هابل يكشف تلاشي رماد بعض النجوم القديمة في مجرتنا

ترجمة: عبدالحميد حسين شكري.

قام الفلكيون باكتشاف المخطط الأساسي لمرحلة البناء الأولى لمجرتنا باستخدام منظار هابل الفضائي التابع لوكالة ناسا، وذلك بإجراء عملية “حفرٍ تنقيبيٍ كوني” في قلب مجرتنا درب التبانة. حيث قاموا بالنظر عميقاُ في داخل المحور المركزي المزدحم بالنجوم لمجرة درب التبانة، قام باحثو هابل بالكشف ولأول مرة عن تجمعاتٍ لأقزامٍ بيضاء قديمة، وهي بقايا مشتعلةٌ لنجومٍ كانت نابضة ذات مرةٍ والتي قطنت المركز. وإن العثور على هذه الآثار القديمة أخيراً بإمكانه إيجاد أدلةٍ لكيفية تشكل مجرتنا قبل فترةٍ طويلةٍ من تشكل الأرض وشمسنا.

إن هذه الملاحظات هي أعمق دراسةٍ وأكثرها تفصيلاً لهيكل المدينة الأساسي للمجرة، وهو نتوؤها المركزي الواسع والذي يقع في وسط قرصٍ الشبيه بشكل فطيرة نجوم، حيث يقع نظامنا الشمسي. حيث تحوي الأقزام البيضاء على تاريخ حقبةٍ ماضيةٍ مثل أيّ بقايا أثريةٍ. فهي تحوي معلوماتٍ عن النجوم التي وُجدت قبل حوالي 12 مليار سنةً والتي استُهلكت لتشكل الأقزام البيضاء. وبينما تبرد هذه الجمرات الفانية لنجومٍ كانت نابضةً سابقاً، فإنها تعمل كقطعٍ زمنيةٍ عمرها مليارات الأعوام وتخبر الفلكيين عن السنين الرائدة لمجرة درب التبانة.

تدعم تحاليل بيانات هابل فكرة أن نتوء مجرة درب التبانة قد تشكل أولاً، وأن النجوم الموجودة فيه قد ولدت بسرعةٍ شديدةٍ، أيّ في أقل من بليوني عامٍ تقريباً. أما بقية قرص المجرة المترامي الأطراف للجيل الثاني والثالث من النجوم فقد نمت بشكلٍ أكثر بطئاً في الضواحي، مطوقةً الانتفاخ المركزي كبقعةٍ مكسيكيةٍ.
تشرح أناليزا كالاميدا من معهد علوم مناظير الفضاء في بالتيمور بولاية ماريلاند، والمؤلفة الرئيسية للمقالة العلمية قائلةً: “من المهم مراقبة نتوء مجرة درب التبانة لأنه الانتفاخ الوحيد الذي يمكن دراسته بالتفصيل.” وأضافت: “بإمكانك رؤية الانتفاخات في المجرات البعيدة، ولكنك لا تستطيع أن تحلل النجوم الباهتة جداً مثل الأقزام البيضاء. فانتفاخ مجرة درب التبانة يحتوي على ربع كتلة النجوم في المجرة. ولهذا فإن بإمكان تشخيص خصائص نجوم النتوء أن يزودنا بمعلوماتٍ هامةٍ لفهم تشكل مجرة درب التبانة برمتها، ولتلك المجرات الشبيهة والأكثر بعداً.”

كما عثر مسح هابل أيضاً على نجومٍ منخفضة الكتلة أكثر بقليل في النتوء، مقارنةً مع تلك التجمعات في قرص المجرة. وتقول كالاميدا: “تقترح هذه النتيجة أن بيئة النتوء قد تكون مختلفةُ عن بيئة القرص، مما أدى إلى ميكانيكيةً مختلفةً لتشكل النجوم.”

لقد كانت الملاحظات حساسةً جداً لدرجة أن الفلكيين استخدموا البيانات أيضاً لالتقاط التوهج الضعيف للأقزام البيضاء. واستند الفريق في تنائجه على تحليل ٧٠ من أكثر الأقزام البيضاء سخونةً والتي يمكن رصدها بمنظار هابل في منطقةٍ صغيرةٍ من النتوء وسط عشرات الآلاف من النجوم.




