التأثير المقلق للضوء المستمر على أجسادنا

كتابة: بيتر دوكريل.
ترجمة: ريناد مشعل.

نحن محاطين باستمرار بالضوء هذه الأيام. مع الإنارة الصناعية كالأضواء المنزلية، مصابيح الإضاءة في الشوارع، شاشات الحاسوب، الأجهزة الذكية، والتلفاز، مما يعني أن وقت الليل أصبح أقل ظلاماً بكثيرٍ مما كان عليه سابقاً. ولكن يبدو بأن هذه الإنارة الدائمة لها ثمنٌ غير حميدٍ، حيث وجد العلماء في بحثِ جديدِ أُجري على الفئران أن للتعرض للإضاءة بمعدلٍ زائدٍ عن الطبيعي آثارٌ خطيرةٌ على الصحة، وذلك بعدما تمت إزالة الحيوانات من روتين الليل والنهار الطبيعي لها. لا يمكن أن تُطبق نتائج الدراسة على البشر حتى الآن، ولكنها تبين ظاهرةً مثيرةً للقلق وجديرةً بمزيدٍ من البحث.

تقول عالمة الأعصاب من المركز الطبي في جامعة لايدن بهولندا جوهانا ماير: “دراستنا تبين أن دورة الضوء والظلام البيئية مهمةٌ للصحة”. وتضيف: “لقد أظهرنا أن غياب التواتر البيئي يقود إلى إخلالٍ شديدٍ بمجموعةٍ متنوعةٍ من المتغيرات الصحية”. وللتحري من الكيفية التي يكون بها الضوء المستمر مضراً صحياً، قامت ماير وفريقها بتعريض الفئران في المختبر إلى ضوءٍ مستمرٍ لمدة 24 أسبوعاً لقياس استجابة الحيوانات للسطوع غير المتقطع.

استجابة الحيوانات لم تكن جيدةً. حيث لُوحظ على أكثر من 130 فأرٍ (والذين أمضوا ما يقارب نصف عامٍ من دون ظلامٍ) مستخدمين في الدراسة نقصاً في كتلة العضلات والعظام، أظهروا العلامات المبكرة لهشاشة العظام، بالإضافة إلى وجود التهاب في جهازهم المناعي من النوع الذي تتم ملاحظته عند وجود عاملٍ مسبب للمرض أو اجهادٍ مضرٍ آخر.

نستطيع بذلك القول بأن الضوء المستمر يسرّع من عملية الشيخوخة، حيث أن كل هذه التغيرات الفيسيولوجية هي جزءٌ من الضعف الذي يأتي مع التقدم بالعمر. الشيء الحسن في الموضوع هو أن الضرر ليس دائمٌ. حيث تقول ماير: “الخبر الجيد هو أننا أظهرنا لاحقاً أن هذه الآثار السلبية على الصحة قابلةٌ للعكس عندما تتم إعادة دورة الضوء والظلام إلى الوضع الطبيعي”.

عندما فحص الباحثون النشاط الدماغي للحيوانات خلال التجربة وجدوا اضطراباً شديداً في النظام اليوماوي للفئران الذي يتم التحكم به من قبل منطقةٍ من الدماغ تسمى النواة فوق التصالبية، ويعتقد الباحثون أن هذا الاضطراب هو المسبب لهذه الآثار السلبية على الصحة بما فيها خسارة العظام إلى ما يصل إلى ثلث حجمها.

بينما بدأت هذه الآثار السلبية للتحفيز بواسطة الضوء المستمر في الاختفاء بعد أسبوعين من إعادة دورة الضوء والظلام إلى الوضع الطبيعي، إلا أن النتائج تعتبر كتذكيرٍ آخرٍ لمدى الضرر الذي يمكن أن يحدث عند خروجنا عن دورة الضوء والظلام الطبيعية؛ كعملنا بنظام المناوبات أو استخدامنا للجوال أو الحاسوب في منتصف الليل.

تقول ماير: “نحن اعتدنا على اعتبار الضوء والظلام محفزان محايدان أو غير مؤذيان بالنسبة إلى الصحة”. وتضيف: “أدركنا الآن أن هذه ليست الحال … هذا غير مفاجئٍ ربما بما أن الحياة تطورت تحت ضغطٍ ثابتٍ من دورة الضوء والظلام. ويبدو أننا مجهزون للعيش تحت هذه الدورات، والوجه الآخر للعملة هو أننا نتأثر الآن بنقص هذه الدورات”.

النتائج بُنيت على أبحاثٍ سابقةٍ تقترح أن من الممكن أن يكون اعتمادنا المستمر على الضوء الصناعي مضراً بالصحة. حيث وجد مجموعةٌ من العلماء في المملكة المتحدة العام الماضي أن “الصيف الأبدي” الذي تقدمه لنا الأضواء والتدفئة الكهربائية يسبب انفصالاً خطيراً بيننا وبين التواتر الموسمي الخاص بالطبيعة.

كتب الباحثون المشاركون في الدراسة: “نمط حياة الإنسان تحت هذه الظروف الصناعية من الصيف الأبدي يوفر المثال الأشد تطرفاً للانفصال عن المواسم الطبيعية بشكلٍ مقلقٍ، جاعلاً بذلك البشرية عرضةً للزيادة في معدل الاعتلال والوفيات”.

تم الإبقاء على الحيوانات في أقفاصٍ مضاءةٍ في تجربة الفئران، لذلك فإنه من الممكن أن تكون الآثار مرتبطة غالباً مع الإضاءة الرأسية المستمرة والساطعة.

بينما ينام العديد منّا في الظلام، إلا أن هناك بعض المستويات من الإضاءة المحيطة التي يصعب تجنبها في المدن خلال الليل بالتأكيد. ناهيك عن ذكر الأشخاص في المستشفيات ودور رعاية المسنين، حيث ينامون غالباً والأنوار مضاءةٌ دون أن يستطيعوا التحكم بذلك. ولا ننسى أيضاً عمال المناوبة والذي قد يجدون أن حجب جميع أشعة الشمس عندما يرتاحون في النهار أمراً صعباً. وآخرون ينامون مع توهج شاشات الحاسوب طول الوقت.

الآثار المترتبة على هذا النوع من الأبحاث هي أننا قد نحتاج لأن نراقب أو ننظم طرق استعمالنا للإضاءة والأجهزة الكهربائية التي توفر الإنارة الصناعية، وذلك بقدر ما نراقب الأنشطة والمواد الأخرى التي نعلم الآن أنها مضرةٌ لصحتنا. وتقول ماير لريبكا بويل في مجلة نايتشير ” أصبحنا نعلم بأن التدخين سيء، وأن السكر سيء، لكن الضوء لم يكن مشكلةً مطلقاً”. وأضافت: “الضوء والظلام مسألةٌ مهمةٌ”. ولقد تم نشر النتائج في دورية الأحياء الحالية.

المصدر (sciencealert)

بيتر دوكريل (Peter Dockrill )
جوهانا ماير (Johanna Meijer)
المركز الطبي بجامعة لايدن بهولندا  (Leiden University Medical Centre in the Netherlands)
دورة الضوء والظلام (light-dark cycle)
هشاشة العظام (osteoporosis)
النظام اليوماوي (circadian rhythm)
حجم (volume)
النواة فوق التصالبية (suprachiasmatic nucleus)
التواتر الموسمي (seasonal rhythm)

Comments are closed.