الإرهابي في دماغ زوجي

كتابة: سوزان شنايدر ويليامز، زوجة الممثل الشهير روبن ويليامز الذي مات منتحراً في الحادي عشر من شهر أوغسطس من العام 2014مـ.
ترجمة: هبه عبدالله المنيع.

*المترجم: سيتم إرفاق المصطلحات الإنجليزية الأصلية بنظريتها العربية المترجمة في نهاية المقال.

أكتب لأشارككم قصةُ، أحكيها لكم على وجه الخصوص، آملةً أنها ستساعدكم في فهم مرضاكم، وأزواجهم، ومقدمي الرعاية أعمق. أما بالنسبة للأبحاث التي تجرونها، ربما سيضيف هذا بعض الأوجه وراء سبب ما تفعلونه، وأنا متأكدةٌ أن هناك الكثير منها بالفعل. وإن هذه قصةٌ شخصيةٌ، مأساويةٌ ومؤلمةٌ للأسف، ولكني موقنةٌ أن مشاركتي لهذه المعلومات ستساعدكم في إحداث فارقٍ في حياة الاخرين.

كما قد تعلمون، كان زوجي الممثل روبين ويليامز يعاني من مرض أجسام لوي الفتاك الذي لا يعرف عنه إلا القليل، ومات منتحراً عام 2014مـ على أثر الأعراض والحالة الصحية التي وصل إليها لهذا المرض الخاطف، والشديد، والمربك، والسريع نسبياً. ولم يكن زوجي الوحيد الذي خاض هذه التجربة المأساوية مع هذا المرض العصبي. فكما قد تعلمون، هناك حوالي ١.٥ مليون مريضٍ في أرجاء البلاد يعانون مثل روبين الآن.

بالرغم من أنه لم يكن الوحيد، إلا أن حالته كانت بالغة الشدة. فلم أعرف أن مرض أجسام لوي المنتشر هو ما أودى بحياته حتى صدر تقرير الطب الشرعي بعد ثلاثة أشهر من انتحاره، وصرح جميع الأطباء الأربعة الذين قابلتهم بعد ذلك وراجعوا سجله وتقاريره أن حالته المرضية هي من أسوء الحالات التي قد شهدوها، فقد تلفت حوالي 40% من أعصاب الدوبامين، ولم تكن هناك أيّ أعصابٍ خاليةً من أجسام لوي في جميع أجزاء الدماغ وجذع الدماغ.

كان روبين روحاً أعظم من الحياة، في جسد رجلٍ عاديٍ بعقلٍ بشريٍ، وسيظل أعظم من ذلك، ولكن كان مقدراً أن يكون واحدًا من الستة الذين يصيبهم مرضٌ في الدماغ.

أنا لم أخسر زوجي فقط جراء إصابته بأجسام لوي، ولكني خسرت أعز صديقٍ، فلقد كان يجد كلاً منا في الآخر ملاذاً آمناً من الحب غير المشروط الذي لطالما تقنا إليه. فطوال سبع سنواتٍ معاً، أطلعنا بعضنا البعض على أعظم آمالنا ومخاوفنا دون إطلاق أيّ أحكامٍ على بعضنا، فقط نعطي الأمان. فكنا نقول أننا المرسى والتعويذة السحرية لبعضنا البعض، تلك التعويذة ذات المزيج السحري من للمشاعر المختلطة عند حضرة كل منا للآخر.

كان استعراض سير أيامنا من أفضل الأشياء الأساسية التي نقوم بها معاً. وكان عادةً أكثر من كونه في نهاية اليوم فقط. ولم يكن مهماً ما إن كنا نعمل سوياً في المنزل، أو مسافرين سوياً، أو كان يقود على الطريق. كنا نناقش أفراحنا، وانتصاراتنا، ومخاوفنا، وما يقلقنا، واهتماماتنا. كانت أيّ عقبةٍ ترميها الحياة في طريقنا كفردٍ أو زوجٍ سهلة التخطي بطريقةٍ ما، لأننا لدينا بعضنا البعض. وعندما أغارت أجسام لوي وأمطرت علينا بأعراضها، كان الأساس لهذه الصداقة والحب هو الحصن المنيع لنا.

