سلفنا الأخير المشترك استنشق غاز الهيدروجين من فوهات البراكين تحت الماء

الكاتب: روبورت ف. سيرفيس.
المترجم: رقية ع. م.

من المرجح أن تفاصيل سلسلة الأحداث الكيميائية التي قادت إلى أصل الحياة على الأرض فُقدت في غشاوة الزمن إلى الأبد. لكن بعض أسلافنا القدماء خلفوا ورائهم آثاراً في الموروثات ومرروها إلى أحفادهم، ومن ضمنهم حواء الميكروبات التي انحدرت منها معظم الخلايا الحديثة. ولتقفي أثر هذه الموروثات المشتركة، فحص علماء الوراثة ما يقارب ٢٠٠٠ جينومٍ* للميكروبات الحديثة. ولقد ذكر الباحثون بأنهم استخدموا هذه الطريقة في دراسة الجينوم للكشف عن حقائق جديدةٍ حول الحياة اليومية لسلفنا المشترك العالمي الأخير. وتشير النتائج إلى أن السلف المشترك العالمي الأخير كان ميكروباً محباً للحرارة، كما كان يتغذى على غاز الهيدروجين وعاش في عالمٍ مجردٍ من الأوكسيجين، وهذا يدعم الشكوك القوية التي مفادها أن الحياة على الأرض تشكلت داخل وحول الفوهات الحرارية المائية كالتي توجد بالقرب من البراكين تحت البحار.

اليوم، تم تقسيم الخلايا التي تكوّن الحياة على الأرض إلى ثلاث مجاميع واسعةٍ: البكتيريا، العتائق وحقيقيات النوى. أول مجموعتان تمثلان بدائيات النوى، وهي خلايا بدون أنويةٍ. ولقد أدى التحامٌ بين هذين الإثنين إلى تشكيل حقيقيات النوى وتشكل كل الكائنات الحية المعقدة عديدة الخلايا بما فيه النباتات والحيوانات وهي خلايا محتويةٌ على أنويةٍ.

لقد كشفت الدراسات الوراثية الحديثة عن أدلةٍ مثيرةٍ فيما يخص السلف المشترك العالمي الأخير. حيث تشير معظم الأدلة إلى أن هذا السلف خزن المعلومات الوراثية باستخدام الحمض النووي الرايبوزي منقوص الأوكسجين وذلك على غرار الخلايا الحديثة. كما أنه بنى البروتين واستخدم أدينوسين ثلاثي الفوسفات كمصدرٍ للطاقة. ولكنه كان من الصعب على علماء علم الوراثة معرفة تفاصيل أخرى عن أسلوب حياة سلفنا المشترك العالمي الأخير. فإحدى أكبر التعقيدات: الميكروبات لا تمرر موروثاتها إلى سلالتها فقط، بل تقوم أيضاً بمبادلتها مع جيرانها بعمليةٍ تسمى نقل الموروثات الأفقي. مما يجعل من الصعب معرفة ما إذا كانت الموروثات التي تتشارك فيها مع الميكروبات المختلفة تعكس انحداراً لهذه الميكروبات من سلالةٍ واحدةٍ أو أن هذا يعني أن بعض الجراثيم تفوقت على غيرها في نشر مادتها الوراثية إلى مدى أبعد وبشكلٍ أوسع فقط. وبالتالي يصعب هذا معرفة اسلوب حياة السلف المشترك العالمي الأخير بوضوحٍ.

لتوضيح ذلك أكثر، قام الباحثون بقيادة عالم الأحياء التطوري ويليام مارتن بجامعة هاينرش هاينه في دوسلدروف بألمانيا بمقاربة الموضوع بطريقةٍ أكثر دقةٍ، وذلك للتعرف على الموروثات التي يحتمل أن تكون موروثةً. فبدلاً من البحث عن موروثاتٍ مشتركةٍ بين نوعٍ واحدٍ من البكتيريا أو العتائق، بحثوا عن تلك المشتركة بين نوعين من البكتيريا ونوعين من العتائق على الأقل. مما أعطاهم حساباتٍ مبدئيةٍ لحوالي ستة ملايين موروثٍ موزعٍ على أكثر من ٢٨٦٠٠٠ مجموعةٍ من العوائل الوراثية المرتبطة ببعضها البعض. ولقد كشفت المزيد من التحاليل بأن ٣٥٥ من هذه العوائل الوراثية موزعةٌ بشكلٍ واسعٍ على جميع الكائنات الحية الحديثة، ولهذا يمكن تتبعه من أحد أنواع الأسلاف وصولاً إلى أحفاده. وهذا جعل ثلاثمائة وخمسة وخمسون من العوائل الوراثية مرشحةً على الأغلب لأن يكون مصدرها السلف المشترك العالمي الأخير.

