رؤية نوم الأشجار للمرة الأولى

بواسطة أندي كوغلان.
ترجمة: الهنوف الحربي.
تدقيق: أغادير.
إنها لا تشخر، ولكنها قد تصدر صريراً أثناء النوم. حيث تم اثبات ولأول مرةٍ أن الأشجار تخضع لتغيراتٍ جسديةٍ ليلاً والتي يمكن تشبيهها بالنوم، أو على الأقل بدورات الليل والنهار التي رُصدت تجريبياً في النباتات الصغرى. فلقد شُهد الآن تدلي فروع أشجار البتولا* في نهايتها الآن بنسبةٍ تصل إلى 10 سم في نهاية الليل.

يقول أندرياس زلنسزكي من مركز البحوث البيئية في تيهاني بهنغاريا: “لقد كان تأثيراً واضحاً جداً، وطُبق على الشجرة كلها”. وأضاف: “لا أحد لاحظ هذا التأثير من قبل على نطاق الأشجار كلها، ولقد فُوجئت بمدى التغييرات”.

زلنسزكي وزملاؤه مسحوا أشجاراً في النمسا وفنلندا بواسطة حزمٍ من الليزر بين الشروق والغروب. ومن الوقت الذي تأخذه الحزم للارتداد من الأفرع والأوراق، يمكن قياس حركة كل شجرة في بصورةٍ ثلاثية الأبعاد وبدقةٍ تصل لعدة سنتيمترات.

 

التدلي في الظلام

يقول عضو الفريق ايتو بوتنن من معهد البحوث الجغرافية الفنلندية في ماسالا: “إن هذه التجربة هي الأولى من نوعها”. وأضاف: “لقد تم القيام بهذه الدراسات فقط من قبل في النباتات الصغيرة، ولكن كان من الممكن هنا أن نفعل ذلك خارجاً في أشجارٍ نمت بشكلٍ كاملٍ”.

تفحص الفريقين كلاً من شجرتي بتولا على مدار ليلةٍ واحدةٍ، واحدةٌ في فنلندا والأخرى في النمسا. حيث مسحوا الشجرة الفنلندية 11 مرةٍ، أيّ ما يقرب مسحاً في الساعة الواحدة، و 77 مسحاً على شجرة النمساوية، أيّ حوالي مسحٍ كل 10 دقائق. يقول بوتونن استخدموا المسح بالليزر بدلاً من مراقبة الحركة تصويرياً، لذلك لم يكن عليهم إنارة الأشجار بالضوء الذي قد يغير النتيجة.

في الليل (اليسار) فروع الأشجار متدلية أكثر من اثناء النهار (اليمين)

الصورة مقدمة من جامعة فيينا للتكنلوجيا، * TU فيينا

تم المسح في ليلةٍ هادئةٍ لتجنب آثار الرياح، وفي يوم الاعتدال الشمسي* في كلاً من البلدين لضمان تماثل طول الليل تقريباً. قال عضوٌ آخر من الفريق من الجامعة التقنية في فيينا في النمسا نوربرت فايفر: “نحن على يقين أنه ليس تأثير عامل آخر”.

من المحتمل أن يكون التدلي نتيجةً لفقد ضغط الماء الداخلي في خلايا النبات، وهي ظاهرةٌ تسمى ضغط الامتلاء. حيث قال زلنسزكي: “هذا يعني أن الأفرع والسيقان والأوراق تكون أقل صلابةً، وأكثر عرضةً للتدلي تحت تأثير وزنها”..

ضغط الامتلاء بدوره يتأثر بالبناء الضوئي، وهي العملية التي يقوم من خلالها النباتات باستخدام ضوء الشمس لخلق السكر من ثاني أكسيد الكربون والماء. ويقول زلنسزكي أن عملية التمثيل الضوئي تتوقف في الظلام، لذلك هذا في حد ذاته قد يفسر تدلى الفروع.

