هل يبدأ مرض الباركنسون في الأمعاء قبل الدماغ؟

كتابة: أماندا أونيون.
ترجمة: مروة القاضي.
مراجعة: ريم عبد الله.

تُشير دراسةٌ جديدةٌ إلى أن مرض الباركنسون الذي يتمثل باختلال وموت الخلايا العصبية في الدماغ ربما ينشأ في الأمعاء، مضيفةً إلى مجموعةٍ متزايدةٍ من الأدلة الداعمة للفكرة. حيث تبيّن الدراسة الجديدة أن البروتين الذي يتلف ويتكتل في الخلايا العصبية في أدمغة الناس المصابين بمرض الباركنسون يمكن أن يتواجد أيضاً في الخلايا التي تُبطِن الأمعاء الدقيقة، ولقد أُجريَ البحث على كُّلٍ من خلايا الفئران والبشر.

تدعم النتيجة الفكرة القائلة بأن هذا البروتين يتغير أولاً في الأمعاء ومن ثم ينتقل إلى الدماغ، حيث يتسبب في أعراض مرض الباركنسون، وهو اضطرابٌ متصاعدٌ في الحركة، يصيب ما يصلُ إلى مليون شخصٍ في الولايات المتحدة و7 إلى 10 ملايين شخصٍ في جميع أنحاء العالم وفقاً لمؤسسة مرض الباركنسون.

يُدعى ذلك البروتين بـ ألفا-سينوكلين ويتواجد بوفرةٍ في الدماغ، ويذوب في السائل الخلويّ في الخلايا العصبية السليمة، ولكن بروتين ألفا سينوكلين يُطوى بشكلٍ غير طبيعيّ في مرضى الباركنسون. ومن الممكن أن ينتشر البروتين المطويّ بشكلٍ غير صحيحٍ بعد ذلك في الجهاز العصبيّ إلى الدماغ كبريون*، أي كبروتينٍ مُعدٍ. وفي الدماغ، تلتصق البروتينات المطوية بشكلٍ غير طبيعيٍّ بعضها ببعضٍ وتتكتل، مُدمرةً الخلايا العصبية.

في عام 2005مـ، أفاد الباحثون أن الأشخاص الذين يعانون من مرض الباركنسون ويمتلكون هذه التكتّلات في أدمغتهم لديهم أيضاً نفس التكتّلات في الأمعاء، وفحص بحثٌ آخر نُشر هذا العام الأشخاص المصابين بقرحةٍ وخضعوا لعمليةٍ جراحيةٍ لإزالة قاعدة العصب المُبهَم، والذي يربط جذع الدماغ بمنطقة البطن. وكان لهؤلاء المرضى خطرٌ أقل بنسبة 40% لظهور مرض الباركنسون في وقتٍ لاحقٍ من حياتهم مقارنةً بالذين لم يقوموا بإزالة العصب المُبهَم.

كلتا النتيجتين تُشير إلى أن البريون قد ينشأ في القناة الهضمية، ولكن بقي هنالك لغزٌ واحدٌ: كيف يمكن لبروتيناتٍ تغيرت في الأمعاء أن تنتشر إلى الدماغ؟ يقول أخصائيّ الجهاز الهضميّ وأستاذ الطب المحاضر في جامعة ديوك في ولاية كارولينا الشمالية والمؤلف الرئيسيّ للورقة البحثية المنشورة حديثاً (15 يونيو/حزيران) في دورية الفحوص السريرية الدكتور رودجر ليدل: “لقد وُجِد البروتين في التجويف، أو في الفراغ الواقع داخل الجهاز الهضميّ، إلا أن الأعصاب ليست مكشوفةً على التجويف”.

ظهر دليلٌ رئيسيٌ عن كيفية انتقال البروتين من التجويف إلى الخلايا العصبية في عام 2015مـ، حيث اكتشف فريق ليدل الخلايا في بطانة الأمعاء الدقيقة التي “تصرفت كثيراً مثل الخلايا العصبية” كما قال ليدل. كانت تلك الخلايا خلايا الغدد الصماء، وهذا يعني أنها تنتج الهرمونات، ولكنها تحتوي على الناقلات العصبية والبروتينات الأخرى الموجودة عادةً في الخلايا العصبية، بل يبدو حتى أن هذه الخلايا تتفرع بطريقةٍ مماثلةٍ كما تفعل الخلايا العصبية لكي تتواصل.

