الانتخاب الطبيعي للأفكار: المتطلبات الأساسية وانعكاساتها

كتابة: الأستاذ المحاضر نايف الروضان.
ترجمة: الهنوف الحربي.
مراجعة: فارس بوخمسين.

لماذا تبقى بعض الأفكار والنماذج السياسية بينما يتم رفض البعض الآخر أو تصبح باليةً؟ لقد شغل هذا السؤال علم السياسة والفلسفة لألف سنةٍ. ويقدم هذا المقال أربعة شروطٍ لبقاء الأفكار. ويجادل بأن الأدوات الحديثة لفهم الطبيعة البشرية مثل تلك التي يقدمها علم الأعصاب توفر لنا رؤى غير مسبوقةٍ للميول والاحتياجات البشرية. وبناءً على هذه النتائج، يمكننا أن نتصور بشكلٍ أفضل سبب ازدهار بعض الأفكار في مقابل البعض الآخر، وآثارها المحتملة على العلاقات الدولية. إن حاجة الإنسان للكرامة أمرٌ مركزيٌ لهذا التفسير: لا يمكن للأفكارٍ أن تزدهر إذا لم تضمن وتحمي كرامة الإنسان.

في عام 1859مـ، قدم داروين مفهوم الانتخاب الطبيعي في كتاب “أصل الأنواع”، واستكشف جون ستيوارت ميل ازدهار الأفكار في كتابه “حول الحرية”. وتختفي في الانتخاب الطبيعي الدارويني الميزات التي لا تساهم في وظيفة الأفراد على مدى عدة أجيال، حيث يفتقر حاملي هذه الصفات إلى اللياقة التكاثرية لتمرير تلك السمات لأبنائهم. ولقد طبقَ ميل حجةً مماثلةً على الأفكار: أن الأفكار الجيدة ستنجو من قسوة الحوار النقدي، ولكن لم تكن هناك وسيلةٌ لاكتشاف الأفكار التي ستحتمل ذلك سوى اختبارها. في محاولتي لمواصلة هذا النقاش سأنتقل إلى الأعصاب. فالتقدم في علم الأعصاب والتصوير الدماغي يبلغنا عن الميول الكامنة في طبيعتنا، والتي تشير إلى أننا سنكون أكثر ميلاً إلى اختيار بعض الأفكار وشرعنتها على الآخرين. إن مهمتي هنا هي فك هذا الفرضية الأساسية والقيام بذلك من خلال النظر في أربعة شروطٍ مسبقةٍ لاختيار الأفكار.

تنازع الفلاسفة حول ما إذا كان البشر أخلاقيين أو غير أخلاقيين بطبيعتهم لعدة قرونٍ. يقدم علم الأعصاب طرقاً جديدةً لفهم الطبيعة البشرية كمعرضين أساساً: الرجل ليس لوحاً أبيض تماماً ولكنه مجهزٌ بمجموعةٍ من الغرائز الموهنة للبقاء على قيد الحياة، والتي تعلمها التجربة العاطفية بشكلٍ كبيرٍ. وهذا يعني أن تطوير بوصلتنا الأخلاقية يتأثر بشكلٍ جذريٍ من قبل محيطنا، المصلحة الذاتية العاطفية، وقيمة البقاء.

بالمثل، إن استقبال وتبني الأفكار يعتمد إلى حدٍ كبيرٍ على الظروف الاجتماعية، الاقتصادية، والثقافية. ومع ذلك وعلى الرغم من هذه الحوادث غير المتوقعة، يجب أن الأفكار تحقق مجموعةً من الشروط من أجل البقاء. حيث يجب أن تستوفى الشروط المسبقة التالية من أجل أن تبقى وتزدهر الأفكار:

1- يجب أن تفسر الأفكار الخصائص العاطفية، عديمة الحس بالأخلاق، والأنانية للطبيعة البشرية:

بناءً على علم الأعصاب، يمكن وصف طبيعة الإنسان من خلال نموذج “الأنانية العاطفية فاقدة الحس بالأخلاقية”. حيث تشير الأدلة إلى أن الإنسان لا يُولد أخلاقياً أو لاأخلاقياً، ولكن عديم الحس بالأخلاق: حيث سيتأرجح بين الإثنين بناءً على المصلحة الذاتية والظروف التي يجد نفسه. ولكن البشر مجهزون بالحد الأدنى من مجموعة الغرائز للبقاء، وحاجةٍ محددةٍ سلفاً لاتباع تلك الأفعال التي تضمن أعلى فرصٍ للبقاء. وتستند حسابات ما يزيد فرصنا في البقاء على المصالح الذاتية المُدركة، وبالتالي فهي تتأثر بالشخصنة غير الموضوعية. وعلاوةً على ذلك، العاطفية تلعب دوراً حاسماً في عمليات التفكير لدينا، وتتجاوز العقلانية في أكثر الأحيان.

