الجرعات العالية من فيتامين ب تزيد من خطر الإصابة بسرطان الرئة

كتابة: مايكل نيدلمان.
ترجمة: سلمى سلمان.
مراجعة: ريم عبدالله.

أظهرت دراسةٌ نُشرت في أكتوبر 2017مـ أنّ الرجال الذين يتناولون جرعاتٍ عاليةٍ من فيتامينات “ب6″ و”ب12” يكونون أكثر عرضةً للإصابة بسرطان الرئة، مع زيادة خطر الإصابة لدى المدخنين الحاليين. ولقد وجدت الدراسة أن نسبة الزيادة في خطر الإصابة بسرطان الرئة هي بين 30٪ إلى 40٪، وذلك في الرجال الذين يتناولون هذه الفيتامينات من المكملات الغذائية الفردية وليس من الفيتامينات المتعددة أو ضمن النظام الغذائيّ لوحده، وتُظهر الدراسةُ تزايد التأثير في المدخنين الحاليين الذين أفرطوا في تجاوز الكميات اليومية المُوصى بها من الفيتامينات، وفقاً لما ذكره مؤلف الدراسة  والعالِمُ في مجال الأوبئة في قسم الوقاية من السرطان ومكافحته التابعِ لكلية الطب في جامعة ولاية أوهايو وهو ثيودور بريسكي، ويضيف: “أعتقد أن هذه النتائج تشير إلى التآزر” بين تناول جرعاتٍ  كبيرةٍ من فيتامينات “ب”، التدخين، وخطر الإصابة بسرطان الرئة بين الرجال.

يزداد خطر الإصابة بسرطان الرئة إلى ثلاثة أضعافٍ على مدى ستة أعوامٍ في الرجال المُدخنين حالياً والذين يتناولون جرعاتٍ كبيرةٍ من فيتامين “ب6″، وذلك بالمقارنةً بأولئك الذين لم يتناولوا المكملات الغذائية، بينما يتضاعف الخطر إلى أربعة أضعافٍ تقريباً بالنسبة لفيتامين “ب12″، وتجاوزت هذه المستويات الجرعات اليومية المُوصى بهآ من فيتامين “ب6” بإحدى عشرة مرةً، و أكثر من ثلاثٍ وعشرين مرةٍ بالنسبة لفيتامين “ب12”.

يقول بريسكي: “إذا نظرت إلى زجاجات مكملات فيتامين ‘ب’، فغالباً ستجد أن كميتها تتراوح بين 50 ضعفاً إلى حوالي 2100 ضعفٍ من كمية البدائل الغذائية المُوصى بها الولايات المتحدة، ولقد أصبحت حُقن ‘ب12’ رائجةً في السنوات الأخيرة أيضاً”.

تساهم هذه الفيتامينات بكمياتٍ ضئيلةٍ في العديد من العمليات الحيوية في الجسم، بما في ذلك نسخ الحمض النووي منقوص الأكسجين، ولكن بريسكي يضيف أن العديد من المكملات عالية الجرعة تدّعي تعزيز الطاقة وإمداد الجسم بفوائد أخرى غير مثبتةٍ، وهذا ادعاءٌ تسويقيٌّ وليس علمي”.

اقتصرت الدراسة على حوالي 77 ألفاً من البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و 76 عاماً في ولاية واشنطن، وشملت عينة المشاركين 139حالةً من المصابين بسرطان الرئة من بين أكثر من 3200 من المدخنين حالياً، وحالاتٍ قليلةٍ جداً من غير المدخنين المصابين بسرطان الرئة للحصول على نتائج تحليليةٍ متكاملةٍ، ومثّل ذوو البشرة البيضاء ما هو أكثر من نسبة 93% من المشاركين.  ويُذكر أنه لم يُلحظ خطرٌ متزايدٌ للإصابة بسرطان الرئة بين النساء، أو إثر تناول فيتامين “ب9” المعروف باسم حمض الفوليك.