يقول ليدل أن خلايا الغدد الصماء تصرفت كثيراً مثل الخلايا العصبية عندما كانت تُوضع بالقرب منها، حيث تحركت خلايا الغدد الصماء نحو الخلايا العصبية، وانتشرت الألياف بين الخلايا موصلةً إياهم. ولقد اُلتقِطت العملية بواسطة تصوير الفواصل الزمنيّة التي ظهرت في دراسةٍ لعام 2015مـ في دورية الفحوص السريرية.

أضاف ليدل مخبراً مجلة لايف ساينس: “بعد ذلك فقط بدأنا وضع هذه الأشياء معاً، فلدى هذه الخلايا الكثير من الخصائص الشبيهة بالأعصاب، لذا فلنرى ما إذا كانت تحتوي أيضاً على ألفا-سينوكلين، وربما تكون مصدر مرض الباركنسون إذا كانت كذلك”.

الآن وبعدما أظهر فريق ليدل أن خلايا الغدد الصماء في الواقع تحتوي على بروتين ألفا-سينوكلين؛ يُريد الباحثون أن يثبتوا أن خلايا الغدد الصماء من مرضى الباركنسون تحمل النسخة المشوهة من البروتين، وذلك حسب قول ليدل.

يضيف ليدل أنه إذا تمكنوا من إثبات ذلك، فيمكنهم أن يتصوروا كيفية تمكن البروتينات التالفة التي تسبب مرض الباركنسون أن تنتشر من بطانة الأمعاء إلى الدماغ، والذي يحتمل أن يكون عن طريق العصب المُبهَم.

أظهرت الأبحاث السابقة أن الناس الذين تعرضوا لبعض المبيدات والبكتيريا هم أكثر عرضةً لحدوث مرض الباركنسون، ويقول ليدل أن أحد الاحتمالات هو أن هذه العوامل قد تؤثر على خلايا الغدد الصماء الشبيهة بالعصب في القناة الهضمية، لتُغيّر هيكل البروتين ألفا-سينوكلين داخل الخلايا الهضمية.

قال ليدل لمجلة لايف ساينس: “ربما تكون البكتيريا أو سُمّاً يبتلعه الناس، وقد تؤثر على خلية الغدد الصماء وتفسد بروتين ألفا-سينوكلين، وينتشر من الخلية إلى العصب المُبهَم إلى الدماغ”.

قال ليدل أن هناك العديد من الـ”ربما” التي لا تزال قائمةً في الوقت الراهن؛ ولكن إذا كان هنالك المزيد من البحوث التي تدعم الفرضية، فإنه يمكن أن تكون نقطة البداية إلى طرقٍ جديدةٍ لتشخيص مرض الباركنسون في وقتٍ مبكرٍ، فضلاً عن طرقٍ جديدةٍ للعلاج.

قال ليدل: “من الممكن أنه إذا ما بدأ المرض في القناة الهضمية، فبإمكانك إذاً إنشاء علاجاتٍ تمنع تكوين بروتين ألفا-سينوكلين غير الطبيعيّ في هذه الخلايا”. وأضاف: “من الممكن أن تتمكن من تطوير طرقٍ غذائيةٍ لعلاج تلك الخلايا لأن هذه الخلايا تُبطّن الأمعاء. وعند هذه النقطة، من الصعب التخيل، ولكن سنرى”.

المصدر: (livescience)

أماندا أونيون (Amanda Onion)
مؤسسة مرض الباركنسون (Parkinson’s Disease Foundation)
بروتين ألفا-سينوكلين (alpha-synuclein)
العصب المُبهَم (vagus nerve)
جامعة ديوك في ولاية كارولينا الشمالية (Duke University in North Carolina)
رودجر ليدل (Rodger Liddle)
تصوير الفاصل الزمنيّ (time-lapse video)
دورية الفحوص السريرية (Journal of Clinical Investigation)
دورية لايف ساينس (Live Science)

*بريون: جُزيئات بروتينية معَدْيةٌ تسبب العديد من الأمراض، مثل جنون البقر، السكري من النوع الثاني، وباركنسون.

Comments are closed.