هل سيغير علم الأحياء ما يعنيه كوننا بشراً؟

كتابة : الأستاذ المحاضر نايف الروضان.
ترجمة : إسراء الحاجي.

ستمكننا آخر التطورات العلمية من التحكم بالتطور الحيوي نفسه قريباً. فالأحياء التركيبية هي شكلٌ جديدٌ من الهندسة التي تتضمن صنع أنظمةٍ حيويةٍ جديدةٍ معقدةٍ، وهي نتيجة التقاء واجتماع المعارف في علوم الحياة، الهندسة، والمعلوماتية الحيوية. وقد يكون لأكثر الابتكارات الواعدة في هذا الميدان الجديد مثل التصميم الجيني، تصنيع البروتين، وتركيب المنتجات الطبيعية تأثيرٌ ثوريٌ على حياتنا، بالخصوص في إنتاج الطاقة والطب. حيث تجلب معها فرصاً ومخاطرَ عملاقةً.

قد تشمل الابتكارات المبكرة أدويةً شخصيةً ومحددةً بالجينومٍ لعلاج مرض السرطان والأمراض التنكسية (أو الإنتكاسية) كمرض باركنسون والزهايمر، وبكتيريا صديقةً للبيئة صمّمت لتقاوم آثار التلوث؛ فتخيل وجود بكتريا قادرةٍ على أكل المواد السامة من جسمٍ مائيٍ ملوثٍ.  ويمكننا أيضاً هندسة إنتاج الإيثانول السليولوزي على نطاقٍ واسعٍ كبديلٍ لمصادر الطاقة المحدودة الموجودة حالياً، وهو نوعٌ من الوقود الحيوي المتجدد المعتمد على النبات والذي ينتج كميةً منخفضةً جداً من انبعاثات الكربون.

في المقابل، فإن الأحياء التركيبية يمكن أن تكون أيضاً خطرة جداً. فثمة قلقٌ كبيرٌ محيطٌ بهذا المجال حتى بين العلماء والأفراد المثقفين، ومن حقهم أن يكونوا كذلك. فمع أن هذه الابتكارات تفتح أبواباً لا حصر لها للخير، إلا أنها قد تكون مدمرةً إن لم تكن منظمةً بشكلٍ جيدٍ. إن لبعض منتجات الحمض النووي قدرةً هائلةً على التسبب بالأمراض والانتشار. فمرض جنون البقر لم يكن إلا بريوناً، وهو بروتينٌ ضئيلٌ أصغر حتى من الفيروس، ومع ذلك فإن آثاره يحتمل أن تكون مدمرةً.

إن منتجات الحمض النووي الجديدة هذه ضخمة التأثير على الصحة والأمن العالمي، ولكن استنساخ التقنيات التي تشتمل عليها من قِبَل العلماء أو الدول ذوي النوايا السيئة لن يتطلب الكثير. فالمعرفة الأساسية بالأحياء التركيبية ليست صعبة الاكتساب، ولو أراد كيانٌ ذو معرفةٍ تتعدى معرفة الهواة في هذا المجال أن يستخدم هذه المعرفة للخير أو للشر فلن يجد ذلك صعباً. وحتى بين المهندسين ذوي النوايا الحسنة، إن العمل بالمواد النانوية (أو فائقة الصغر) هو عملٌ في غاية الخطورة: فإذا صنعت جسيماتٍ متناهية الصغر بدون أن تُطبّق الرقابة اللازمة فإن النتائج تكون أحياناً صغيرةً بما يكفي لتتّحد بسلاسل الحمض النووي الطبيعية عندما تلامسها، مسببةً طفراتٍ غير متوقعةٍ.

بالإضافة إلى هذه التهديدات الأمنية، يثير صعود علم الأحياء التركيبية سلسةً من القضايا الأخلاقية. فعلى الصعيد الفلسفي، أنا أعتقد أن الإنسان كائنٌ عاطفيٌ، أنانيٌ، وفاقدٌ للحس الأخلاقي. إن بوصَلتنا الأخلاقية تُقاد بواسطة الأطر التي نجد فيها أنفسنا، ونحن محكومين في المقام الأول بالمصلحة الشخصية والدوافع العاطفية. إن هذه الدوافع مع الابتكارات الحيوية يقودنا الآن إلى تحسين أنفسنا، جسدياً ومعرفياً.