إن بقايا النجوم هذه صغيرةٌ وكثيفةٌ للغاية. فهي بحجم الأرض ولكنها أكثر كثافة منها بـ200,000 مرة. لدرجة أن ملعقة شايٍ من مواد القزم الأبيض ستزن حوالي 15 طناُ. وحجمها الضئيل يجعلها خافتةً جداً لدرجة أنها ستشكل تحدياً مثل البحث عن توهج مصباحٍ يدويٍ موضوعٍ على سطح القمر. ولقد قام الفلكيون باستخدام صور هابل الحادة لفصل نجوم النتوء عن النجوم التي لا تعد ولا تحصى في مقدمة قرص مجرتنا، وذلك عن طريق تتبع تحركاتها على مر الزمن. وقد قام الفريق بإنجاز هذه المهمة عبر تحليل صور هابل لنفس المجال لـ 240,000 نجمٍ، والتي تم تصوريها بفارق 10 سنين. حيث سمح المدى الزمني الطويل للفلكيين بأخذ قياساتٍ دقيقةٍ جدا لحركة النجوم والتقاط 70,000 نجمٍ في النتوء. فنجوم النتوء تتحرك بمعدلٍ مختلفٍ عن نجوم القرص، سامحةً للفلكيين بالتعرف عليها.

المنطقة التي تم مسحها هي جزء من “البحث عن الكواكب خارج المجموعة الشمسية والكاسفة لنافذة برج القوس”، والتي تقع على بعد 26,000 سنةٍ ضوئيةٍ. فالمناطق الخالية من الغبار على غير العادة في السماء تقدم حلاً فريداً للنظر إلى “قلب” النتوء. وقد سجلت هذه الملاحظات آلة تصوير هابل المتقدمة للمسح في عام 2004 و2011 إلى 2013.

ويقول كيلاش ساهو من معهد علوم مناظير الفضاء ورئيس الدراسة “لقد كنا قادرين على إجراء قياسٍ دقيقٍ لتحركات النجوم بمقارنة مواقع النجوم الآن وقبل 10 سنين.” وأضاف: “لقد سمحت لنا التحركات بمعرفة ما إذا كانت هذه نجوم القرص، أو نجوم النتوء أم نجوم الهالة.”

قام الفلكيون بتحديد الأقزام البيضاء عن طريق تحليل ألوان نجوم الانتفاخ ومقارنتها مع النماذج النظرية. فالأقزام البيضاء شديدة الحرارة تبدو أكثر زرقةً بالنسبة للنجوم التي تشبه الشمس. ومع تقدم الأقزام البيضاء في العمر، فإنها تصبح أبرد وأبهت، ويصبح من الصعب حتى على عين هابل الحادة اكتشافها.

يقول ساهو: “تمثل هذه الأقزام البيضاء السبعون قمة جبل الجليد.” وأضاف: “لقد قدّرنا أن العدد الإجمالي للأقزام البيضاء بحوالي 100,000 من منظر هابل الضئيل للنتوء. وستسمح لنا مناظير المستقبل مثل منظار جيمس ويب الفضائي التابع لناسا بإحصاء كل النجوم في النتوء تقريباً وصولاً إلى أبهتها، والتي لا تستطيع مناظيرنا الحالية ولا حتى هابل أن تراها.”

إن خطط الفريق التالية هي أن يقوموا بزيادة عيناتهم من الأقزام البيضاء عن طريق تحليل أجزاءً أخرى من مجال برنامج البحث عن الكواكب المذكور سابقاً. وينبغي في النهاية أن يؤدي هذا إلى تقديرٍ أكثر دقةٍ لعمر النتوء المجري. وقد يقومون أيضاً بتحديد عما إذا كانت عمليات تكوّن النجم في النتوء قبل مليارات السنين مختلفةً مما شُوهِد في القرص الأصغر سناً لمجرتنا.

وقد ظهرت نتائج الفريق في الإصدار الأول من سبتمبر عام 2015 من دورية الفيزياء الفلكية. وهناك مقالة مرافقة ظهرت في صحيفة الفيزياء الفلكية في عام 2014.

المصدر (phys)

الحفر الكوني (cosmic archaeological dig)
الأقزام البيضاء (white dwarfs)
أناليزا كالاميدا (Annalisa Calamida)
معهد علوم مناظير الفضاء (Space Telescope Science Institute (STScI))
كسوف نافذة برج القوس للبحث عن كواكب خارج المجموعة الشمسية (Sagittarius Window Eclipsing Extrasolar Planet Search (SWEEPS))
كيلاش ساهو (Kailash Sahu)
منظار جيمس ويب الفضائي (James Webb Space Telescope)

 

Article Tags

Comments are closed.