تقنية “كريسبر” تساعد في علاج الفئران المصابة بالضمور العضلي

 طريقة لتعديل الجينوم بواسطة “كريسبر” لكي تستعيد الخلايا العضلية إنتاج بروتين الدستروفين في الفئران المصابة بطفرة جينية.

كتابة: جوسلين كايزر.
ترجمة: عهود القثامي و دلال العنزي.
مراجعة: عبدالله الشواف.




أحرزت التقنية الأشهر الخاصة بتعديل الجينوم والمعروفة بـ ‘كريسبر’ إنجازاً آخر: إذ تمكّن الباحثون من استخدامها لعلاج فئرانٍ مصابةٍ بنوعٍ خطيرٍ من أمراض الضمور العضلي. حيث نشرت ثلاث مجموعاتٍ بحثيةٍ في مجلة ساينس أنها استخدمت كريسبر لقطع الجين المعيب في الفئران المصابة بمرض الضمور العضلي الدوشيني، مما ساهم في مساعدة الفئران على إنتاج البروتينات اللازمة لبناء العضلات. وتعتبر هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها توصيل كريسبر بنجاح في جميع أرجاء الجسم من أجل علاج حيوانات مكتملة النمو ومصابةٍ بأمراضٍ جينيةٍ.

ينشأ مرض الضمور العضلي الدوشيني من عيوبٍ في الشفرة الجينية الخاصة ببروتين ‘الديستروفين’ الذي يعمل على تقوية وحماية الألياف العضلية، ويصيب الصبيان غالباً. إذ تتدهور عضلات القلب والعضلات الهيكلية من دون الديستروفين. حيث إن المصابين بهذا المرض ينتهي بهم الحال عادةً على كرسيٍّ متحركٍ، ثم على أجهزة التنفس الصناعيّ، ويموتون في سن الـ٢٥ تقريباً. ينتج هذا المرض النادر من نقصٍ في الحمض النووي أوعيوبٍ في الـ79 ’إكسوناً’* أو تمديداتٍ في تشفير بروتين الحمض النووي المكوّن لجين الديستروفين الطويل.

لم يتمكّن الباحثون بعد من إيجاد علاجٍ فعّالٍ لمرض الضمور العضلي الدوشيني. إذ ثبت أنه من الصعب نقل عددٍ كافٍ من الخلايا الجذعيّة الخاصّة ببناء العضلات إلى الأنسجة الملائمة للحد من هذا المرض. كما لا يمكن استبدال جين الديستروفين بسبب حجمه الكبير عن طريق استخدام العلاج الجينيّ التقليديّ، والذي يستخدم الفيروسات لنقل نسخةٍ جيّدةٍ من الجين المعطوب إلى الخلايا. إذ يأمل بعض المعالجين الجينيّين بتزويد نسخةٍ مجهريةٍ من جين الديستروفين للمصابين بهذا المرض ذو قدرةٍ على إنتاج نسخةٍ قصيرةٍ ولكن فعالةٌ من البروتين للتقليل من حدة المرض. كما قامت بعض الشركات أيضاً بتطوير مركّباتٍ لتُمكّن الآلية الخاصة لقراءة الحمض النووي في الخلايا من تجنب الأكسون المعيب في جين الديستروفين، وإنتاج نسخةٍ قصيرةٍ وفعّالة من هذا البروتين الضروريّ. ولكن هذه العقاقير المسؤولة عن تجنب الإكسونات لم يتم الموافقة عليها من قبل المسؤولين بسبب الأعراض الجانبية لهذه العقاقير، بالإضافة إلى تأثيرها المحدود في تحسين عمل العضلات في التجارب السريرية.

