عندما تحمي الطفيليات عائلها

كتابة: بن آشبي.
ترجمة: مروة القاضي.
مراجعة: سحاب الذايدي.

تُعدّ الطفيليات سيئةً بالنسبة لعائِلها بشكلٍ عام، حيثُ تُسبب العديدُ منها الأمراض والوفاة أيضاً، ولهذا نحاول نحن كبشرٍ مثل معظم الأجناس تجنب العدوى بأي ثمن. إلا أنه اتضح مؤخراً أن بعض الطفيليات يُمكن أن تساعد عائلها في التعامل مع العدوى الأكثر فتكاً، على الرغم من أنها قد تكون ضارةً عند عزلها. وإن معرفة الوقت الذي يكون فيه الطفيلي مفيداً يمتلك أثاراً هامةً في علاج الأمراض المعدية، ولكن ما نعرفه حالياً عن هذه الظاهرة قليلٌ جداً.

نُشرت دراسةٌ جديدةٌ في دورية رسائل التطور عن إمكانية تطوير الطفيليات لآلياتٍ مختلفةٍ للدفاع عن عائلها ضد العدوات الأخرى، ما يوحي بأنه من الواجب أن يكون حماية العائل أمراً شائعاً في الطبيعة. فالفكرةُ القائلةُ بأنّ “عدوّ عدوّي هو صديقي” موجودةً في المجتمع البشري منذ فترةٍ طويلةٍ، ولكنها أبعد من أن تكون فريدةً بالصراع الإنساني، فالعالم الطبيعي مليءٌ بالأمثلةِ التي تكونُ فيها الطفيليات ضارةً في ظلّ بعض الظروف، ومفيدةً تحت ظروفٍ أخرى.

تُسبب البكتيريا التي تعيشُ في أمعاءنا مشاكلاً في بعض الأحيان، ولكنها تمنع استعمار الميكروبات الأكثر ضرراً مثل السالمونيلا المعوية التي تسبب التسمم الغذائي، وتكون البكتيريا التي تصيب الحشرات عادةً مكلفةً كذلك على المستوى الصحي، ولكن بإمكانها توفير الحماية ضد العدوى الفتّاكة أكثر. فيَرقات فراشة الملكة مثلاً تكون أوفر حظاً للبقاء على قيد الحياة عند الإصابة بعدوى الذبابة الطفيلية بعد إصابتها بالكائنات الأولية (كائنات وحيدة الخلية).

كما يمكن أن تساعد الطفيليات عائلها بطرقٍ أخرى أيضاً، كأن تتسبب بمرضٍ أكثر خطورةً للأنواع الأخرى على سبيل المثال، وهذا أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت السناجب الرمادية تَحل مَحل السناجب الحمراء في معظم أرجاء المملكة المتحدة. حيث تحمل السناجب الرمادية فيروس جدري السنجاب، والذي عادةً ما يكون قاتلاً للسناجب الحمراء، بينما لا تضرّ السناجب الرمادية غالباً. وكذلك تشارك بعض أنواع البكتيريا في شكلٍ من أشكال الحرب البيولوجية البدائية، وذلك من خلال حملها للفيروسات التي لا تمتلك البكتيريا المنافسة حصانةً ضدها.

تبين هذه الأمثلة أن الإصابة بالعدوى ليست بالضرورة أمراً سيئاً، بل يمكن أن يكون مفيداً في بعض الأحيان، ولكن ما لا تخبرنا به هو الكيفية والزمن اللذان تتطور الطفيليات عندهما لتكون مفيدةً لعائلها. ولقد أظهرت التجارب المخبرية الأخيرة أنّ البكتيريا الطفيفة الضرر التي تعيش داخل الديدان المجهرية يمكن أن تتطور في غضون أيامٍ قليلةٍ لتحمي عائلها من عدوى قاتلةً، وتُشير هذه النتيجة المذهلة إلى أنه يمكن للبكتيريا أن تُطوّر مناعة العائل ضد الأمراض المعدية الأخرى بسرعة. ومع ذلك، لا يُعرَف سوى القليل جداً عن كيفية وزمن حدوث هذا التطور في الطبيعة، وعما إذا كان تطور الطفيلي لحماية عائلهِ من العدوى الأكثر فتكاً يعني أن العدو أصبح صديقاً الآن؟

من عدوٍ إلى صديقٍ
استكشفنا مؤخراً تطوّر شكلين من أشكال حماية العائل باستخدام النمذجة الرياضية، وهما: المقاومة والتحمل. إذ تقوم الطفيليات التي تحمي عائلها من خلال منحه المقاومة بتقليل احتمالية قدرة نوعٍ ثانيٍ على إصابته، حيث تمنع بكتيريا الأمعاء استعمار الميكروبات الأخرى على سبيل المثال. وعلى النقيض من ذلك، تقوم الطفيليات التي تمنح التحمل لعائلها بتقليل الضرر الذي يسببه نوعٌ آخر بعد إصابة العائل بالعدوى، كما هو الحال مع الكائنات الأولية التي يحمي يرقات فراشة الملكة من الذباب الطفيلي.

اكتشفنا أنّ كل شكلٍ من أشكال حماية العائل تتطور في ظل مجموعةٍ واسعةٍ من الظروف، مع أن طفيليات الحماية تضطر إلى تحويل موارد نموها أو تكاثرها للدفاع عن العائل. إلا أن الحماية لازالت تتطور، إذ أن هذه التكلفة يعوضها بقاء العائل حيّاً، وبالتالي بقاء الطفيلي نفسه.

هناك بعض الاختلافات الملحوظة بين شكلي الحماية، حيثُ تزيد المقاومة عادةً من حجم الكتلة السكانية للعائل على سبيل المثال، بينما التحمل قد يكون له تأثيرٌ سلبي لأنه يزيد من الانتشار الكلي للمرض، وتشير هذه الاختلافات إلى أن آلية الحماية ضروريةً لتحديد ما إذا كان طفيلي الحماية مفيداً حقاً.

يمكننا عبر الجمع بين النمذجة الرياضية والتجارب المخبرية للميكروبات التي تتطور للإجابة على أسئلةٍ مثيرةٍ للاهتمام عن كيفية تطور الأنواع الأخرى كردة فعلٍ لحماية العائل، فهل يتطور العائل ليستضيف طفيليات الحماية؟ وهل هذه هي الطريقة التي طورنا بها علاقةً تكافليةً مع بعض بكتيريا الأمعاء؟ وهل يمكن أن تتطور الطفيليات الأكثر ضرراً للتغلب على مناعة العائل؟ إن الإجابة على أسئلةٍ كهذه يمكن أن يساعدنا في إيجاد طرقٍ جديدةٍ لعلاج الأمراض المعدية.

تُسلط نتائج أبحاثنا الضوء على ظاهرةٍ أحيائيةٍ رائعة، مازلنا نعرف عنها القليل جداً. ومع تزايد أعداد الأمثلة على حماية العائل حتى الآن، من الواضح أن عدوّ عدوّك يمكن أن يكون حقاً صديقك، على الأقل إذا كنت تستضيف طفيلياً.

المصدر (sciencealert)

المصطلحات
إيفوليشن ليترزEvolution Letters
السالمونيلا المعوية  Salmonella enterica
يرقات فراشة الملكة larvae of monarch butterflies
الذبابة الطفيلية parasitic fly
الكائنات الأولية  Protozoan
فيروس جدري السنجاب squirrel pox virus
التحمل Tolerance
طفيليات الحماية  protective parasite

السعودي العلمي

Comments are closed.