المملكة العربية السعودية تعتمد على احتياطياتٍ جديدةٍ – الجزء الثاني

كتابة: سدير الشوك.
ترجمة: أسامة أحمد خوجلي.
مراجعة: عبد الحميد شكري.

هذا المقال تكملةٌ لجزءٍ سابقٍ نُشر بالأمس، وبالإمكان الاطلاع عليه هنا.

رعاية المواهب المحلية
لا ينافس المخرجات البحثية لجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية في المملكة إلا جامعة الملك عبد العزيز فقط، لكنهم يظهران أنماطاً مختلفةً جداً من التعاون. فمنذ عام 2013مـ، أنتج المؤلفون المرتبطون بجامعة الملك عبد العزيز مقالاتٍ أكثر من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، ولكن مساهمتها في هذه الأوراق ظلت منخفضةً نسبياً بالمقارنة، وربما يشير ذلك إلى أن العديد من منشوراتها نتجت عن تعاونٍ لعبت فيه جزءاً صغيراً فقط. وربما تكون جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية قد ساهمت في عددٍ أقل من المقالات، ولكن مجموعها الكليّ للعدد الكسري الموزون البالغ 72 في عام 2015مـ يتفوق على عدد جامعة الملك عبد العزيز البالغ 14، وهو ما يمثل 73% من العدد الكسري الموزون للمؤسسات في المملكة العربية السعودية. فمن خلال استغلال ثقلها في التعاون، فإن المؤسسات مثل جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية ومستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث لا تعزز سمعة المملكة العربية السعودية فحسب، بل تساعد أيضاً في بناء المواهب والقدرات المحلية التي تعتبر ضروريةً لهدف المملكة المتمثل في اقتصادٍ قائمٍ على المعرفة.

يقول الداوودي: “لقد كان الأمر مجرد مسألة وقتٍ قبل أن نرى الطلاب المحليين مؤلفين رئيسيين في المجلات العليا، حيث كانت طالبةٌ سعوديةٌ هي المؤلف الرئيسيّ لورقةٍ رفيعة المستوى نشرتها مجموعتي مؤخراً، حيث أُنجز 95% من العمل في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، وكان النشاط الخارجي الوحيد هو استخدام منشأة المسرع الدوراني التزامني (السينكروترون) في أوروبا”. ولقد نُشرت الورقة البحثية في دورية الجمعية الكيميائية الأمريكية في عام 2015مـ، وكانت تصف إطاراً معدنياً-عضوياً يمكن استخدامه لتخزين الميثان في درجة حرارة الغرفة والضغوط المنخفضة، وهي خطوةٌ هامةٌ نحو الاستخدام الفعال للغاز كوقودٍ بديلٍ ونظيفٍ.

ربما تكون المعرفة والمهارات التي تأتي من التدريب العلمي مفيدةً بشكلٍ خاصٍ للمرأة السعودية، والتي تخضع لقيودٍ ثقافيةٍ كبيرةٍ في المملكة. حيث يقول ماجستري: “أكثر من 60% من طلاب علم الأحياء في جامعة الملك عبد الله هم من الإناث وكثيرٌ منهم سعوديات”. وأضاف: “أعتقد أن هذا شيءٌ إيجابيٌّ جداً”.

يقول مدير الوعي العلمي والنشر في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية منصور الغامدي أن إجمالي عدد الطلاب السعوديين الذين يدرسون في الخارج ارتفع إلى 200 ألف طالبٍ في عام 2013مـ، حيث تستفيد المملكة أيضاً من نقل الطلاب العائدين إلى ديارهم المعرفة الهامة، ويوضح الغامدي أن العديد من العائدين إلى المملكة العربية السعودية هم باحثون يواصلون النشر مع مشرفيهم السابقين، بينما يحسنون مستويات الخبرة محلياً.

المرحلة الانتقالية الصعبة
على الرغم من هذه الإنجازات، لا يزال طريق الانتقال إلى اقتصادٍ قائمٍ على المعرفة طويلاً، حيث تواصل الصناعات النفطية والمرتبطة بالبترول القيام بدورٍ مركزيٍ في المملكة العربية السعودية، ولم ينعكس بعد وضع البحث العلميّ كأولويةٍ على ميزانية البحث والتطوير في البلاد، حيث كانت تعادل 0,3 % فقط من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2015مـ وفقا لتقريرٍ من منظمة باتيل، وذلك على الرغم من أن السياسة الوطنية للعلوم، التقنية، والابتكار تدعو لزيادةٍ إلى 1,6 % من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2020مـ.