كما ذكر مارتن وزملائه في عدد اليوم من مجلة نايتشر للأحياء الدقيقة أن هذه الجينات ليست مبعثرةً بشكلٍ عشوائيٍ في جميع الكائنات الحية الحديثة، ولكنها تقع في مجموعاتٍ محددةٍ لتعكس عملية الأيض المحتملة للسلف المشترك العالمي الأخير. وأهمها هو أن السلف المشترك العالمي الأخير كان لاهوائياً ونمى في بيئةٍ مجردةٍ من الأوكسجين الذي تحتاجه معظم الخلايا اليوم. وهذا يتفق مع ما يعرفه العلماء عن الأرض قبل أربعة بلايين عامٍ، أيّ في فترةٍ كانت تعرف بالقصف الشديد المتأخر*. فبعد تشكل الكوكب بفترةٍ ليست بالطويلة، تساقطت المذنبات والنيازك بشكلٍ كبيرٍ وثابتٍ، فغلت البحار بصورةٍ دوريةٍ، وكان الغلاف الجوي ينقصه الأوكسجين. وأظهر فحص الموروثات أن السلف المشترك العالمي الأخير كان بشكل شبه أكيدٍ محباً للحرارة (أليف الحرارة) أيضاً، وكان يتغذى على غاز الهيدروجين كما اقترح آخرون. تنتج العديد من الميكروبات غاز الهيدروجين اليوم، ولكن بما أن السلف المشترك العالمي الأخير كان سابقاً لهم فلابد من أنه تجمع في مصدرٍ جيولوجيٍ للهيدروجين، مثل مناطق التنفيس الحراري المائي التي توجد قرب البراكين تحت البحار.

قال عالم الأحياء التطوري جيمس ليك بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس عن العمل الجديد أنه “مذهلٌ” وأنه “خطوةٌ مهمةٌ نحو الأمام”. وأشار ليك أيضاً إلى أن السلف المشترك العالمي الأخير يشترك في أسلوب حياته مع اثنين من الميكروبات الحديثة: الكلوستريديوم وهو جنسٌ من البكتيريا اللاهوائية، ومولدات الميثان وهي مجموعةٌ من العتائق التي تتغذى على غاز الهيدروجين. إذاً، بالرغم من مرور زمنٍ طويلٍ على فناء السلف المشترك العالمي الأخير، إلا أن أقاربه المقربون لا يزالون موجودين بيننا.

المصدر (sciencemag)

حواء الميكروبات (Microbial Eve)
جينوم (genome)
السلف المشترك العالمي الأخير (Last universal common ancestor)
الحمض النووري الرايبوزي منزوع الأوكسجين (DNA)
أدينوسين ثلاثي الفوسفات (Adenosine triphosphate)
نقل الموروثات الأفقي (horizontal gene transfer)
جامعة هاينرش هاينه (He inrich Heine University)
دوسلدروف (Dusseldorf)
ويليام مارتن (William Martin)
موروث (gene)
نايتشر للأحياء الدقيقة (Nature Microbiology)
القصف الشديد المتأخر (late heavy bombardment)
أليفة الحرارة (Thermophile)
جامعة كاليفورنيا (California University)
لوس أنجلوس (Los Angelus)
جيمس ليك (James Lake)
كلوستريديوم (أو مطثية) (Clostridium)
مولدات الميثان (Methanogens)

* جينوم أو المحتوى الوراثي: وهو كامل تسلسل الدنا لأحد الكائنات الحية.

* القصف الشديد المتأخر: هي فترةٌ زمنيةٌ امتدت مما قبل 4.1 إلى 3.8 مليار عام، ويُعتقد أنه تكوّن خلالها عدد كبير من الفوهات الصدمية على القمر وعطارد والأرض والزهرة والمريخ.

 

Comments are closed.