هل الشجرة وحدها؟

يمكن أيضاً للأشجار أن “تريح” فروعها. فالزاوية الفروع والأوراق تكون أعلى خلال النهار، مما يسمح للأوراق بالحصول على المزيد من ضوء الشمس، لأنه لا يوجد تظليلٌ ذاتيٌ أقل من الأوراق التي بالأعلى. ولكن هذا يستهلك الطاقة بكثافة ولا يخدم أيّ غرضٍ في الليل عندما لا يكون هناك ضوءٌ. لذلك هو تدليٌ متعمدٌ يمليه دورة النوم الليلية النشطة أو السلبية، والتي يمليها الاختلافات في توّفر المياه والضوء؟ وقال زلنسزكي: “وهذا لا يمليه شيءٌ”.

 يأمل الفريق تالياً أن يرى ما إذا كانت أنواع الأشجار الأخرى “تنام”. قال زلنسزكي: “أنا واثقٌ من أنها ستنطبق على غيرها من الأشجار”. إن الأهداف المثالية هي أشجار الحور* والكستناء*، وذلك لأن الباحثين في فكوا شفرة الجينوم لكلاً من الشجرتين على حد السواء وحددوا الموروثات المرتبطة مع إيقاعات الساعة الأحيائية، والتي يمكن أن تساعدهم على معرفة أيّ الموروثات تشارك في السلوك.

يقول جيم روبرتسون مالكون من كلية دارتموث في هانوفر، نيو هامبشاير: “لقد كانت هناك بعض الدراسات على إيقاعات الساعة البيولوجية في الأشجار، ومعظمهم من دراسة التعبير الوراثي. ولكن هذا البحث الأخير هو طريقةٌ جميلةٌ لمشاهدة ذلك يحدث في الأشجار الفردية”. وأضاف: “إنه يظهر الأشياء التي تحدث في العالم الحقيقي.”

يقول مالكون أن الدراسات على عباد الشمس* ربط إيقاع الساعة الأحيائية بقدرة المياه على السفر في جذع النبات. “إن إمدادات المياه قد تكون وراء التأثيرات التي تٌلاحظ”، وأضاف: “من المعقول أن تشك في أنها ليست مجرد إمدادات المياه، بل أن مقدرة النبات للنقل يمكن السيطرة عليه من قبل النبات نفسه”. ويقول أن احتمالٌ واحدٌ لاستكشاف الآليات الكامنة تمكن في التجارب المتحكم بها على أشجار البتولا الصغيرة في البيوت المحمية.

يمكن أن يكون لمعرفة المزيد عن كيفية إدارة الأشجار لمياهها فوائدٌ عمليةٌ. فعلى سبيل المثال، من الأسهل الشعور بالأشجار إذا كان الخشب جافاً. وبالمثل، يمكن لفهمنا الأعمق لكيفية إدارة ري الأشجار أن يساعد خبراء المناخ على تطوير فهمٍ أفضل للآثار المترتبة للغابات على تغير المناخ والطقس.

 

المصدر (newscientist)

* البتولا: أحد أجناس النبات يتبع الفصيلة القضبانية
* TU: جامعة فيينا للتكنولوجيا
* الاعتدال الشمسي: يكون خلال أحد أربعة أيام في السنة 20 مارس (آذار) أو 20-21يونيو (حزيران) أو 22-23 سبتمبر (أيلول) أو 21-22 ديسمبر (كانون الأول) يكون النهار والليل متساوون في الطول 12 ساعة لكل منهما
* الحور: أحد أجناس النبات ويتبع الفصيلة الصفصافية
* الكستناء: جنس نباتي يضم ثمانية أنواع ويتبع الفصيلة البلوطية
* عباد الشمس: نبات من النوع والجنس دوار الشمس ويتبع الفصيلة النجمية
أندي كوهلان Andy Coghlan
ايتو بوتنن Eetu Puttonen
معهد البحوث الجغرافية الفنلندية Finnish Geospatial Research Institute
ماسالا  Masala
الجامعة التقنية the Technical University
فيينا في النمسا Vienna in Austria
نوربرت فايفرNorbert Pfeifer
نبات البتولا Betula betulaceae
نبات الحور Populus
نبات الكستناء Castanea

Comments are closed.