كيف يجعلنا التنوع أكثر ذكاءً؟ – الجزء الأول

كتابة: كاثرين فيليبس.
ترجمة: ربى غوشة.
مراجعة: الدكتور حسن عبدالباقي.




أظهرت عقودٌ من الدراسات التي أجراها الباحثون، علماء النفس، علماء الاجتماع، الاقتصاديون، علماء الإحصاءات السكانية أن المجموعات المتنوعة (أي أولئك المتنوعون في العنصر، العِرق، الجنس، والميول الجنسي) أكثر قدرةً على الابتكار مقارنةً بالمجموعات المتجانسة.

من الواضح أن المجموعات  المكونة من أشخاصٍ بخبراتٍ فرديةٍ متنوعةٍ ستتفوق على المجموعات المتجانسة في حل المشاكل المعقدة وغير الروتينية. ومع أنه ليس من الواضح تماماً فيما إذا كان التنوع الاجتماعي يؤدي نفس الدور، إلا أن العلم يدعم ذلك.

لا ينحصر أثر التنوع في أن الأشخاص من خلفياتٍ مختلفةٍ يساهمون بمعلوماتٍ جديدةٍ. بل لأن التفاعل مع أشخاصٍ مختلفين يدفعنا إلى استعدادٍ أفضل وترقب وجهات نظرٍ بديلةٍ والتوقع بأن الوصول إلى اتفاقٍ سيتطلب جهداً أكبر ببساطةٍ.

لا بد في البداية من الاعتراف بأن التنوع صعبٌ. ففي الولايات المتحدة، حيث الحوار حول الاندماج  متقدمٌ نسبياً، فإن مجرد ذكر كلمة “التنوع” يعد كافياً ليؤديَ إلى القلق والصراع. إذ لا يوافق قضاة المحكمة العليا حول مزايا التنوع وطرق تحقيقه. حيث تنفق الشركات مليارات الدورلات لاستقطاب التنوع وإدارته داخلياً و خارجياً، ولكنهم ما زالوا يواجهون دعاوى قضائيةً بسبب التمييز، وما زالت المناصب القيادية للأعمال في العالم للذكور البيض في الغالب.

من المنطقيّ التساؤل عن تأثير التنوع الجيد علينا. فالتنوع في الخبرات يمنح فوائد واضحةً، إذ لن تفكّر بصنع سيارةٍ جديدةٍ من دون مهندسين، مصممين، و خبراء ضبط جودة. لكن ماذا عن التنوع الاجتماعي؟ ما الفوائد الناجمة عن التنوع في العنصر، العرق، الجنس، والميول الجنسيّ؟ أظهرت الأبحاث أن التنوع الاجتماعي في مجموعةٍ ما يؤدي إلى عدم الشعور بالراحة، صعوبةٍ في التواصل، فقدان الثقة، نظرةٌ أشد للصراع بين الأفراد، تواصلٍ أقل، ارتباطٍ أقل، المزيد من القلق حول عدم الاحترام، ومشاكل أخرى. إذاً ماذا عن الإيجابيات؟

في الحقيقة، إذا كنت تريد تكوين فرق عملٍ أو منظماتٍ قادرةً على الابتكار فستحتاج إلى التنوع، فالتنوع يعزّز الإبداع. إذ أنه يشجع على البحث عن معلوماتٍ ووجهات نظرٍ جديدةٍ، مما يحسّن من حل المسائل واتخاذ القرارات. كما يحسن التنوع من الدخل الصافي للشركات ويؤدي إلى اكتشافاتٍ غير مقيّدةٍ واختراعاتٍ غير مسبوقةٍ. حتى بمجرد وجودك في بيئةٍ متنوعةٍ يعد كافياً لتغيير طريقة تفكيرك. هذه النتائج ليست مجرد أضغاث أحلامٍ: بل هي نتائجٌ أكّدتُها بعد عقودٍ من الأبحاث التي أجراها علماء المنظمات، علماء النفس، علماء الاجتماع، الاقتصاديون، وعلماء الإحصاءات السكانية.

