رحـلة الإنسـان: أعظـم الرحـلات – الجزء الثاني

ترجمة: علي الزهراني
مراجعة: فارس بوخمسين

هذا هو المقال الثاني من سلسلة “رحلة الإنسان”، وبالإمكان الإطلاع على المقال الأول هنا، والثالث هنا.

يعتقد بعض علماء الآثار بأن الهجرة من أفريقيا قد شكّلت ثورةً في السلوك، والتي اشتملت أيضاً على أدواتٍ أكثر تعقيداً، وشبكاتٍ اجتماعيةٍ أوسع، وظهور أول فنٍ وزينةٍ للجسد. لعلّ نوعاً من الطفرات العصبية قاد إلى اللغة الكلامية وجعل أسلافنا حديثين بالكامل، وجمع ثُلّةً صغيرةً منهم على الدرب لاستعمار العالم. لكن علماء آخرين رأوا انتشاراً لأدواتٍ مصنوعةٍ بدقة وآثاراً أخرى من السلوك الحديث حول أفريقيا منذ فترةٍ طويلةٍ قبل تلك الخطوات الأولى خارج القارة. تقول أليسون بروكس من جامعة جورج واشنطن “إنها ليست بـ ‘ثورةٍ’ إذا احتاج ذلك لـ ٢٠٠,٠٠٠ سنة.”

Picture1

أيّاً كانت الأدوات والمهارات المعرفية التي حملها المهاجرون معهم، فهنالك مسارين مفتوحين إلى آسيا. أحدهما قاد إلى وادي النيل عبر شبه جزيرة سيناء، وشمالاً إلى بلاد الشام. ولكن طريقاً آخر كان مغرياً أيضاً، فقبل سبعين ألف سنة دخلت الأرض العصر الجليدي الأخير، وكانت مستويات البحار منخفضةً حيث كان الماء محبوساً في الجليد. لقد كان مضيق البحر الأحمر بين القرنين الأفريقي والعربي بعُرضِ بضعة أميالٍ فقط في أضيق نقطة. وبهذا تمكن الإنسان الحديث من العبور باستخدام قوارب بدائيةٍ وبالكاد تبللت أقدامه.

تقترح الأدلة الجينية أن المجموعة السكانية انقسمت بمجرد وصولهم إلى آسيا. فمجموعةٌ توقفت مؤقتاً في الشرق الأوسط، بينما اتبع الآخرون الساحل حول شبه الجزيرة العربية والهند وما وراء ذلك. قد يكون كل جيلٍ دفع أبعد لبضعة أميالٍ فقط.

يقول سبنسر ويلس، الذي يرأس مشروع الجينوغرافيا التابع للمجتمع الوطني الجغرافي، وهو جهد عالمي لتنقيح الصورة للهجرات الأولى: “لقد كان التحرك غير محسوسٍ على الأرجح. حيث من المرجح أنه لم يكن كرحلةٍ، بل أقرب إلى المشي أبعد قليلاً على امتداد الشاطئ للابتعاد عن الزحام.”

على مدى آلاف السنين، تراكمت بِضعَ الخطوات السنوية وبضع القفزات بالقوارب. بهذا وصل الرحالة إلى جنوب شرق أستراليا قبل نحو ٤٥,٠٠٠ سنة، عندما دُفن رجلٌ في مكانٍ يدعى بحيرة مونغو. قد تكون طبقات التربة الحاملة للآثار تحت القبر بقُدم ٥٠,٠٠٠ سنةً، وذلك أقدمُ دليلٍ على وجود الإنسان الحديث بعيدًا عن أفريقيا.

لم يُعثر على أي أثرٍ ماديٍ لهؤلاء الناس على امتداد ٨٠٠٠ ميلٍ من أفريقيا إلى أستراليا. ربما اختفت كلها عندما ارتفع مستوى سطح البحر بعد العصر الجليدي. لكن الآثار الجينية تظل. هناك عددٌ قليلٌ من السكان الأصليون في جزر أندامان بالقرب من ميانمار، وفي ماليزيا، وفي بابوا غينيا الجديدة، وأيضاً أغلب سكان أستراليا الأصليين يحملون علامات على سلالة مايتوكندوري قديمة، إنه مماثل لتتابع لفتات الخبز الجيني الذي أسقطه المهاجرون الأوائل.




