كيف يساهم الواقع الافتراضيّ في تطوير الرعاية الصحية؟

كتابة: ويندي باويل.
ترجمة: سعاد السقاف.
مراجعة: سحاب أحمد الذايدي.

الواقع الافتراضي هو أكثر بكثيرٍ من مجرد وسيلةٍ جديدةٍ من وسائل الترفيه، حيث يستخدم حالياً على نحوٍ متزايدٍ وبشكلٍ واسع في التطبيقات الطبية التي تتضمن العلاج وحتى التدريب، وسنستعرض هنا عدداً منها:

 

  • التحكم بالألم:

هناك أدلةٌ علميةٌ جيدةٌ تشير إلى أن تقنية الواقع الافتراضي تساهم في تخفيف الألم، فأجزاء الدماغ المرتبطة بالألم تظهر نشاطاً أقل عندما يكون المريض مندمجاً في الواقع الافتراضي، وهي القشرة الحسية الجسدية والفص الجُزيريّ. ويمكن أن يساهم الواقع الافتراضي في مساعدة المرضى على تحمّل الإجراءات الطبية التي عادةً ما تكون مؤلمةً جداً في بعض الحالات.

أظهرت دراساتٌ أخرى أن بإمكان مبتوري الأطراف الاستفادة من العلاج بالواقع الافتراضي، فهم غالباً ما يشعرون بآلامٍ شديدةٍ في أطرافهم المفقودة والتي يصعب علاجها بالطرق التقليدية، ولا تستجيب عادةً جيداً للمسكنات القوية مثل الكودين والمورفين. إلا أن تقنيةً تدعى بـ “علاج المرآة الافتراضية” تهدف لمساعدة بعض المرضى في التعامل بشكلٍ أفضل مع هذا “الألم الشبحيّ”، إذ يرتدي فيها المريض أداة الواقع الافتراضيّ ويقوم بالتحكم بنسخةٍ افتراضيةٍ من الطرف المفقود.

 

  • العلاج البدنيّ:

يمكن استخدام تقنية الواقع الافتراضي لتتبع حركة الجسم، مما يسمح للمريض باستخدام حركات تمارين العلاج كتفاعلٍ في لعبة واقعٍ افتراضيٍّ، فربما يحتاج المريض إلى رفع ذراعه فوق رأسه لالتقاط كرةٍ افتراضيةٍ على سبيل المثال.

إن القيام بالتمارين عبر الواقع الافتراضي أكثر متعةً مما هو عليه في صالة الألعاب الرياضية، لذا يكون الناس محفزين أكثر لممارسة الرياضة، ويمكنها أن تساعد بطرقٍ أخرى. فعلى سبيل المثال، يشعر بعض المرضى بالقلق إزاء المشي، ويمكننا التحكم ببيئةٍ افتراضيةٍ بحيث يبدو لهم أنهم يتحركون بشكلٍ أبطأ بكثيرٍ مما هو في الواقع. وعندما نفعل ذلك، فإنهم يُسرعون في المشي طبيعيّاً ولكنهم لا يشعرون بذلك، ولهذا لا يرتبط المشي بمشاعر الألم والقلق. كما أن دراسة كيفية تصور الأشخاص وتفاعلهم مع أنظمة الواقع الافتراضي تساعدنا في تطوير برامج إعادة تأهيلٍ أفضل.

 

  • المخاوف والرهاب:

إذا كان لديك خوفٌ غير منطقيٍّ من شيءٍ ما، فربما تعتقد أن آخر شيءٍ تحتاجه هو رؤيته في الواقع الافتراضي، إلا أن هذه هي إحدى أكثر الوسائل الطبية المعتمدة لاستخدام الواقع الافتراضيّ، فغالباً ما يُعالج الرهاب بما يُعرف بـ “العلاج بالتعرض التدريجي”، حيث يُعرض المعالِج مرضاه لمخاوفهم ببطءٍ. وتعد تقنية الواقع الافتراضي مثاليةً لهذه الحالات، إذ يمكن تعديلها بدقةٍ لتتوافق مع احتياجات كل مريضٍ، ويمكن تطبيقها في مكتب الطبيب أو حتى في المنزل، ولقد استُخدمت لعلاج الرهاب (الفوبيا) كالخوف من المرتفعات أو العناكب، وتُستخدم كذلك لمساعدة الأشخاص في التعافي من اضطراب ما بعد الصدمة.

 

  • إعادة التأهيل المعرفي:

كثيراً ما يواجه المرضى الذين يعانون من إصاباتٍ دماغيةٍ نتيجة صدمةٍ أو مرضٍ كالسكتة الدماغية صعوبةً في أداء المهام اليومية التي نعتبرها من الأمور المسلم بها، كالتسوق ووضع خطط عطلة نهاية الأسبوع. ويمكن لإعادة صياغة هذه المهام ضمن بيئةٍ افتراضيةٍ والسماح للمرضى بممارستها مع زيادة مستويات التعقيد أن يزيد من سرعة شفائهم، وأن يساعدهم في استعادة مستوياتٍ أعلى من الأداء المعرفيّ.

يمكن للأطباء أيضاً أن يستخدموا هذه البيئات الافتراضية كأداةٍ للتقييم، بحيث تراقب المرضى خلال آدائهم لمجموعةٍ متنوعةٍ من مهام العالم الحقيقي المعقدة، ما يساعد في تحديد مناطق فقدان الذاكرة، ضعف الانتباه، أو صعوبة اتخاذ القرار.

 

  • تدريب الأطباء والممرضين:

لا يقتصر الواقع الافتراضي بطبيعة الحال على المرضى فقط، بل يقدم فوائده لمهنيي الرعاية الصحيةـ إذ يستغرق تدريب الأطباء والممرضين لتنفيذ إجراءاتٍ روتينيةٍ وقتاً طويلاً، كما أن التدريب عموماً يستدعي أن يقدمه خبيرٌ غالباً ما يكون مشغولاً ومُكلّفاً. ولكن يُستخدم الواقع الافتراضي على نحوٍ متزايدٍ لتعليم التشريح، ممارسة العمليات، ومكافحة العدوى.

إن إدخال المتدرب في محاكاةٍ واقعيةٍ لإجراء وممارسة الخطوات والتقنيات أفضل بكثيرٍ من مشاهدة مقطعٍ مرئيٍ أو الوقوف في غرفةٍ مزدحمةٍ لمشاهدة خبيرٍ، ومع كون أدوات الواقع الافتراضي منخفضة التكلفة، سهلة التحكم، ذات سيناريوهاتٍ قابلةٍ للتكرار، وتقدم تغذيةً راجعةً فوريةً، فإننا نملك أداةً تعليميةً جديدةً وقويةً تصل لما هو أبعد من الفصول الدراسية.

المصدر: (phys.org)

ويندي باويل (Wendy Powell)
تقنية الواقع الافتراضي (virtual reality) (VR)
القشرة الحسية الجسدية (somatosensory cortex)
الفص الجُزيريّ (insula)
الكودين (codeine)
المورفين (morphine)
علاج المرآة الافتراضية (virtual mirror therapy)
الرهاب (الفوبيا) (phobia)
اضطراب ما بعد الصدمة (post-traumatic stress disorder) (PTSD)

شاركنا تعليقك ..