أخذ الجو يجف والألوان تتغير، كنا في أواخر شهر أكتوبر 2013مـ وفي الذكرى الثانية لزواجنا. كان روبين تحت رعاية أطبائه، لقد كان يعاني من أعراضٍ بدت غير مترابطةٍ: كالإمساك، وصعوبةٍ في التبول، وحرقةٍ، وأرقٍ، وضعفٍ في حاسة الشم، والكثير من التوتر، كما كان يعاني من رعشةٍ تظهر وتختفي في يده اليسرى، وكانت تُعزى وقتها إلى الإصابة السابقة في كتفه الأيسر.

في عطلة نهاية الأسبوع تلك بالذات، بدأ حدسه يخبره بوجود أمر مقلق، ولكوني كنت بجانب زوجي طوال السنوات الماضية، فلقد كنت أعرف جيداً ردات فعله الطبيعية عند خوفه وقلقه. ولكن خوفه الشديد هذه المرة ليس من طبعه، فمؤشر خوفه وقلقه قد ارتفع ارتفاعًا حادًا ووصل إلى مرحلة مزعجة ومقلقة. لقد تساءلت في سري ما إن كان زوجي مصاباً بالوسواس المرضي؟ ولم اكتشف أن الخوف والقلق المفاجئين والمزمنين يمكن أن يكونا إشارةً مبكرةً للإصابة بمرض أجسام لوي.

لقد أجرى فحصًا لالتهاب الرتج، وكانت النتائج سلبية. وبدى أن تلك الأعراض تظهر وتختفي في أوقاتٍ عشوائيةٍ كسائر الأعراض التي ظهرت بعد ذلك. وكانت بعض الأعراض ظاهرة أكثر من غيرها، بيد أنها زادت في التردد والشدة على مدى العشرة أشهر التي تلت.

بحلول الشتاء، بدأت المشكلات مع الذهان، والهلاوس، والأرق، وفقدان الذاكرة، وارتفاع معدلات الكورتيزول تضرب بسياطها، وهذا كله غيضٌ من فيضٍ. وكان العلاج النفسي والطبي مستمراً في محاولة ضبط وإيجاد حلٍ للحالة التي وصل إليها والتي كما يبدو ميئوساً منها.

اعتدت على أن نقضي وقتنا سويا في استعراض أيامنا، وذلك على الرغم من أن المواضيع التي بدأت تسيطر على النقاش أصبحت تسقط  في خانة الخوف والقلق، وأصبحت هذه المخاوف التي كانت تأخذ حيزًا طبيعيًا من حديثنا هي الصوت الذي يطغى على أفكاره، وعند مراجعة تقرير الطب الشرعي استطاع الطبيب أن يشير إلى وجود تركيز عالي لأجسام لوي في لوزة الدماغ، ومن المرجح أن هذا هو سبب الذهان الحاد وردود الفعل الانفعالية غير النمطية التي كانت تنتابه، يا ليته استطاع أن يعرف سبب معاناته، فمخاوفه ليست لوهن في قلبه، أو روحه، أو لضعفٍ في شخصيته.

مع بداية شهر إبريل في عام 2013 مـ، أصيب روبين بنوبة هلعٍ. وكان في فانكوفر يصور فلم “ليلةٌ في المتحف ٣”. وقد أوصى الطبيب بعقارٍ مضادٍ للذهان ليخفف من القلق. وقد بدى أن العقار قد أثر تأثيرًا إيجابياً على بعض الأشياء، وكان ذا تأثير سلبيٍ بالغٍ الشدة على أشياء أخرى، لذا اتجهنا بسرعة للبحث عن عقارٍ آخر مضادٍ للذهان، ولم أكتشف أن الأدوية المضادة للذهان تفاقم سوء حالة المصابين بمرض أجسام لوي إلا بعد رحيله.  وكان روبين أيضاً يعاني من حساسيةٍ مفرطةٍ للأدوية، وبالتالي كانت ردات فعله غير متوقعةٍ في بعض الأحيان، وهذه على ما يبدو صفةٌ مشتركة في المرضى الذين يعانون من مرض أجسام لوي.