الآن دخلت تقنية كريسبر الصورة. فهذه التقنية الحائزة على لقب الإنجاز الأهم لعام ٢٠١٥ من قبل مجلة ساينس، تعتمد على سلسلةٍ من الحمض النووي الريبوزي لتوجيه إنزيمٍ يدعى بكاس9 إلى مكانٍ محددٍ في ‘الجينوم*’، حيث يقوم الإنزيم بقطع الحمض النووي. وتقوم الخلايا عندئذٍ بإصلاح الفجوة عن طريق إعادة جمع سلاسل الحمض النووي المقطوعة أو تكوين سلسلةٍ جديدةٍ باستخدام نموذجٍ مزودٍ من الحمض النووي. كما استخدم العلماء هذه التقنية بالفعل لتصحيح بعض الاضطرابات الجينية من خلايا مأخوذةٍ من البشر أوالحيوانات، بالإضافة إلى علاج بعض أمراض الكبد في الفئران البالغة. كما أثبت الباحثون العام الفائت قدرة تقنية كريسبر على إصلاح جينات الديستروفين المعيبة في أجنة الفئران.

يتواجد الدستروفين (الأخضر الفاتح) بكثرةٍ في عضلة القلب للفئران الطبيعية (يسار)، ولكنها مفقودةٌ في الفئران المصابة بالضمور العضلي الدوشيني (وسط)، واستعادتها بشكل جزئي في الفئران المصابة بالمرض وتم علاجها باستخدام تقنية كريسبر (يمين).

لكن استخدام كريسبر كعلاجٍ للأشخاص المصابين فعلياً بالضمور العضلي الدوشيني يبدو غير عمليّ، لأن خلايا العضلات الناضجة لدى البالغين لا تنقسم عادةً، وبالتالي لا تتوفر لديها القدرة على تفعيل آليّة إصلاح الحمض النووي اللازمة لإضافة أو تصحيح الجينات. إلا أنه يمكن استخدام كريسبر لقص الإكسون المختلّ لتقوم آليّة القراءة الجينية في الخلية من إنتاج نسخةٍ مختصرة من الدستروفين، أي أنها شبيهةٌ بأساليب العلاج المسبقة كتخطي الإكسون والجينات المجهرية.

أجرت ثلاث فرقٍ حالياً ذلك بالضبط مع فئرانٍ شابةٍ مصابةٍ بالضمور العضلي الدوشيني. حيث استخدم طالب الدراسات العليا تشنغزو لونغ وآخرون في مجموعة إيريك أولسون من جامعة جنوب غرب تكساس الطبية في مدينة دالاس الفيروس المرتبط بالفيروس الغُدِّيّ* غير الضار لنقل الحمض النووي الذي يشفِّر الحمض النووي الريبوزي المُرشد لكريسبر وإنزيم كاس9 إلى خلايا عضلات الفئران لقص الإكسون المختلّ. إذ أنتجت خلايا عضلات القلب والهيكل العظميّ نموذجا مقطوعاً من الدستروفين في الفئران المعالجة، والتي تم حقنها مباشرةً بفيروسات المنقولة عن طريق كريسبر في العضلات أو مجرى الدم، مما جعل أداء الفئران أفضل في اختبارات القوة العضلية على عكس غيرهم من الفئران المصابة بالضمور العضلي الدوشيني التي لم تخضع للعلاج. كما نُشر تقريرٌ بنتائج مماثلةٍ من قبل فرقٍ بقيادة مهندس الطب الحيوي تشارلز جيرزباش من جامعة ديوك في مدينة دورهام بولاية نورث كارولينا، وباحثة الخلايا الجذعية إيمي ويجرز من جامعة هارفارد، بالتعاون مع رائد تقنية كريسبر فينغ زانغ من جامعة هارفارد ومعهد برود في كامبريدج بولاية ماساتشوسيتس. وما يبعث الطمأنينة هو دقة وصحة عمل تقنية كريسبر، حيث لم يرصد أيٌّ من الفرق دليلاً على آثار انحيازٍ عن الهدف، أي تقطّعاتٍ غير مقصودةٍ ومن الممكن أن تكون ضارةً في أجزاءٍ أخرى من الجينوم.




أظهر فريق ويجرز أيضاً أن جين الدستروفين تم إصلاحه في الخلايا الجذعية العضلية، والتي تُجدد أنسجة العضلات الناضجة. تقول ويجرز أن ذلك “مهمٌ جداً”، لأنه وعلى خلاف الخلايا الجذعية العضلية، فإن الآثار العلاجية لكريسبر ربما تتلاشى بينما تتحلل الخلايا الناضجة مع مرور الوقت.

