ما هي اهتزازات النيوترينو؟

كتابة: الأستاذة لينة

النيوترينو جسيمٌ أوليٌ عديم الشحنة. افترضنا وجوده انطلاقاً من مبدأ حفظ الطاقة وكمية الحركة في أحد التفاعلات النووية التي تعرف بانحلال بيتا، حيث تتحول البروتونات في هذا التفاعل إلى نيوتروناتٍ داخل نواة الذرة لتطلق بوزتورن (مضاد إلكترون) ونيوترينو، فمبدأ حفظ الطاقة وكمية الحركة لا يتحقق ويضل قائماً إلا بوجود النيوترينو حسابياً.

تتفاعل النيوترينوهات فقط بالجاذبية والتفاعل النووي الضعيف في النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات (كما تحدثنا سابقا)، ولها خاصية تُسمى بالنكهة (*). يوجد للنيوترينو ثلاثة نكهاتٍ، وهي نيوترينو الإلكترون (e) نيوترينو الميون (m) ونيوترنيو التاو (t). ووفقاً للنموذج القياسي أيضاً، لا يتحول أي نوعٍ للآخر لعدم وجود كتلةٍ للنيوترينو. فالجسيمات عديمة الكتلة تتحرك بسرعة الضوء بحسب النسبية الخاصة، وبذلك تكون “ساعتها الداخلية” متوقفةً بالنسبة لمراقبٍ خارجيٍ، وعنده لن يحصل تغيرٌ داخليٌ لهذه الجسيمات.

لكن فرضية النيترنوهات واجهت تحدياً قاسياً جداً عندما تم محاولة “عد” النيوترينوهات القادمة من الشمس في سلسلةٍ من التجارب التي بدأت من ستينات القرن الماضي حتى 2002مـ، حيث أن جميع التجارب بينت أن عدد النيوترينوهات (بالتحديد نيوترنو الإلكترون) هو ثلث العدد المتوقع. وأُجريت هذه التجارب معتمدةً على ما تتوقعه نظرية التفاعل الضعيف بأن من الممكن للنيوترينوهات القادمة من الشمس أن تحدث “تفاعلا ضعيفاً” يغير من نوع عنصرٍ كيميائيٍ باحتماليةٍ ضئيلةٍ جداً. حيث يمكن للنيوترينوهات أن تحول ذرة كلور (Cl) إلى ذرة أرجون (Ar) بالتحديد.

لم تكن هذه الحالة الوحيدة التي أشارت إلى أن النموذج القياسي بحاجةٍ للتعديل، فقد تم أيضاً ملاحظة الدلالات على هذا في النيوترينوهات القادمة من الإشعاع الكوني والمفاعلات النووية وغيرها. ولهذا، تم اقتراح أن النيوتريهوات تغير من نوعها (نكهتها) لحل هذه المعضلة، مما يعني أن لها كتلةً بحسب نقاشنا سابقاً. ويفسر هذا سبب رصد ثلث النيوتريهونات الشمسية كنكهة نيترينو الإلكترون، حيث أنها “تهتز”. فهي تغير من نوعها أثناء حركتها في الفضاء إلى النوعين الآخرين ثم تعود إلى النوع الأول وهكذا دواليك، وبشكلٍ دوريٍ يشبه الاهتزاز.

اكتشف العالمان الحاصلان على جائزة نوبل لهذا العام 2015 مـ الياباني تاكاكي كاجيتا والكندي آرثر مكدونالد هذا التأثير تجريباً، مؤكدين أن للنيوتريهونات كتلةً وبالتالي فإنها لا تسري بسرعة الضوء. ولكن السؤال الهام هنا، من أين تأتي كتلة النيوترينو؟!

شكل1

 

شكل2

 

بما أن النموذج القياسي لا يتنبأ بكتلةٍ للنيوترينو، وبما أن الآليات المقترحة لحصول النيوترونو على كتلةٍ وفق النموذج القياسي (آلية هيجز) تتنبأ بوجود نوعٍ “رابعٍ” من النيوترينو لا يتفاعل بالتفاعل الضعيف لأن عدم التناظر المرآتي (**) له مختلفٌ. فمن المحتمل أن تكون تلك النيوتريهونات ذات كتلةٍ كبيرةٍ جداً تفسر كتلة نتيوتريهونات النموذج القياسي الصغيرة للغاية. وتعرف هذه الآلية المقترحة بآلية سيساو (***)


عدم التناظر المرآتي: Chirality
تاكاكي كاجيتا: Takaaki Kajita
آرثر مكدونالد: Arthur McDonald
آلية سيساو Seesaw mechanisim

(*): كما تحمل الجسيمات التي تتفاعل كهرومغناطيسياً شحنةً كهربيةً (سالبةً كانت أم موجبةً)، فإن الجسيمات التي تتفاعل بالتفاعل النووي الضعيف تحمل “نكهةً” أيضاً بأمرٍ مرادفٍ لطبيعة التفاعل الكهرومغناطيسي لحدٍ ما.
(**): عدم التناظر المرآتي (أو(Chirality هو عدم تناظر جسيمٍ ما حول المرآة. فالتفاعل الضعيف ليس متناظراً حول الإنعكاس بالمرآة. يعرف هذا علمياً بـ CP symmetry breaking فالجسيمات ذات ” اليد اليسرى” فقط هي التي تتفاعل بالتفاعل الضعيف، بينما جسيمات اليد اليمنى لا تتفاعل بالتفاعل الضعيف.
(***): تعتمد آلية سيساو على افتراض أن النيوترينو جسيم ماجورانا، أي أنه يهتز بين حالة الجسيم والجسم المضاد، وهذا ممكنٌ فقط للجسيمات غير المشحونة، حيث أن الجسمات المشحونة لا يمكن أن تتأرجح بين حالة الجسيم والجسم المضاد لأن هذا يخالف مبدأ حفظ الشحنة.

المراجع:

 Barger, Vernon; Marfatia, Danny; Whisnant, Kerry Lewis (2012). The Physics of Neutrinos. Princeton University Press.
Z. Maki, M. Nakagawa, and S. Sakata (1962). “Remarks on the Unified Model of Elementary Particles”. Progress of Theoretical Physics 28 (5): 870. Bibcode:1962PThPh..28..870M. doi:10.1143/PTP.28.870
http://www.nobelprize.org/nobel_prizes/physics/laureates/2015/
http://www.pourlascience.fr/ewb_pages/a/actu-prix-nobel-de-physique-2015-les-neutrinos-sont-a-l-honneur-36014.php .

Comments are closed.