في أثناء تصوير الفلم لم يكن روبن قادرًا على تذكر سطرًا واحدًا على الأقل للمشاهد التي سيصورها، بينما مثل قبل ثلاث سنوات في مسرحية “النمر البنغالي في حديقة بغداد” من إنتاج برودواي، ودام موسم عرضها لخمسة أشهر كاملة، وكان غالبًا يؤدي عرضين في اليوم الواحد متضمنين مئات السطور وبدون أي غلطة واحدة، لذا فقد أدى فقدانه للذاكرة وفقدانه السيطرة على قلقه إلى تدميره.

عندما كنت في جلسة تصوير في بحيرة فينكس ألتقط مناظر لأرسمها اتصل بي عدة مرات وكان قلقًا جدا حيال شعوره بعدم الأمان اتجاه نفسه وبتعامله مع الآخرين. وناقشنا كل مخاوفه بالتفصيل، ووجدت أنها محض أوهام ولم أستطع اقناعه بذلك، لم يكن بيدي حيلة في مساعدته لأن يرى ذكاءه.

لأول مرةٍ، لم يسعفني منطقي، ولا براهيني، ولا سلامة عقلي في مساعدة زوجي لأن يبصر النور في آخر نفق خوفه، لقد شعرت بعدم اقتناعه بالحقائق التي كنت أقولها. لقد تحطم قلبي وتبخر أملي لبعض الوقت. فقد وصلنا لمرحلةٍ لم نعهدها من قبل رأيت فيها زوجي عالقاً في براثن هندسة أعصابه الملتوية ومهما كنت أبذل قصارى جهدي لم أستطع تخليصه.

انتهى التصوير مع بداية شهر مايو وعاد من فانكوفر، عاد مثل طائرة بوينج 747 تهبط بدون عجلاتٍ. وعلمت حينها أن المصابين بأجسام لوي من ذوي معدلات الذكاء العالية قد يبدون على ما يرام في بداية الأمر لفترةٍ أطول، حتى ينهار السد ولا يمكنهم كبح معاناتهم أكثر من ذلك. أما في حالة روبين، فعلاوة على أنه ممثل بارع فإنه خريج جوليارد. لذا لن أعرف أبداُ مدى العمق الحقيقي لمعاناته، ولا مدى مشقة ما كابده. ولكن من حيث كنت أقف رأيت أشجع رجلٍ في الدنيا يؤدي أصعب دورٍ له في حياته.

كان روبن يفقد عقله وكان يعي ذلك، هل تتصورون الأسى الذي شعر به عندما كان يرى أن قواه خارت ونُخِرت من شيء لم يعرف اسمه أو حتى يفهمه؟ ولن يستطيع هو ولا أحد أن يوقفه، ولا يوجد قدر كافي من الذكاء أو الحب أن يقضي عليه.

وقفت في ظلام جهلي لما يحصل لزوجي ما بيدي حيلة، في حيرةٍ أتساءل ما إذا كان هناك مصدرٌ واحدٌ فقط أو إرهابيٌ واحدٌ فقط، أو حزمةً من الأمراض التي امطرت عليه مرضًا تلو الاخر؟

كان دائمًا يردد: “فقط أريد إعادة تهئية دماغي.” مواعيد الطبيب، والفحوصات، وزيارة الطبيب النفسي أمورٌ جعلتنا ندور في حلقة مفرغة، أجرينا عدد لا يحصى من فحوصات الدم، وفحوصات البول، بالإضافة إلى إعادة فحوصات مستوى الكورتيزول في الدم والعقد الليمفاوية، وكذلك أُخِذت أشعة للدماغ بحثًا عن ورم في الغدة النخامية، كما أعاد طبيب القلب فحص قلبه، وجاءت جميع الفحوصات بنتائج سلبية ماعدا وجود ارتفاع في معدلات الكورتيزول، حينها أردنا أن نبتهج لذلك ولكني أنا وروبن كنا على يقين بأن هنالك أمر جلل وغير طبيعي.

في 28 مايو شُخص بإصابته بمرض باركنسون. فأصبح لدينا جواب وامتلئ قلبي بالأمل، إلا أن روبن لم يتقبل الأمر.

عندما كنا في مكتب طبيب الأعصاب لنعرف بالضبط ماذا يعني ذلك، كان لدى روبين الفرصة لطرح بعض الأسئلة الملحّة، لقد سأل: هل لدي الزهايمر؟ الخرف؟ هل أعاني من الفصام؟ وجاءت الإجابات كما أردنا: لا، لا، ولا. لم يكن هناك مؤشراتٌ لهذه الأمراض الأخرى. لذا بدا لي جلياً آنذاك أنه كان يخفي عمق الأعراض التي تنتابه عني.