إن الناس في بقية آسيا وأوروبا يتشاركون في حمضٍ نوويٍ مايتوكندوريٍ ونسب كروموسوم واي مختلفين ولكن بنفس القِدَم، ما يحددهم كنسلٍ للفرع الآخر المتأخر من الهجرة الافريقية. في البداية، منعت التضاريس الوعرة ومناخ العصر الجليدي المزيد من التقدم. وعلاوةً على ذلك، فقد كانت أوروبا معقِلاً لإنسان النياندرتال، وهو منحدرٌ من هجراتٍ سابقةٍ مبكرة من أفريقيا لما قبل الإنسان الحديث.

أخيراً قبل ٤٠,٠٠٠ سنة تقريباً، تقدم الإنسان الحديث نحو أراضي إنسان نياندرتال. وتقترح الطبقات المتداخلة لآثار النياندرتال والإنسان الحديث المبكر داخل كهفٍ في فرنسا بأن من الممكن أن هذين النوعين من جنس الإنسان قد التقيا.

كيفية تفاعل هذين النوعين من الناس مع بعضهم هو غموضٌ مُفحمٌ، فما الذي حدث بين حديث النعمة والمهتم بالقارة المحكوم عليه بالفناء؟ هل نظرا إلى بعضهما بتعجبٍ أو خوف؟ هل تقاتلا، أم اجتمعا، أم رفض بعضهما البعض ككائناتٍ غريبة؟

كل ما نعرفه هو أنه عندما انتشر الإنسان الحديث إلى أوروبا ومعه صناعة الأدوات الأكثر تعقيداً تقلص عدد إنسان النياندرتال الذي تواجد سابقاً في كل مكان، وانحصر إلى مجموعاتٍ متضائلةٍ من المساكن والتي تلاشت في النهاية بشكلٍ كاملٍ. وبالأدلة الحالية، فإن المجموعتين تزاوجتا نادراً، هذا إن فعلت مطلقاً. فلا الحمض النووي الميتوكندوري من حفريات النياندرتال ولا الحمض النووي للإنسان الحديث يحملان أي آثارٍ لاختلاطٍ قديمٍ للأسلاف. (في عام 2010مـ، أظهرت الدراسات الجينية الحديثة أن الإنسان الحديث من الأصول اليورواسيوية تزاوج مع انسان النياندرتال، وأن 1% إلى 4% من الحمض النووي من الإنسان الحديث يعود إلى النياندرتال. وتؤثر الجينات التي ورثناها من النياندرتال على بروتين الكيراتين، المناعة، واحتمال الإصابة بأمراضٍ مثل السكري-النوع الثاني، الذئبة، ومرض كرونز)*

 

neanderthals_786

تقريباً في نفس الوقت الذي اندفع فيه الإنسان الحديث نحو أوروبا، اندفع البعض الآخر من نفس المجموعة التي توقفت في منطقة الشرق الأوسط شرقاً إلى وسط آسيا. ووصلوا إلى جنوب سيبيريا قبل ٤٠,٠٠٠ سنة باتباع قطعان الصيد وحواف سلاسل الجبال والصحاري. وعندما تباعد السكان وأصبحوا معزولين، تشعبت سلالاتهم الجينية بالمثل وأعادت التشعب. لكن العزلة كانت نادرةً إن لم تكن معدومة. يقول عالم الأنثروبولوجيا الجزيئية ثيودور سكور بجامعة بنسلفانيا: “التقى الناس دائماً مع أناس آخرين، ثم وجدوهم جذابين، فانجبوا الأطفال.”

 

يتبع …

*: إضافة من المترجم، وذلك لتقدم العلوم وظهور دراساتٍ جديدةٍ في المجال.

المصدر (nationalgeographic)

لمعرفة المزيد عن مسارات الهجرة تفضل بزيارة هذه الخريطة التفاعلية من مشروع (genographic)

النياندرتال: neanderthal
أليسون بروكس: Alison Brooks
جامعة جورج واشنطن: George Washington University
الأنثروبولوجيا الجزيئية: molecular anthropologist
ثيودور سكور: Theodore Schurr
جامعة بنسلفانيا: University of Pennsylvania

Website Comments

  1. Mohammad

    رائع جدا اخي علي واخي فارس وكل القائمين على هذه المجموعة الرائعة. ننتظر المزيد والمزيد.
    اخوتي كيف احصل على تفاصيل وتعريف لرموز Y-DNA
    ولكم جزيل الشكر والامتنان.