ستعلمنا الكيمياء العصبية المشتركة لدينا أيضاً عن نوع الأفكار التي يحتمل أن نفضلها أو نرفضها. حيث أن اختيار الأفكار التي تضع الأساس للحوكمة الشمولية ستضمن في نهاية المطاف مزيداً من الاستدامة، في حين أن أيّ فكرةٍ توجيهيةٍ تنادي بعدم المساواة والتمييز ستصبح باليةً في نهاية المطاف، لا سيما أن العالم يصبح أكثر ترابطاً وتكافلاً. إن الربيع العربي هو المصور المثالي للكيفية التي يكون فيها عالمٌ من التواصل والوعي السياسي المتصاعد ضاراً في نهاية المطاف بالأنظمة التي تقمع شعوبها وتفرض أشكالاً منفرةً من السيطرة، أو التي تسمح بتلاعباتٍ خارجيةٍ تتعارض مع الحساسيات الثقافية المحلية.

2- يجب أن تكون الأفكار قابلةً للتكيف، تعدديةً، ومتآزرةً مع أفكارٍ أخرى:

إن القدرة على التكيف مع الأفكار مطلوبةٌ لبقائها. ففي سياق اليوم حيث التفاعل والتكافل الثقافي أكبر من أيّ وقتٍ مضى، ستبقى الأفكار ذات القوة الثقافية الكبيرة فقط. فكما هو الحال في الطبيعة، حيث تُوصِل زيادة التعرض والتهجين بين الأنواع إلى قوةٍ مهجنةٍ، ستضعف الثقافات التي لا تزال في عزلٍ تامٍ عن الآخرين أيضاً. إن القدرة على التكيف هي شرطٌ لا غنى عنه لمتانة الأفكار، كما أن الفشل في التغيّر في الظروف المتغيرة بسرعةٍ يولد خصائصاً غير مناسبةٍ للبقاء. وعلاوةً على ذلك، هناك مساهمةٌ إيجابيةٌ بعد التكيف عندما تتحسن قدرة الأفكار المتأصلة للتكيف. إن الأجندة الانعزالية الثقافية أو الاستثنائية المتغطرسة يأتي بنتائج عكسيةٍ للغاية. فعدم وجوب التكيف عيبٌ: تلك الدول والثقافات التي تسعى بنشاطٍ نحو فرص التكيف والتلاقح المتبادل ستكون مصدراً ثابتاً للأفكار المبتكرة، مما سيؤدي إلى مسارٍ مستدامٍ للتاريخ.

3- يجب أن تضمن الأفكار احتياجات الكرامة للجميع:

إن ضمان كرامة الإنسان الفردية للجميع، في جميع الأوقات، وتحت جميع الظروف هو أمرٌ حاسمٌ للأفكار وشرطٌ لها من أجل أن تجتاز اختبار الزمن. أنا أوظف مفهوم الكرامة هنا على أنها تعني أكثر من مجرد مضاد الذل. فهي تتطلب تسعة معايير من الحوكمة الرشيدة وهي: المنطق، الأمن، حقوق الإنسان، المساءلة، الشفافية، العدالة، تكافؤ الفرص، الابتكار، والشمولية. إن أفكار ونظم الحكم القائمة على أفكارٍ لا تستوفي هذه المعايير لن تنجح على المدى الطويل لأنها لا يمكن أن تضمن الحفاظ على كرامة الإنسان، وهو أمرٌ أساسيٌ لجنسنا البشري والحياة الاجتماعية. إن الأنظمة الأيديولوجية التي تعطي الأولوية لسلطة القيادة المركزية على الجميع، وخصوصاً على كرامة الفرد، لا يمكن لها أن تكون مستدامةً في نهاية المطاف.

تم إلغاء الرق في الإمبراطورية البريطانية في عام 1834مـ في أعقاب قرار الحكومة السابقة عام 1807مـ، والذي ينص على أن شراء أو بيع العبيد غير قانونيٍ. لقد كان الرق ممارسةً مربحةً جداً للإمبراطورية، إلا أنه لم يمكن ممكناً الدفاع عنها أخلاقياً. وأدت عدة عوامل إلى تآكل شرعيتها وزوالها النهائي مثل: الثورة الفرنسية وإلهامها لتحقيق المثل العليا للحرية والمساواة، دعمٍ من المنظمات الدينية، وثورات العبيد المكتسحة في أوائل القرن التاسع عشر كما هو الحال في جامايكا. فلقد أصبحت تكاليف الإبقاء على العبودية عاليةً جداً وأصبحت تداعياتها سلبيةً جداً لتبريرها.

إن التاريخ الحديث حافلٌ بالأمثلة. فنظام الفصل العنصري الذي كان اعتداءً وحشياً على كرامة الإنسان انمحى ولم يكن قادراً على أن يدافع عن شرعيته في مواجهة الاضطرابات الداخلية والضغوط الدولية. كما أن الأنظمة الشيوعية في الكتلة السوفياتية السابقة فقدت بالمثل جاذبيتها الشعبية لأنها انتهكت بجموحٍ الحقوق والحريات الأساسية مراراً وتكراراً، وحكمت بالإرهاب. وكان الأثر التراكمي لهذه الممارسات أن الأنظمة الشيوعية لم تكن قادرةً على احتواء الإحباط المتنامي وخيبة الأمل سكانها، على الرغم من الأجهزة الأمنية القوية. وفي حين أن بعض الأفكار التي لا تتفق مع كرامة الإنسان قد تبقى وتزدهر في ظروفٍ معينةٍ، إلا أن اعتقادي هو أنها لن تكون مستدامةً على المدى الطويل، حيث يصبح عالمنا المعوّلم بازديادٍ أكثر ترابطاً وتكافلاً.