بالإضافة إلى ذلك، يُقدر أن الإنفاق على البحث والتطوير من الشركات الخاصة منخفضٌ جداً وفقاً للمعايير الدولية، وإن كان غير مراقبٍ، وذلك وفقاً لما ذكره الأمين العام للجنة التوجيهية للنظام البيئيّ للابتكار السعودي محمد خورشيد، ويُبرز خورشيد أيضاً الموارد الاجتماعية باعتبارها تحدياً يواجه المملكة، حيث يزدهر الاقتصاد القائم على المعرفة في مجتمعٍ قائمٍ على المعرفة، إلا أن خورشيد يشير إلى اللامبالاة العامة بشأن العلم وعدم الاهتمام بالتعليم. فهناك 23 شخصاً فقط من أصل 100 ألف يعملون في مجال البحث والتطوير، وواحدٌ فقط من بين 1000 شخصٍ تتراوح أعمارهم بين 20 و34 عاماً خريجٌ في العلوم والهندسة، أي أقل من عُشر نسبة هؤلاء الخريجين في معدل ​​عدد السكان في دول الاتحاد الأوروبي. إن هجرة الأدمغة تُشكل مشكلةً أيضاً، حيث تشهد مغادرة ألمع الناس من السكان بهجرة 25% من الخريجين سنوياً في مجالات العلوم، التقنية، الهندسة، والرياضيات.

لكن المسؤولين ما زالوا متفائلين، فلا يعتقد الغامدي أن نقص الموارد البشرية سيكون قضيةً هامةً بسبب التوسع غير المسبوق في التعليم العالي في السنوات القليلة الماضية، مشيراً إلى تنبؤات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأن المملكة ستشهد زيادةً قدرها ستة أضعافٍ في درجات التعليم العالي بحلول عام2030مـ.

يحدد برنامج الطلاب الموهوبين في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية الطلاب الواعدين في السنة قبل الأخيرة من المدرسة الثانوية، ليقضوا الصيف في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية ومن ثم ليسافروا إلى الولايات المتحدة على زمالة جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية بعد تخرجهم، حيث يقضي الطلاب سنة التأسيس في تعلم النظام الأمريكيّ قبل أن يتقدموا للجامعات الراقية، وبعد الانتهاء من دراستهم الجامعية يعودون إلى جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية من أجل الدراسات العليا، ويقول ماجيستري: “إنه برنامجٌ قيمٌ ويمكن أن ينتج طلاباً مؤهلين بشكلٍ ملحوظٍ”.

نحو اقتصادٍ قائمٍ على المعرفة
مع الدعم المالي القوي والعلماء الشباب من أمثال الكريع العائدين من الخارج، ليس هناك شكٌ بأن الجامعات السعودية ستستمر في تحسين مخرجاتها البحثية مع تحسن المختبرات، حيث شهدت المرحلة الأولى من السياسة الوطنية للعلوم، التقنية، والابتكار قيام الباحثين السعوديين بإنشاء بنيةٍ تحتيةٍ محليةٍ أثناء المشاركة في التعاون في جميع أنحاء العالم. ويقول خورشيد: “لم تكن بعض اتفاقيات التعاون ناجحةً جداً، ولكن هناك دروسٌ يجب تعلمها منها. فإلى جانب نقل التقنية إلى المملكة، هناك أيضاً جهودٌ جادةٌ لنقل التقنيات من الأوساط الأكاديمية إلى القطاع الصناعيّ، على الرغم من أن ذلك يُشكل تحدياً كبيراً”.

يساعد خورشيد في مواجهة هذا التحدي من خلال بناء إطارٍ لدعم الابتكار في المملكة العربية السعودية، ويلاحظ أن المستثمرين السعوديين يميلون إلى تفادي المخاطرة ويترددون في تقديم الأموال إلى شركاتٍ صغيرةٍ تعتمد على التقنية.

في محاولةٍ للتغلب على ذلك، أنشأت مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية برنامج بادر لحاضنات التقنية، والذي يهدف إلى تشجيع الشركات الناشئة المبتكرة. حيث تخرج العديد من الشركات بالفعل من البرنامج الحاضن، بما في ذلك شركةٌ طورت ضماداتٍ جراحيةٍ لقرحة القدم السكري مستخرجةً من فضلاتٍ صناعيةٍ من قشور الجمبري (الروبيان).

تدعو المرحلة الثانية من السياسة الوطنية التي بدأت في عام 2015مـ وتستمر حتى عام 2019مـ إلى البناء على التطورات في بنيتها التحتية الوطنية وقدراتها، سعياً لجعل البلاد رائدةً إقليمياً في مجالات العلوم والتقنية والابتكار، وسيتطلب ذلك تركيزاً مستمراً على البحوث وإنتاج براءات الاختراع، وذلك بجانب برنامجٍ قويٍّ لنقل التقنية إلى القطاع الخاص وبذل جهودٍ مكثفةٍ لتطوير الموارد البشرية في المملكة.

يقول الغامدي: “إن ما أنجزته المملكة العربية السعودية في السنوات القليلة الماضية تجاوز توقعاتنا”. وأضاف: “إن التحدي الآن هو تحقيق الأهداف الجديدة للمراحل المقبلة”.

المصدر: (natureindex)

 السياسة الوطنية للعلوم، التقنية، والابتكار ( NSTIP )
مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم و والتقنية ( KACST )
جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية  ( KAUST )
العدد الكسري الموزون  ( WFC )
مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث  KFSH&RC))
عالم الوراثة فوزان الكريع (Geneticist Fowzan Alkuraya)
بيير ماجيستري (Pierre Magisterry)

Comments are closed.