أهم الإنجازات العلمية لعام 2017م

كتابة: عبد الحميد شكري.

لا يخفى على أحدٍ أن عام 2017مـ كان مليئاً بالإنجازات والاكتشافات العلمية البارزة، بدءاً بالبحوث على مستوى الخلية والذرة وانتهاءً باكتشافاتٍ كونيةٍ طورت من فهم البشرية لنفسها وللكون من حولها في نفس الوقت، ولا ننكر أن حصر قائمةٍ بأهم عشر إنجازاتٍ كان أمراً صعباً نظراً لعدد الإنجازات الكبير والأهمية العظيمة للعديد منها، إلا أن وجدنا أن الأخبار العلمية التالية هي الأهم بناءً على عاملين أساسيين وهم: مقدار التقدم الذي يمثله الخبر في مجاله ومدى تأثير الخبر على حياة الفرد العادي اليومية. وبدون أي تأخير إضافيٍ، يسعدنا أن نقدم لكم قائمتنا بأهم أخبار العلوم لسنة 2017مـ:

1- اندماج نجمين نيوترونين:
في شهر أغسطس (آب) من عام 2017م وبعد مئات الساعات من الرصد والمراقبة، شهد الفيزيائيون والفلكيون حدثاً فلكياً مذهلاً لم يروه من قبل قط وهو اصطدام نجمين نيوترونين ببعضهما البعض واندماجهما معاً في نجمٍ واحدٍ، ليطلقا موجاتٍ ثقاليةٍ وأشعةٍ ضوئيةٍ فيما يُعرف بحدث “المستعر الأضخم” (كيلونوفا)، والذي تعادل قوته ألف ضعفٍ قوة المستعر العادي. وبين عشية وضحاها، أسقط هذا الاكتشاف بعض النظريات ورفع أخرى، كما كانت له آثاره على معرفة أصول العناصر الثقيلة من الجدول الذري في الكون، الطاقة المظلمة الغامضة التي تشكل حوالي 70% من الكون، ومصدر ومضاتٍ رائعةٍ تُعرف باسم انفجارات أشعة جاما القصيرة.

2- مرحلةٌ جديدةٌ لتقنية كريسبر للتعديل الوراثي:
منذ ظهورها في عام 2012مـ، حملت تقنية كريسبر آمالاً كبيرة وفتحت آفاقاً واسعةً لإمكانيات التعديل الوراثي، فلأول مرةٍ منذ استخدامها تمكن العلماء من تعديل جنينٍ بشريٍ حيٍ في خطوةٍ ستغير نوعنا البشري حرفياً، حيث استخدم مركز بحوث بكين للبروتيوم كريسبر-كاس 9 لتعديل الطفرات المسببة لأمراض الدم الوراثية في بعض الأجنة البشرية القابلة للحياة، وتوالت لاحقاً المجموعات الأخرى لتنشر تقارير منفصلةٍ عن استخدام كريسبر-كاس 9 لتعديل أجنةٍ بشريةٍ قابلةٍ للحياة لعلاج أمراضٍ أخرى كذلك، وفي معهد فرانسيس كريك بلندن قامت إحدى المجموعات بقطع الحمض النووي لصنع طفراتٍ متعمدةٍ في الأجنة البشرية لأول مرة. وما زالت هذه التقنية تثير الكثير من الأسئلة الصعبة والجدل الأخلاقي، ما دفع العلماء لعدم ترك أي جنينٍ من الأجنة المعدلة وراثياً لتولد، سواءً من تلك التي أجرتها كريسبر أو أي تقنية تعديلٍ أخرى، ومن المثير للاهتمام أن السياسة البحثية للحكومة الصينية أبدت تسامحاً أكبر مقارنةً بنظرائها الأمريكيين والبريطانيين، ما أعطى الباحثين الصينيين الأفضلية والأسبقية في المجال.

3- تطوير تقنيات الأقمار الصناعية للاتصالات الكمومية:
بعد أكثر من 140 عاماً على ظهور أول هاتفٍ للاتصال في العالم، توصل العلماء في عام 2017مـ لنقلةٍ نوعيةٍ لنوعٍ جديدٍ من الاتصالات وهو الاتصال الكمومي الذي يخضع لقوانين فيزياء الكم ويُستخدم الكيوبت بدلاً من البت، ولقد أطلقت الصين قمرها الاصطناعي ميشيوس في عام 2016م، والذي أتاح للعلماء تحقيق أحلامهم في مستقبلٍ آمنٍ من اختراقات السيبرانية باستخدام التشفير الكميّ. ولكن حتى هذا العام، كانت هناك نقطةٌ شائكةٌ في تطوير هذه التقنية: وهي أن الاتصالات لمسافاتٍ طويلةٍ تًعد صعبةً للغاية، إلا أن العلماء استطاعوا تحطيم حاجز المسافة ليصبح الاتصال الكمومي للمسافات الطويلة ممكناً، حيث اتصل رئيس الأكاديمية الصينية للعلوم برئيس الأكاديمية النمساوية للعلوم عبر مكالمة فيديو مشفرةٍ باستخدام قمر ميزو الاصطناعي للاتصال الكمومي، وتعمل هذه التقنية باستخدام خاصية التشابك الكمومي للفوتونات، والتي تربط الحالة الكمومية بين فوتونين وترسلهما لجهتين مختلفتين، ليقارنونها ببعضهما ويصنعون اتصالاً آمناً تماماً.