لم يكن العلاج شافياً كلياً: فأداء الفئران التي تلقّت كريسبر لم يكن بنفس مستوى أداء الفئران السليمة في اختبارات العضلات. إلا أنه كما يقول جيرزباش: “هناك مجالٌ واسعٌ لتطوير هذه الأساليب العلاجية”. كما يمكن لحواليّ 80 في المائة من المصابين بالضمور العضلي الدوشيني الاستفادة من إزالة الإكسون المختلّ. إلا أن أولسون نوّه أنه على الرغم من ذلك، لايزال الباحثون يبعدون سنواتٍ قبل القيام بتجارب سريريةٍ.  حيث تخطط مجموعته حالياً لدراسة أداء كريسبر بشكلٍ جيدٍ في علاج فئرانٍ مصابةٍ بطفراتٍ أخرى في جين الدستروفين والشبيهة لدى البشر، ومن ثم إثبات أن هذه الاستراتيجية آمنةٌ وفعالةٌ في الحيوانات الكبيرة.

تشجّع باحثوا ضمور العضلات الأخرين لهذه النتائج. حيث يقول جيري مندل من مستشفى الوطني للأطفال في كولومبوس: “إجمالياً، يبدو أن هذا الأسلوب واعدٌ جداً لنقله سريرياً”. ويضيف رونالد كوهين من مستشفى مرضى الأطفال في مدينة تورنتو بكندا: “السؤال الذي نفكر فيه جميعاً هو ما إذا كان من الممكن لكريسبر أن تُحدث تعديلاً جينياً في عضلة الهيكل العظميّ في الجسم الحي”. و يعلق بأن الدراسات الحديثة  تمثل “خطوةً مثيرةً للغاية نحو الأمام”.

المصدر: (sciencemag)

المصطلحات:

  1. الجينوم: هو كامل المعلومات الوراثية المشفرة ضمن الحمض النوويّ.
  2. الإكسون: هو أي قطعة من الحمض النووي، الذي تم نسخة ليصبح جزءاً من الـRNA primitive messenger، ولا يتم التخلص منه عند معالجته، على عكس الإنترون الذي يتم اقتطاعه للحصول على RNA messenger ناضج، وبذلك يتم ترجمته لبروتين.
  3. الفيروس المرتبط بالفَيروسِ الغُدِّيّ: هي جنس من الفيروسات الصغيرة التي تحتوي على سلسلة واحدة فقط من الحمض النووي (بدل السلسلتين)، والتي تعتمد على الفيروسات الغدية الأخرى في عملية نسخ السلسلة أخرى من الحمض النووي. ويتضح أنها في الغالب لا تسبب الأمراض بل تساعد في العلاج الجيني كا ناقل للجين.

جوسلين كايزر (Jocelyn Kaiser)
كريسبر (CRISPR)
الضمور العضلي (muscular dystrophy)
الضمور العضلي الدوشيني (Duchenne muscular dystrophy (DMD))
الديستروفين (dystrophin)
الحمض النووي الريبوزي (RNA)
الإنزيم (enzyme)
كاس9 (Cas9)
تشنغزو لونغ (Chengzu Long)
مجموعة إيريك أولسون (Eric Olson’s group)
جامعة جنوب غرب تكساس الطبية (University of Texas Southwestern Medical Center)
دالاس (Dallas)
تشارلز جيرزباش (Charles Gersbach)
جامعة ديوك (Duke University)
دورهام (Durham)
إيمي ويجرز (Amy Wagers)
جامعة هارفارد (Harvard University)
فينغ زانغ (Feng Zhang)
معهد برود في كامبريدج (Broad Institute in Cambridge)ماساتشوسيتس (Massachusetts)
نورث كارولينا (North Carolina)
جيري مندل (Jerry Mendell)
مستشفى الوطني للأطفال (Nationwide Children’s Hospital)
كولومبوس (Columbus)
رونالد كوهين (Ronald Cohn)
مستشفى مرضى الأطفال (Hospital for Sick Children)
تورنتو (Toronto)
الجينوم Genome
الإكسون Exon

Comments are closed.