إن التحسينات المعرفية أكثر إثارةً للمشاكل، لأسبابٍ ليس أقلها هو أن العقل يُعرّف من نكون. وفي غضون عقدٍ من الزمن أو ما يقاربه سيكون لدينا الإمكانية على أن نحسن مهاراتنا العقلية، وليس فقط على صعيد القدرة العقلية بل وأيضاً على صعيد عاطفتنا (أو عدمها). فالعواطف أشياءٌ محسوسةٌ وهي أحداثٌ كيميائيةٌ عصبيةٌ خلويةٌ وتحت خلويةٍ، مهما رغبنا في أن نزعم عكس ذلك. متى ما فهمنا هذا بشكلٍ أفضل سنكون قادرين على التأثير في المزاج، وإننا نعرف بالفعل القليل جداً عن هذا الأمر في الوقت الحالي.

إن فكرة التحسينات الحيوية والمعرفية تطرح أسئلةً هامةً: من سيتم تحسينه؟ وهل ستُحدِث هذه التحسينات انقساماً اجتماعياً خطراً بين الأشخاص الذي خضعوا للتحسينات والأشخاص الذين لم يخضعوا لها؟ ومع الفجوة المزمنة بين المواطنين الأغنياء والفقراء والتي تتصدر حالياً الاتجاه السائد للمستقبل المتوقع لهذا العام، هل ستتسبب الأحياء التركيبية في تضخيم هذه الفجوة وإحداث تفاوتٍ أكثر خطورةٍ داخل المجتمعات وعبر المجتمعات؟ وهل يملك الآباء الحق الأخلاقي والقانوني بتشكيل أبنائهم بالشكل الذي يريدونه، أم هل ينبغي وجود آلياتٍ ونظمٍ أخلاقيةٍ حيويةٍ للإجازة؟  إن هذه مخاوفٌ جديةٌ، وهي تعمل على صعيد الدولة بالإضافة إلى تأثيرها على الأفراد.

إن الإجراءات الاحترازية المطلوبة ليست سهلةً ولكنها ضرورية. يجب أن نسعى إلى استحداث آليات رقابةٍ تخفف المخاطر بدون أن تخنق الابتكار. وبسبب المصالح الوطنية والتجارية المتعددة المشمولة في هذا المجال، فإن هذه الرقابة لا يُمكن أن تتحقق إلا على يد منظمةٍ قويةٍ تشمل جميع الأطراف المعنية. وهي منظمةٌ تتمكن من جعل كلاً من الحكومات والجهات الفاعلة غير الحكومية تتحمل المسؤولية، بدءاً بشركات التقنية الحيوية وانتهاءً بالعلماء الأفراد.

فوق كل هذا، لا بد أن نتذكر أن الطبيعة البشرية من المتغيرات غير الأكيدة. ففكرة وجود أخلاق فطريةٍ لدينا تتنافس مع فكرة الوحشية، عدم المساواة، وكل شيءٍ آخر يملأ تاريخ جنسنا البشري. يجب ألا نُعوّل على فضائل الطبيعة الإنسانية في حمايتنا من مخاطر هذه الاكتشافات الجديدة، ولهذا نحتاج لتفعيل نماذج حوّكمةٍ صارمةً جداً لهذه الأدوات الجديدة بالغة القوة.

المصدر : (World Economic Forum)

الأحياء التركيبية (Synthetic biology)
المعلوماتية الحيوية (Bioinformatics)
الأمراض التنكسية (أو الإنتكاسية) ( Degenerative diseases)
مرض باركنسون (Parkinson’s disease)
مرض الزهايمر (Alzheimer’s Disease)
المحتوى الوراثي أو الجينوم (Genome)
الإيثانول السليولوزي (Cellulosic ethanol)
بريون (Prion)

 

 

Comments are closed.