4- اكتشاف سبع كواكب قريبةٍ من حجم الأرض:
يعد اكتشاف الكواكب الخارجية التي تدور حول نجوم أمراً روتينياً، إلا أن اكتشاف سبع كواكب في مدارٍ حول نجمٍ واحدٍ ودفعةً واحدةً أمرٌ فريدٌ من نوعه، ففي شهر فبراير (شباط) أعلن فريقٌ من باحثي الكواكب عن اكتشاف نجمٍ باردٍ وقزمٍ يبعد عنا حوالي 39 سنة ضوئية ويدعى بـ “ترابيست-1″، ووجدوا أن يحوي سبع كواكب تعد الأقرب لحجم الأرض من أي كواكب أخرى اُكتشفت من قبل، وربما تحوي ثلاثةٌ منها على الأقل على ماء سائلٍ، وهي خطوةٌ مثيرةٌ في سبيل البحث عن الحياة خارج الأرض، ولكن الكواكب ونجمها الخافت أثارت أيضاً نقاشاً مستعراً عما يجعل هذه الكوكب قابلة للسكن أصلاً.

5- الموافقة على استخدام التعديل الوراثي لعلاج السرطان:
سمحت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية في شهر أغسطس (آب) باستخدام نوعٍ جديدٍ من علاج السرطان المدعو بـ “علاج الخلايا التائية للمستقبل الخميري المستضاد”، والذي يستغل الجهاز المناعي لاستهداف الخلايا السرطانية في مرض اللوكيميا اللمفاوية الحادة. إلا أن العلاج ليس برخيصٍ على الاطلاق، فتكلفته تبلغ 475,000 دولار وما زال بحاجةٍ للمزيد من الدراسات، ويقدم هذا العلاج للمرضى عبر ست خطواتٍ: في البداية يزيل الأطباء خلايا الدم البيضاء من مريض السرطان، ومن ثم تُؤخذ الخلايا إلى منشأةٍ للتصنيع، ويتم هناك إعادة هندستها حتى تتعرف على الخلايا السرطانية كعدوةٍ وتزيلها، وبعد ذلك تُنقل الخلايا المعاد برمجتها إلى المشفى، وتُحقن أخيراً في المريض.

6- وداعاً كاسيني:
ما فتئت مركبة الفضاء كاسيني ترسل صوراً مذهلة لزحل، حلقاته، وأقماره منذ وصولها للعملاق الغازي، وخاصة قمري تايتن وإنكلاديوس اللذين يشكلان بيئةً مثاليةً لاستضافة الحياة، إلا أن المهمة لفظت أنفاسها الأخيرة في شهر سبتمبر (أيلول) بعد 13 عاماً من الدوران حول الكوكب، وذلك بارتطامٍ ناري بالغلاف الجوي لزحل مُعدٍ مسبقاً. حيث دخلت المركبة منطقةً مفتوحةً بين الكوكب وحلقاته بارتفاع 1900 كم عن السطح لتدرس سطح الكوكب، أعاصيره، وحقله المغناطيسي، ومن ثم قام العلماء بالإجهاز عليها بإحراقها لتجنب احتمالية تحطم المركبة بعد نفاذ الوقود وتلويثها لأحد أقمار زحل الصالحة للسكن. ولقد زودتنا مهمة كاسيني بمعلوماتٍ كثيرةٍ عن نظامنا الشمسي، وسيدرس العلماء كنوز البيانات التي جمعتها المركبة للسنوات القادمة.

