العلماء يعالجون فقر الدم المنجلي باستخدام العلاج الوراثيّ

 

كتابة: ديفيد نيلد.
ترجمة: إسراء الحاجي.
مراجعة: عبد الحميد شكري.

أعلن العلماء أن تقنيةً جديدةً للعلاج الوراثيّ قد استُخدمت لعلاج مرض فقر الدم المنجلي بنجاحٍ لأولٍ مرةٍ. وفي حين أن هذه الدراسة لا تعدو عن كونها دراسةً لحالةٍ واحدةٍ شملت مراهقاً فرنسياً واحداً، إلا أن العلامات الأولى تبدو مشجّعةً، وربما تقود هذه التقنية أخيراً إلى علاجٍ فعالٍ لملايين الأشخاص المصابين بهذا المرض الموهن حول العالم.

يحدث مرض فقر الدم المنجليّ عندما يتغير شكل أحد البروتينات التي تُكوّن أحد أنواع الهيموجلوبين الذي نستخدمه لحمل الأوكسجين في أجسامنا قليلاً. ويُعد هذا التغيير البسيط كافياً لجعل كريات الدم الحمراء التي يشغلها هذا الهيموجلوبين تفقد المرونة، ويتغير شكلها إلى الشكل المقوّس “المنجليّ”، وهو الأمر الذي يُعرّضها لخطر تراكم كتل الخلايا التي تحاول بصعوبةٍ أن تنساب عبر الأوعية الدموية.

لكن الباحثين كانوا قادرين على إعادة المرونة لخلايا دم المريض باستخدام فيروسٍ لإدخال موروثات الشكل الصحيح من هذا البروتين في نخاع العظم لمراهقٍ فرنسيٍّ. ولقد توقف المريض عن أخذ الأدوية بعد 15 شهراً من العلاج، وبالرغم من أنه من المبكر جداً أن نقول أنه قد شُفي وظيفياً، لكن يمكن أن توصف هذه الحالة بأنها جيدةٌ جداً حتى الآن فيما يتعلق بهذا النوع من العلاج الرائد.

يقول أحد أفراد الفريق للبي بي سي وهو فيليب ليبولش من جامعة باريس في فرنسا: “حتى الآن، إن علامات المرض لا تظهر على المريض، وهو لا يعاني من أي ألمٍ، ولم يُقم في المستشفى للعلاج”. ويضيف: “لم يعد المريض محتاجاً لنقل الدم ونحن سعيدون جداً بذلك”. ويضيف ليبولش: “ولكننا بالطبع نحتاج إلى أن نُجري نفس العلاج على العديد من المرضى لنكون واثقين أنه قويٌ بما فيه الكفاية لنقترحه كعلاجٍ أساسيٍ”.

يسبب مرض فقر الدم المنجليّ حالةً تسمى “نقص التروية”، وهي انقطاع جريان الأوكسجين إلى أجزاء الجسم، مما يسبب الألم، تلف الأعضاء، وأخيراً الموت في بعض الحالات. وإن العلاج الوحيد طويل المدى الموجود هو زرع نخاع العظم، وهي عملية ٌصعبةٌ وعالية الخطوة ولا يكون كل شخصٍ لائقاً ومؤهلاً لتُجرى له.

لكن بسبب كون مرض فقر الدم المنجليّ يحدث بسبب طفرة ٍفي جزءٍ صغيرٍ فقط من الشفرة الوراثية للجسم التي تُنتج بروتين بيتا جلوبين غير طبيعيٍ المسمى بهيموجلوبين إس، يُعد هذا المرض مرشحاً أساسياً للعلاج الوراثي الذي قد يُصحح الطفرة.

بالرغم من أن المخاوف لا تزال قائمةً حول إمكانية اساءة استخدام تقنيات العلاج الوراثي الحديثة، يعرف العلماء الآن كيف يصححون طفراتٍ وراثيةٍ معينةٍ. حيث أزال العلماء في هذه الحالة الخلايا الجذعية من نخاع عظم جسم المراهق، وأضافوا فيروساً مصنوعاً بطريقةٍ خاصةٍ، ومصمماً لإعادة تشفير الخلايا لتنتج هيموجلوبيناً طبيعياً مرةً أخرى، ومن ثم نُقلت الخلايا مرةً أخرى إلى المريض. ويقول الأطباء أن نصف خلايا الدم الحمراء للمريض أصبحت الآن سليمةً ومنتظمةً، ولم يحتج المريض إلى أي نقل دمٍ منذ ثلاثةِ أشهرٍ بعد علاجه الأول.

لقد قطعنا شوطاً طويلاً، حيث تم تجريب هذا النوع من العلاج لأولٍ مرةٍ على الفئران في عام ٢٠٠١مـ، لكن لا يزال لدينا طريقٌ طويلٌ قبل أن يكون بإمكاننا أن نقول أن لدينا علاجاً فعالاً وطويل المدى لمرض فقر الدم المنجليّ.

يجري حالياً اختبار عددٍ من تقنياتِ العلاجِ الوراثي الأخرى، ولكن ليس كل هذه التقنيات واعدةٌ مثل هذه التقنية، إلا أن العلماء مستمرون في تعديل نهجهم لإيجاد علاجٍ يمكن أن يعمل لغالبية المرضى وميسور التكلفة في نفس الوقت.

يقول ديبوراه غيل من مجموعة أبحاث المورّثات الطبية في جامعة أكسفورد للبي بي سي، والذي لم يكن مشتركاً في هذه الدراسة: “عملتُ في مجال العلاج الوراثيّ لمدةٍ طويلةٍ ونحن نخطو خطواتٍ صغيرةٍ، ونعلم أن لدينا أعواماً أكثر من العمل”. ويضيف: “لكن لدينا هنا شخصاً تلقى علاجاً وراثياً وشُفي شفاءً سريرياً تماماً، وهذه خطوةٌ عظيمةٌ إلى الإمام”. ولقد نُشر البحث في دورية نيو إنقلاند للطب.

المصدر: (Science Alert)

مرض فقر الدم المنجليّ (sickle cell anemia)
ديفيد نيلد(David Nield)
فيليب ليبولش (Philippe Leboulch)
جامعة باريس في فرنسا (University of Paris in France)
نقص التروية (ischemia)
بيتا جلوبين (beta-globin protein)
هيموجلوبين إس (haemoglobin S)
ديبوراه غيل (Deborah Gill)
مجموعة بحوث الجينات الطبية في جامعة أكسفورد (the gene medicine research group at the university of oxford)
دورية نيوانقلاند الطبية ( the New England Journal of Medicine)

Comments are closed.