيمناً بإله الفوضى والصراع لدى الإغريق، لأن إيريس قد أثار ضجة بين علماء الفلك. فإما أن العلماء قد عثروا على الكوكب العاشر، أو أن عليهم إعادة النظر فيما يعنيه مصطلح “كوكب” حقا.

كان الاتحاد الفلكي الدولي يميل إلى الخيار الثاني، حيث قرروا في عام 2006 مـ أن يتم تصنيف كلاً من بلوتو وإيريس كـ”كواكب قزمة”. وكان السبب في ذلك أن بلوتو لم يكن كبيراً بما فيه الكفاية لتنظيف الفضاء حول مداره (يعني ذلك أنه لا توجد أجسام أخرى ذات أحجامٍ مماثلةٍ في مداره باستثناء تلك التي تقع تحت تأثير جاذبيته، مثل الأقمار والتوابع).

كانت هذه أخباراً صادمةً للمولعي بكوكب بلوتو الاعتياديين. ولكن العديد من الناس الذين درسوا بلوتو قالوا أن هذا اللطيف الهادئ والذي لا يبدو ككوكبٍ تماماً ليس أسوأ حالاً لإعادة تصنيفه.

قال هال ليفيسون معلقاً لمجلة سلايت العام الماضي: “إن بلوتو هو جد أكثر منطقةٍ مأهولةٍ في المجموعة الشمسية، ولديه الكثير مما يمكنه إخبارنا عن تاريخنا.” وهال عالمٌ في معهد ساوثويست للبحث والذي دعا لمراجعة معايير تصنيف الكوكب، وقال: “يجب ألا يمانع ذلك.”

يبدو أن “إنزال الرتبة” قد كان لصالحه أيضا. حيث علقت به فينيتيا بروني للبي بي سي في عام 2006مـ: “إن هذا لمثيرٌ للاهتمام أليس كذلك؟ يبدو أن الاهتمام به قد ازداد عندما أنزلوا بلوتو من رتبته؟” هذا. ففي النهاية، الكل يكون شغوفاً بالمضطهد.

المصدر الأصلي (washingtonpost)


فينيتيا بورني: Venetia Burney
فالكونر مادان: Falconer Madan
صحيفة تايمز أوف لندن: Times of London).
لمكتبة بودليان التاريخية: the historic Bodleian Library
لصحيفة نيويورك تايمز: The New York Times
نيو هورازون: New Horizons
بيرسيفال لويل: Percival Lowell
كلايد تومبو: Clyde Tombaugh
فلاغستاف في ولاية أريزونا: Flagstaff, Arizona
كانساس: Kansas
على موقع أكاديمية الإنجاز: the Academy of Achievement
لجمعية كانساس التاريخية: Kansas Historical Society
سفينة الفضاء نيو هورايزونز: New Horizons
بي بي سي: BBC
بحزام كايبر: عبارة عن منطقة على شكل قرص من النظام الشمسي تتكون من الأجسام المتجمدة والمذنبات، وتقع خلف مدار نبتون.
نيل ديغراس تايسون: Neil deGrasse Tyson
إيريس: Eris
الاتحاد الفلكي الدولي: The International Astronomical Union
معهد ساوثويست للبحث: Southwest Research Institute

Comments are closed.