 4- يجب أن تستند الأفكار على المعرفة المشتقة من “أفضل الحقائق القائمة على المنطق”:

تحلل نظرية المعرفة المسماة بـ “المادية العصبية العقلانية” عمليات تكوّن المعرفة، وهو موضوع خلافٍ بين التجريبيين والعقلانيين. تطرح نظرية المادية العصبية العقلانية أن مصادر المعرفة تأتي من جمع توظيف تجربة الإحساس والمنطق، وكلاهما يخضع للتفسير. وهذا يعني أن تشكيل المعرفة يتوقف على عدة عوامل، بما في ذلك الافتراضات السابقة والمدخلات الثقافية والزمنية. حيث يسعى البشر نحو المعرفة الجديدة بالاعتماد على ما يعرفونه بالفعل، أيّ على التجارب الشخصية ونزعاتٍ خاصةٍ تترجم إلى تفسيراتٍ ذات مغزى. إن المعرفة الإنسانية شخصيةٌ وليست عالميةٌ: إن حقيقتنا غير محددةٍ جوهرياً ومُشّكلةٌ من عوامل مقيدةٍ بالسياق (لكن هذا لا يعني أنه لا يوجد أيّ معرفة تتجاوز الزمان والمكان). فنظرية المادية العصبية العقلانية ذات صلةٍ لتفسير بقاء الأفكار، لأنها تظهر أن الأفكار التي تلتزم بمصادر المعرفة المحددة لكل إطارٍ ثقافيٍ ستكون أكثر عرضةً للتحمل. و”أفضل الحقائق القائمة على المنطق” هذه ستكون في نهاية المطاف أطول أمداً بالمقارنة مع الأفكار الدوغماتية غير القابلة للتحقق.

 

الآثار المترتبة للفلسفة، الأمن، والعلاقات الدولية:
إن التاريخ البشري حافلٌ بالأمثلة حيث لا تلبي الأفكار المعايير المذكورة أعلاه ولم تكن مستدامةٌ، مما أدى إلى زوالها وانقراضها في نهاية المطاف. على الرغم من جبروت القوة العسكرية، الاقتصادية، الفكرية، والسياسية التي تدفعهم في بعض الأحيان. وتشمل الأمثلة على هذا الاستعمار، الشيوعية، الفاشية، النازية، أنظمة الفصل العنصري، بعض أشكال الدكتاتورية، والاضطهاد العرقي والديني الآخرين. وفي المقابل، نجت نظم الأفكار مثل تلك الموجودة في الديمقراطية الليبرالية على الرغم من أشكالٍ كبيرةٍ من عدم المساواة الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية، والثقافية التي لا تزال قائمةً حتى في الديمقراطيات الناضجة.

علاوةً على ذلك، إن تفريغ معايير بقاء الأفكار له آثارٌ على فهمنا للأمن العالمي. إن الأفكار الأكثر نجاحاً ستنتج الحكومات الأكثر استقراراً، وهي مقدمات الاستقرار الوطني والدولي. على العكس من ذلك، فإن الأفكار التي لا تجد القبول في المجتمع ستؤدي حتماً إلى اضطراباتٍ وأزماتٍ في النظام الدولي.

لم تختفي كل الأفكار “غير أخلاقية”. ولكن التاريخ أطاح بتلك الأفكار التي تهاجم كرامة الإنسان وتم اجتثاث قبولها التطبيعي العالمي اليوم. وما زلنا نعاني من أشكالٍ من عدم المساواة، التنميط العنصري والعرقي، الأفكار التي تدعي تفوق جماعةٍ على أخرى، ولكن هذه الأفكار لا تجد صدى واسعاً ونظاماً معقداً من القواعد والمؤسسات التي وجدت لمعالجتها.

إن الأفكار تستطيع البقاء على المدى الطويل إذا كانت متسقةً مع خط نموذج “التاريخ المستدام”، والذي ينادي بالكرامة الإنسانية كأهم شرطٍ للحوكمة الرشيدة. إن الاختلافات في مفاهيم الكرامة عبر الثقافات لا مفر منها، ولكن السعي لتحقيق الكرامة والحياة الكريمة يتجاوز كل الثقافات.

البروفيسور نايف الروضان (SustainHistory) هو زميلٌ فخريٌ في كلية سانت أنتوني بجامعة أكسفورد، وزميلٌ ورئيس الجغرافيا السياسية وبرنامج العقود الآجلة العالمي في مركز جنيف للسياسات الأمنية. وهو مؤلف كتاب تاريخ المستدام وكرامة الإنسان. وفلسفة التاريخ والحضاري النصر (برلين: مضاءة، 2009)

 

Comments are closed.