الأمن، الأخلاقيات، والتقنيات الناشئة

كتابة: الأستاذ المحاضر نايف الروضان.
ترجمة: سعاد السقاف.
مراجعة: عبدالحميد شكري.

لعقودٍ من الزمن، انتقلت الأبحاث العلمية من المختبرات إلى ساحة المعركة. فخلال الحرب الباردة استثمرت كلاًّ من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي حصةً ضخمةً من ميزانية دُولِهم في الأبحاث التي تهدف لتطوير تقنياتٍ حديثةٍ للجيش، الفضاء، واستكشاف المحيطات. وربما تكون الحرب الباردة انتهت، لكن ما يتعلق بالأمن ما زال معتمداً على تطوراتٍ من عدة صناعاتٍ وتقنياتٍ ناشئةٍ، سواءً كان الأمن الشخصيّ أو الوطنيّ أو الإلكترونيّ.

تستفيد التقنيات الناشئة مثل تقنية النانو، الإلكترونيات القابلة للارتداء، تقنيات تواصل الدماغ بالحاسوب، الطباعة ثلاثية الأبعاد، وغيرها من المقاربات متعددة التخصصات والتلاقح العابر بين التخصصات. وغالباً ما يتم دعمها من خلال شراكاتٍ بين القطاعين العام والخاص.

أخذت الحكومات والقطاعات غير الحكومية الفاعلة بالاعتبار إمكانيات التقنيات الناشئة بجديةٍ، خصوصاً أن معظم هذه التقنيات يمكن تطويرها وتحويلها إلى تطبيقاتٍ عسكريةٍ. ومن بين تلك التطبيقات، أرى أن التحليل التنبؤيّ سيصبح ذا أهميةٍ خاصةٍ فيما يتعلق بالأمن والحماية في المستقبل القريب، والتحليل التنبؤي هو فعل استخراج المعلومات من مجموعات البيانات الموجودة لتحديد الأنماط والتنبؤ بالنتائج والتوجهات المستقبلية.

إن التحليلات التنبؤية هو مجالٌ لاستخراج البيانات التي تمثل العلاقة بين المتغيرات التفسيرية والمتغيرات المُتنبأ بها من الماضي، وذلك للتنبؤ بالنتائج وتحديد الأنماط والخطط المستقبلية. وتُستخدم التحليلات التنبؤية عادةً من قبل قطاع الخدمات المالية. ومن الممكن حتى أن تُستخدم الهواتف الذكية أيضاً لهذا الغرض، حيث أنها تسجل بياناتٍ ضخمةً ومؤشراتٍ تتعلق بنشاطاتنا. وباستخدام البيانات المدخلة وخوارزميات التعلم الآلي المتخصصة، يمكن للعسكر أن يستخدموا التحليلات التنبؤية للتنبؤ بمختلف القضايا الأمنية والعسكرية.

في حين أن الرغبة للابتكار تقود التقنيات الناشئة إلى التطور السريع، من المهم تذكر أن ذلك قد يترتب عليه نتائج كارثيةٍ في حال غياب الأنظمة، القوانين الواضحة، والتوجيهات الأخلاقية في الصناعات ذات الصلة. ويزداد هذا الخطر تبعاً لحقيقة أن استخدام هذه التقنيات أصبح أكثر سهولةً من قِبل الأفراد والقطاعات الفاعلة غير الحكومية بخلاف الماضي.

على سبيل المثال، تتيح تقنية اتصال الدماغ بالحاسوب إمكانية التفاعل مع الحواسيب من خلال التفكير وحده. وبينما نجد أن هذه التقنية يمكن أن تفيد الكثير من المرضى وبالخصوص أولئك المصابين بالشلل إثر إصابةٍ في النخاع الشوكي أو الأمراض العصبية، إلا أنه من الممكن أن يكون لهذه التقنيات انعكاساتٌ مدمرةٌ في مجال الأمن الإلكترونيّ، حيث يمكن لقراصنة الحاسوب (الهاكرز) العثور بسهولةٍ على طرقٍ للوصول إلى البيانات الحساسة والحرجة، وسرقة الأنظمة أو التلاعب بالأجهزة.

هناك قضايا أخلاقيةٌ ملحةً أخرى. منها أن التقنيات الناشئة تتيح للدول مزيداً من أدوات ووسائل المراقبة والإشراف، وغالباً ما يعني ذلك التعديَ على الحريات المدنية. ومن هنا يستوجب السعي بحماسٍ أكثر إلى التوازن بين الحاجة إلى جمع المعلومات واحترام الخصوصية.

علاوةً على ذلك، فإن الاحتمالات التي ترسمها التقنيات الناشئة تشكل خطراً محتملاً على ما بعد الإنسانية أو التحوّل الماديّ والمعرفيّ الجذريّ، مثل تقنيات التحسن المعرفيّ الملحوظ، الطب الحيوي أو علم الأحياء الاصطناعيّ. وهذا يهدد بتغيير أسس الطبيعة البشرية وغريزة البقاء التي تعد أمراً محورياً في تطورنا وأعرافنا الاجتماعية.

بالرغم من أن الابتكارات قد تغيرت بشكلٍ واضحٍ وأفادت مجتمعاتنا، إلا أنه من الواجب أن يتوازن ذلك مع اهتمامٍ بالغٍ بكرامة الإنسان، الاستدامة، والأمن. لذا يجب على واضعي السياسات ومؤسسات المجتمع المدني أخذ هذا التحدي بجديّةٍ وتوضيح المعايير لإنتاج واستخدام التقنيات الناشئة.

الكاتب: الأستاذ المحاضر نايف الروضان هو عضوٌ كبيرٌ في كلية سانت أنتوني في جامعة أوكسفورد، وزميلٌ كبيرٌ ومدير مركز الجيوسياسية والعولمة والأمن الدولي في مركز جينيف لسياسة الأمن. وهو كاتب “سياسات التقنيات الاستراتيجية الناشئة. الآثار على الجيوسياسة، التحسن البشري، والقدر البشري”.

المصدر: (weforum)

النانو (Nano)
الإلكترونيات القابلة للارتداء (wearable technologies)
تقنيات تواصل الدماغ بالحاسوب (brain-computer interfaces)
الطباعة ثلاثية الأبعاد (3D printing)
لقراصنة الحاسوب (الهاكرز) (Hackers)

Comments are closed.