توصل باحثون آخرون إلى نتائج أخرى، حيث ربطت بعض الدراسات السابقة بين فيتامين “ب6” وانخفاض خطر الإصابة بسرطان الرئة، وتوصلت دراسةٌ أخرى إلى أنّ فيتامين “ب12” لم يكن له أي تأثيرٍ خطِرٍ. ولقد أسند كاتبو الدراسة الجديدة هذه الاختلافات إلى أن بعض تلك الدراسات قاست فيتامينات “ب” في الدم، ولم يقيسوها من خلال المسوحات الغذائية كما في هذه الدراسة، أو أن سرطان الرئة نفسه يرفع مستويات هذه الفيتامينات في الجسم.

تقول باحثة علم الأوبئة في مركز ميموريال سلون كيترينج للسرطان والتي قامت بدراسة المكملات الغذائية ومخاطر السرطان وهي إليزابيث كانتور: “أعتقد أنه من الصعب الجزم بسبب تعارض هذه الدراسات مع بعضها البعض؟ فهل هي عمليات المرض نفسه التي تؤثر على مستويات الدم؟ أعتقد أن الباب لا يزال مفتوحا ً لهذا الاحتمال”. وينبه الخبراء إلى أن التركيز على فيتامينات “ب” ليس الطريقة الأكثر فعالية للحماية من سرطان الرئة.

يقتل سرطان الرئة أمريكيين أكثر من أي سرطانٍ آخر، ويُعدّ تدخين السجائر عاملاً في سرطان الرئة بنسبةٍ تتراوح بين 80% إلى 90% وفقاً لمراكز مكافحة الأمراض واتقائها، وترتفع عرضة الإصابة أو الموت بسرطان الرئة من 15 إلى 30 ضعفاً لدى المدخنين مقارنةً بغيرهم من غير المدخنين.

يقول بريسكي: “إن دخان التبغ القابل للاحتراق هو العامل الأول وراء الإصابة بسرطان الرئة والعديد من السرطانات، ولكن عندما نتحدث عما يجب أن نقلق منه أكثر: إن كنت من مدخناً ذكراً وترغب في تناول فيتامين “ب” فعليك الامتناع عن التدخين فوراً، فالتدخين هو أكثر شيءٍ مهمٍ هنا، وهو أمرٌ يُمكن الوقاية منه”. ويضيف: ” من الصعب أن تجد شخصاً عادياً في أمريكا يعاني من نقص فيتامين “ب”، في حين قد تكون المكملات الغذائية مفيدةً لأولئك الذين يشعرون بالإرهاق والهبوط نتيجة معاناتهم من فقر الدم على سبيل المثال أو الداء البطني”، ويقول أيضاً أن تناول جرعاتٍ كبيرةٍ من هذه المكملات الغذائية لا ينفع الشخص العادي، كما أنها لا تُسبب ضرراً فورياً، حيث يميل الجسم إلى التخلص من الفيتامينات الزائدة”.

تقول الاختصاصية في علم الأوبئة التغذوي لدى مكتب المكملات الغذائية في المعهد الوطني للصحة والأستاذة المشاركة في علوم التغذية في جامعة بوردو والتي لم تشارك في هذه الدراسة وهي ريغان بيلي: “هناك دائماً صندوقٌ أسود بين ما يدعي الناس أكله وما يتم امتصاصه فعلا”. وتُشير بيلي إلى قدرة عملية الهضم والأحماض الموجودة بالعصارة المعدية على استخلاص “ب12” من المواد الغذائية ليتمكن الجسم من امتصاصه، ولكن يمكن امتصاص المكملات الغذائية الاصطناعية بسهولةٍ أكبر.

