يوم في حياة القط أوسكار

ترجمة: أفنان نويد طيب.

يستيقظ القط أوسكار من غفوته فاتحاً عيناً واحدةً ليعاين مملكته. فيدقق النظر للجناحين الخاصين بوحدة الخرف المتقدم بدار رعاية المسنين من فوق المكتب القابع في منطقة التخطيط الخاصة بالطبيب. الهدوء سائدٌ في الجبهة الشرقية والغربية. فيهم بالنهوض ببطء ويمط بإسرافٍ جسده البالغ من العمر عامين، أولًا للخلف ومن ثم إلى الأمام. ثم يشرع بالجلوس ليبدأ بحساب خطوته التالية.

تقترب إحدى المقيمات من على مسافةٍ. إنها السيدة ب.، والتي تعيش في الطابق الثالث في وحدة الخرف المتقدم منذ 3 سنوات حتى الآن. لقد نسيت السيدة عائلتها منذ زمنٍ بعيدٍ، على الرغم من زياراتهم اليومية لها. وتشرع السيدة ب بواحدة من جولاتها العشوائية إلى اللامكان وهي شعثاء قليلاً بعد تناول وجبة الغداء، والتي ترتدي نصفها الآن فوق قميصها. تنزلق باتجاه أوسكار دافعةً مشايتها بينما تتمتم لنفسها، مهملة المحيط حولها بشكل تام. بقلقٍ، يحدق إليها القط أوسكار حذراً، وبينما تمشي بجانبه يبدأ بإصدار حفيفٍ ناعمٍ كصوت أفعى جرسيةٍ كتحذيرٍ يقول: “دعيني وشأني”. تمر بجانبه دون أن تراه وتستمر في مشيتها أسفل الممر. يشعر أوسكار بالراحة، فهذا ليس وقت السيدة ب، وهو لا يريد أن يفعل أيّ شيءٍ معها.

يقفز أوسكار من على المكتب، شاعراً بالراحة لكونه وحيداً مجدداً ومسيطراً على ساحته. ويستغرق بضع لحظاتٍ ليشرب من وعاء الماء خاصته ولينتزع لقمةً سريعةً. ولكونه راضياً يقوم بمط جسده مستمتعاً وينطلق في جولاته التالية. فيقرر أوسكار أن يتجه نحو الجناح الغربي أولاً، متجنبًا السيد س على طول الطريق المستلقي فوق أريكةٍ موجودةٍ في الردهة بشفاهٍ مزمومةٍ بشكلٍ خفيفٍ ويشخر بسلامٍ، والذي ربما يكون غير مدركٍ بسعادةٍ أين يعيش الآن. يواصل أوسكار مسيره أسفل الردهة حتى يصل لنهايتها للغرفة 310. الباب مغلق، لذا يمكث أوسكار جالساً منتظراً. فلديه عملٌ هامٌ هنا.

بعد خمس وعشرين دقيقةُ يُفتح الباب، وتخرج عبره مساعدة الممرضة حاملةً معها أغطيةً وملابس قذرةٍ من الكتان. ترحب به قائلةً: “مرحبًا أوسكار، هل أنت متجهٌ إلى الداخل؟” يسمح لها أوسكار بالمرور ومن ثم يشق طريقه إلى داخل الغرفة حيث يتواجد بها شخصان. السيدة ت التي تستلقي على سريرٍ في ركن الغرفة مواجهةً للحائط، نائمةً في وضعية الجنين. السيدة ت لديها جسدٌ نحيفٌ وهزيلٌ بسبب سرطان الثدي الذي نخر أعضاءها، كما أنها تعاني من صفارٍ معتدلٍ ولم تتحدث إلى أحدٍ منذ عدة أيام. تجلس بجانبها ابنتها التي تختلس النظر من روايتها وتحيي زائرهما بحرارةٍ: “مرحبًا أوسكار، كيف حالك اليوم؟”

يتجاهل أوسكار المرأة ويقفز إلى أعلى السرير، يعاين السيدة ت التي يبدو أنها في المرحلة الأخيرة من مرضها، كما أن تنفسها متقطعٌ. لكن الفحص الذي قام به أوسكار قُوطع إثر دخول الممرضة إلى الغرفة متجهة نحو الابنة سائلة إياها ما إذا كانت السيدة ت لا تشعر بالراحة وتحتاج مزيداُ من المورفين. تهز الابنة رأسها نافيةُ، ما يجعل الممرضة تهم بالانسحاب. يعود أوسكار لعمله، فيشم الهواء ثم يلقي نظرةً أخيرةً على السيدة ت، بعدها يقفز من على السرير ويغادر الغرفة مسرعًا. ليس اليوم.