 

المعلومات والابتكار

إن مفتاح فهم الأثر الإيجابي للتنوع يكمن في مفهوم فكرة التنوع المعلوماتيّ. فالناس يجلبون معلوماتٍ وآراءً ووجهات نظرٍ مختلفةً عندما يجتمعون مع بعضهم في مجموعاتٍ لحل المسائل. ويتضح ذلك جلياً عندما نتحدث عن التنوع المهني للأفراد، فتذكر مثال الفريق ذو التخصصات المختلفة الذي يصنع سيارةً. ينطبق المنطق نفسه على التنوع الاجتماعي. حيث يجلب الأشخاص الذين يختلفون عن بعضهم البغض في العرق والجنس والمجالات الأخرى معلوماتٍ وتجارب فريدةً  لدى اداء المهام المطلوبة. فالمهندس والمهندسة ربما لديهم وجهات نظرٍ تختلف عن بعضهما كاختلاف المهندس والفيزيائي، وهذا أمرٌ جيد.

أظهرت الأبحاث التي أجريت على المنظمات الكبيرة والمبتكِرة مراراً وتكراراً أن هذا هو الحال. فعلى سبيل المثال، درس كلٌ من أستاذيْ الأعمال كريستيان ديزو من جامعة ماريلاند وديفيد روسو من جامعة كولومبيا أثر اختلاف الجنس على كبرى الشركات في قائمة ستاندرد آند بورز 1500، وهي المجموعة التي صممت لتمثل سوق الأسهم العام للولايات المتحدة. حيث قام الباحثان أولاً بفحص بنية الحجم والجنس لفرق الإدارة العليا في الشركات من عام 1992 حتى 2006مـ. ثم قاموا بالنظر إلى الأداء الماليّ لهذه الشركات. فتوصلوا إلى أن “وجود النساء في الإدارة العليا للشركات أدى الى زيادةٍ في قيمة الشركة تبلغ 42 مليون دولار أمريكيّ”، في المتوسط. كما قاموا بقياس “حجم الابتكار” للشركات عن طريق حساب نسبة مصاريف البحث والتطوير إلى الممتلكات، فتوصلوا إلى أن الشركات التي أعطت الأولوية للابتكار جنت أرباحاً أكثر عندما كانت النساء جزءاً من مناصب القيادة العليا.

يمكن للتنوع العرقيّ أن يعود علينا بنفس الفوائد. ففي دراسةٍ أجراها أستاذ الإدارة أورلاندو ريتشارد وزملاؤه من جامعة تكساس في دالاس عام 2003 حيث شمل الاستطلاع المديرين التنفيذيين من 177 بنكاً وطنياً في الولايات المتحدة، ثم قاموا معاً بوضع قاعدة بياناتٍ لمقارنة الأداء المالي، التنوع العرقي، وتركيز رؤساء البنوك على الابتكار. فوجدوا أن هنالك علاقةً واضحةً بين الزيادة في التنوع العرقي وتحسن الوضع المالي في البنوك التي تركز على الابتكار.

تأتي الأدلة على إيجابيات التنوع أيضاً من خارج الولايات المتحدة. ففي أغسطس (آب) من عام 2012مـ، قام فريقٌ من الباحثين في معهد الأبحاث السويسري بإصدار تقريرٍ قاموا فيه باختبار 2360 شركةٍ عالميةٍ للبحث عن علاقةٍ بين التنوع في الجنس في مجالس إدارة الشركات والأداء الماليّ من عام 2005 حتى 2011مـ. وبالفعل، وجد الباحثون أن الشركات التي تحوي امرأةً أو أكثر ضمن مجلس الإدارة حققت نسبةً أعلى لمتوسط الأرباح، معدل اقتراضٍ أقل (أي صافي الدين إلى حقوق المساهمين)، ومعدل نموٍ أفضل.




المصدر: (scientificamerican)

كاثرين فيليبس (Katherine W. Phillips)
المحكمة العليا (Supreme Court)
التنوع (Diversity)
علماء الإحصاءات السكانية (demographers)
كريستيان ديزو (Cristian Deszo)
جامعة ماريلاند (University of Maryland)
ديفيد روسو (David Ross)
جامعة كولومبيا (Columbia University)
ستاندرد آند بورز 1500 (Standard & Poor’s Composite 1500)
أورلاندو ريتشارد (Orlando Richard)
جامعة تكساس (University of Texas)
معهد الأبحاث السويسري (Credit Suisse Research Institute)

Comments are closed.