7- إطلاق صاروخٍ مُعاد الاستخدام كلياً:
لأول مرةٍ على الإطلاق، قامت شركة سبيس إكس بإطلاق صاروخٍ يستخدم تقنيةً متجددةً بالكامل تقريباً لإمداد محطة الفضاء الدولية بالمؤن، ما يعني أن ناسا أعطت ثقةً كبيرةً لتقنية سبيس إكس القابلة لإعادة الاستخدام، وسيسهل هذا من تخفيض تكلفة إطلاق الصواريخ بمقدار 18 مليون دولارٍ للرحلة، إذ انطلق صاروخ فالكون 9 مع كبسولة دراقون مستخدمةٍ مُسبقاً كذلك. والمثير أيضاّ هو موقع الإطلاق، فلقد انُطلق الصاروخ من قاعدة كيب كارنفال بمحطة القوة الجوية، وهو نفس الموقع الذي انفجر فيه صاروخ فالكون 9 في عام 2016مـ.

8- صنع أنواعٍ جديدةٍ من الأحماض الأمينية:
من المعروف أن الحمض النووي الرايبوزي منقوص الأكسجين لجميع الكائنات الحية يتكون من قواعد نيتروجينيةٍ تُسمى بـ إيه، تي، سي وجي، والتي تنسخها الآليات الخلوية إلى الحمض النووي الرايبوزي ومن ثم تترجمه إلى الأحماض الأمينية التي تكوّن البروتينات. ولكن علماء معهد اسكريبس للأبحاث بكاليفورنيا صنعوا بكتيريا تحتوي قاعدتين نيتروجينيتين اصطناعيتين تماماً في سنة 2014مـ وسموها بـ إكس وواي، وتمكنوا في هذا العام من دمجها ببقية الآليات الخلوية، فتمكنت الميكروبات من قراءة الحمض النووي منقوص الأكسجين الجديد الذي يحوي هذه القواعد الإضافية ونسخها إلى أحماض أمينية، ما رفع عدد الأحماض الأمينية التي تستطيع الخلية صنعها من 20 فقط إلى 152! بمعنى آخر، لقد وسع العلماء “الأبجديةً” الوراثيةً من أربعة حروفٍ فقط إلى ستة، وستمكننا الحروف الجديدة من نطق أصواتٍ وكلماتٍ جديدةٍ كلياً لم نكن نعرفها أبداً في عالمنا الطبيعي، والتي يمكن أن نستخدمها في صنع أدويةٍ وموادٍ لم ندرك وجدوها سابقاً.

9- تطور تقنيات زراعة أعضاء الخنزير في البشر:
تعمل عدة فرقُ بحثيةٌ والشركات الطبية منذ سنتين على إحياء الجهود الرامية لاستخدام أعضاء الخنازير في المستشفيات البشرية، ومنها شركة إيجينيسيس الناشئة التي استخدمت تقنية كريسبر لجعل أعضاء الخنزير صالحةً للزراعة في الإنسان، حيث تسعى الشركة إلى التخلص من بعض الموروثات في الخنازير التي يمكن أن تسبب الأمراض أو رفض جهاز المناعة البشري للأعضاء، ولقد أعلنت الشركة في هذا العام أنها أنتجت 37 خنزيراً عطلوا فيروس بيرف فيها؛ وهو فيروسٌ مثيرٌ للمشاكل عند زرع أعضاء الخنزير للبشر بسبب المخاوف من إمكانية إصابة البشر بها. ويعد تقنية الحصول على الأعضاء من الخنازير حلاً مثالياً لنقص كمية الأعضاء المتاحة للزراعة، خاصةً وأن أعضاء الخنازير تميل لأن تكون قريبة من حجم الأعضاء البشرية وتعمل بشكلٍ مماثلٍ لها.

10- ذكاءٌ اصطناعيٌّ يصنع ذكاءً اصطناعياً خاصاً به:
في شهر ماي (أيار)، أعلن باحثو برنامج دماغ جوجل البحثي أنهم صنعوا نظام ذكاءٍ اصطناعيٍ قادراً على صنع نظام ذكاءٍ اصطناعيٍ خاص به، وأطلقوا عليه اسم أوتو إم إل (والذي يعني نظام تعلم الآلة التلقائي بالإنجليزية)، ويعمل هذا النظام باستخدام طريقةٍ تُسمى بالتعلّم التعزيزي للتحكم في الشبكات العصبية للنظام الجديد. ولقد برمجوه في الشهور الأخيرة ليصنع نظاماً للتعرف على الأشياء في الصور والمقاطع المرئية، فكانت النتيجة المدهشة أن النظام الجديد تفوق على جميع أنظمة الذكاء الاصطناعي الأخرى عندما أخضعه الباحثون للاختبار، إذ بلغت دقته 82.7% ما يعني أنه أدق بـ 1.2% من أي نتيجةٍ سابقةٍ بالإضافة وفعالٌ أكثر بنسبة 4%.

  • المراجع:

New york Times
INSH
Futurism
Sciencealert
Science News

شاركنا تعليقك ..