يوجد فيتامين “ب12” في المنتجات الحيوانية مثل اللحوم، البيض، والحليب، ويحصل المواطن الأمريكي على احتياجاته من فيتامين “ب6” من الحبوب المدعمة، لحم الأبقار، الدجاج، والخضروات النشوية. ويقول مؤلفو الدراسة أنه يُعتقد بأن التقليل الشديد من هذه الفيتامينات يحملُ خطر التسبب بالسرطان أيضاً، فيمكن أن تحدث أخطاءٍ عند بناء خيوطٍ جديدةٍ من الحمض النووي منقوص الأكسجين ما يتسبب في كسرها، وقد تؤدي هذه التغيّرات إلى فقد المورثات المسؤولة عن الانقسام الخلوي.

لكن بريسكي يقول أن العلاقة الدقيقة بين الفيتامينات بالتركيزات العالية وسرطان الرئة لا زالت غير واضحةً، فإذا كانت الفيتامينات مسؤولةً بالفعل عن زيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة، فسيردُ سؤالٌ آخرٌ عمّا إذا كانت فيتامينات “ب” تسرّع من تطور سرطان الرئة الموجود بالفعل أو تؤدي إلى سرطاناتٍ جديدةٍ.

نبهت بيلي إلى أننا بعيدين كل البعد عن الادعاء بأن تناول المكملات الغذائية بجرعاتٍ عاليةٍ يسبب السرطان، وأشارت إلى احتمالية عدم دقة المسح الغذائيّ الذي استخدمه الباحثون، والذي يحسب متوسط الاستهلاك اليومي على مدى العشر سنواتٍ الفائتة، ولكن بريسكي أفاد بتذكّر البالغين للمكملات التي أخذوها عموماً، ما يسمح للباحثين بالحصول على فكرةٍ جيدةٍ عن متوسط جرعاتهم.

تشير دراسة لبيلى في عام 2013مـ إلى أن الناس يأخذون المكملات الغذائية غالباً معتقدين أنها ستحسن من صحتهم، وليس كمحاولةٍ لإضافة موادٍ غذائيةٍ إلى نظامهم الغذائي، ويصعب وضع أولئك الذين يتناولون الفيتامينات تحت الدراسة لأنهم يُصنفون تحت فئتين مختلفتين تماماً، وتقول “أظن أن الناس يأخذون المكملات الغذائية لأنهم مرضى ويسعون للحصول على صحةٍ أفضل، أو لأنهم بصحةٍ جيدةٍ ويريدون البقاء على هذا النحو”، وأظهرت دراسةٌ أجرتها كانتور في أكتوبر (تشرين الأول) 2016مـ أن حوالي نصف البالغين الأمريكيين تناولوا المكملات الغذائية لعدة سنواتٍ، حيث ازداد استخدام “ب12” بنسبة 40% منذ عام 1999مـ وحتى عام 2012مـ، في حين انخفض استخدام “ب6” بمقدارٍ أقل.

تقول كانتور: “قد يكون هناك سببٌ يدفع الشخص لتناول شيءٍ ما، ولكن يمكن أن يكون له آثارٌ أخرى على أجسادنا، فنحن لا نعرف التأثير الكلّي”. وتضيف بيلي أن الأمر السار هو أن معظم الناس لا يأخذون الفيتامينات الفردية، أو جرعاتٍ عاليةٍ من المكملات التي تتعدّى المستويات المُوصى بها، وقال: “إنهم يتناولون الفيتامينات المتعددة، وفي هذا الشأن أقول بأنه لم يكن هناك سرطانٌ مصاحب حقاً، ما أعتقد بأنه يمثل قصة نجاحٍ”.

المصدر (CNN)

المصطلحات:
دورية الاورام السريرية Journal of Clinical Oncology
عالِم فى مجال الاوبئة  epidemiologist
قسم الوقاية من السرطان ومكافحته Division of cancer prevention and control
مضاعفة الحمض النووي منقوص الأكسجين DNA Replication
ثيودور بريسكي  Theodore Brasky
إليزابيث كانتور Elizabeth Kantor
ريغان بيلي  Regan Bailey
عالِم الأوبئة التغذوية  nutritional epidemiologist

شاركنا تعليقك ..