يتجه أوسكار في طريقه عائداً إلى الردهة ليصل إلى الغرفة رقم 313. الباب مفتوح، فيتقدم أوسكار إلى الداخل. هناك، تجلس السيدة ك بسلامٍ على سريرها، تنفسها منتظمٌ ومستقرٌ ولكنه سطحي. وهي محاطةٌ بصور أحفادها وأخرى من يوم زفافها. وبالرغم من هذه التذكارات إلا أنها وحيدةٌ. يقفز أوسكار على سريرها ومرةً أخرى يتنشق الهواء. فيتوقف قليلًا لتقدير الوضع، وبعدها يستدير مرتين قبل أن يجلس إلى جانب السيدة ك.

تمر ساعةٌ كاملةٌ وأوسكار جالسٌ ينتظر. تدخل ممرضةٌ إلى الغرفة لتتفحص مريضتها. لكنها تتوقف عندما تلاحظ وجود أوسكار، فتعدو خارج الغرفة بقلقٍ إلى مكتبها. لتلتقط سجل السيدة ك من على رف السجلات الطبية وتبدأ بعمل مجموعةٍ من الاتصالات.

خلال نصف ساعة تبدأ العائلة بالوصول. تُحضَر الكراسي إلى الغرفة حيث يبدأ الأقارب بترتيل صلواتهم. ودُعي الكاهن لتقديم الطقوس الأخيرة. ومع ذلك، لم يتزحزح أوسكار من مكانه. بدلًا عن ذلك، أصدر هرهرة ومرغ نفسه بنعومةٍ في السيدة ك. سأل حفيدٌ صغيرٌ والدته: “ما الذي يفعله القط هنا؟” أجابت والدته وهي تحاول دفع دموعها إلى الخلف: “هو هنا ليساعد الجدة للذهاب إلى الجنة”. تمر ثلاثون دقيقة فتلفظ السيدة ك آخر أنفاسها على الأرض. في هذه الأثناء، ينهض أوسكار من مكانه وينظر حوله، ثم ينسحب من الغرفة بهدوءٍ لدرجةٍ أن العائلة الحزينة بالكاد لاحظت غيابه.

في طريق عودته إلى منطقة التخطيط، مر أوسكار بلافتةٍ منصوبةٍ على الحائط. نحت عليها تكريمٌ من وكالة الإيواء المحلية: “لأجل الرعاية الرحيمة التي يقدمها للمسنين، هذه اللافتة هي هديةٌ إلى القط أوسكار”. يأخذ أوسكار رشفةً سريعةً من الماء ثم يتجه عائداً إلى المكتب ليتسلقي ليحظى براحةٍ طويلةٍ. انتهى عمل اليوم، ولن يكون هناك المزيد من الموت في هذا اليوم، لن يكون في الغرفة 310 أو غيرها من الغرف. ففي النهاية، لا أحد يموت في الطابق الثالث إلا إن زاره أوسكار ومكث عنده لفترة.

ملاحظة: منذ أن تم تبني القط أوسكار من قبل الموظفين عندما كان هراً، كانت لأوسكار قدرةٌ خارقةٌ على التنبؤ بميعاد الوفاة الخاصة بالمقيمين. حتى الآن، شهد وفاة 25 من سكان الطابق الثالث بدار ستير لمركز الرعاية ومركز التأهيل في مدينة بروفيدينس بولاية رود آيلند. ويعتبر الأطباء والموظفين وجود القط وحده على جانب السرير مؤشراً مطلقاً تقريباً على حدوث موتٍ وشيكٍ، مما يساعد طاقم الموظفين على إعلام الأهالي. إضافةٌ لذلك، كان أوسكار رفيقاً لمن كان على وشك الموت وحيداً. ولأجل هذا العمل، يحظى أوسكار بتقديرٍ كبيرٍ من قبل الأطباء والموظفين بدار ستير إضافةً إلى أهالي المقيمين الذين يخدمهم.

……

تعليق الجهة المترجمة: لا يقصد بهذا المقال الترويج لظواهر خارقةٍ للطبيعة أو أيّ اعتقاداتٍ غير علميةٍ أخرى. بل التركيز على وجود الكثير من الحوادث الطبيعية التي قد تبدو لنا غير واقعيةٍ بالرغم من وجود تفسيرٍ علميٍ لها. مثل الحوادث التي كشفت فيها بعض الكلاب، الجرذان، والنحل حالاتٍ مصابةٍ بالسرطان ومرض الدرن، والتي تم تدريبها لاحقاً لاستخدامها طبياً وفي مجالاتٍ أوسع مثل كشف الألغام والمخدرات.

المصدر (NEJM)

Article Tags

Comments are closed.