استمر روبين في القيام بالأمور الصحيحة كلها: العلاج، والعلاج الطبيعي، وركوب الدراجة، والتمارين مع مدربه. كما مارس جميع المهارات التي اكتسبها وطورها في مأوى دان اندرسون في ولاية مينيسوتا، مثل خطة علاج الإدمان والتعاطي المكونة من ١٢ خطوة أكثر عمقا، وتمارين التأمل، واليوغا. وكذلك ذهبنا لرؤية اختصاصيٍ في جامعة ستانفورد الذي علمه تقنيات التنويم المغناطيسي الذاتي لكبح خوفه وقلقه اللّامنطقيين. ولكن لم يدم أثر تلك الأشياء طويلاً في التخفيف من الأعراض التي تنتابه.

أثناء كل ذلك، كان روبين قد تعافى من الإدمان، وتمكنا بطريقة ما من ملء أشهر الصيف تلك بالسعادة والبهجة، والأشياء البسيطة التي نحب: كوجبات الطعام المفضلة، والاحتفال بأعياد الميلاد مع العائلة والأصدقاء، والتأمل سويًا، وجلسات التدليك، ومشاهدة الأفلام. ولكن أكثر ما كنا نفعله هو الإمساك بأيدي بعضنا البعض.

بدأت تخور قوى روبين. واختفت تعابير وجهه وظهر مكانها قناع باركنسون وأخذ صوته يضعف، وأصبحت الرعشة في يده اليسرى مستمرةً، وأخذ يمشي ببطءٍ مع جر قدميه، كما مقت عجزه في استحضار الكلمات التي يرغب في قولها أثناء حديثه مع الاخرين، كان يركل ويضرب أثناء نومه وفي الوقت ذاته يعاني من أرقٍ شديدٍ، ومرات يجد أن قدميه قد تيبستا وأنه لم يعد قادراً على الحراك، ويشعر بالإحباط في حال خروجه من حالة التيبس، وكان قد بدأ يواجه مشكلاتٍ في القدرات البصرية والتوازنية من حيث الحكم على المسافة والعمق، وكذلك فقدانه لمهارات التفكير الأساسية زادت من تشوش ذهنه المتفاقم.

لقد بدى وكأنه يغرق في الأعراض التي انتابته، وكنت أغرق معه، وكانت أعراض مرض أجسام لوي تظهر وتختفي في أوقات عشوائية عادةً، بل في نفس اليوم، فلقد رأيت زوجي الذكي قادراً على التركيز والتفكير بسلاسةٍ لدقيقةٍ، وتائه ومشوش الذهن في الخمس دقائق التي تليها.

كان لتاريخ زوجي المرضي دورًا في تعقيد التشخيص، ففي حالة روبن كان يعاني اكتئابًا ظل خاملًا لست سنوات والذي فسر باحتمالية ارتباطه بداء باركنسون. وخلال معركة روبن مع المرض، فقد انتابته الأربعين عرضًا من أعراض داء أجسام لوي ماعدا عرض واحد؛ لم يقل يومًا بأنه كان يعاني من هلوسات. وبعد سنة من رحيله، ومع حديثي مع أحد الأطباء الذين استعرضوا سجلاته، بدا واضحًا أنه كانت تنتابه هلاوس ولكنه أخفى الأمر.

في أواخر شهر يوليو أخبرنا الطبيب عن حاجة روبن لدخول المستشفى لإجراء فحص للإدراك العصبي لتقييم الاضطراب المزاجي، وأثناء ذلك استبدل دواءه ميرابيكس بـ سينيميت في محاولة لتخفيف الأعراض. وكان الطبيب قد طمئننا بأن روبن سيتحسن قريبًا، وأن مرض باركنسون لازال في بدايته، وأن حالته ليست بحرجه، فشعرنا بالأمل يحيى من جديد، مالم نكن نعرفه هو أن هذه الأمراض متى ما ظهرت وبدأت (وشُخّصت) فإن ذلك يعني أنها موجودةٌ منذ وقتٍ طويلٍ في الواقع.

أصبح عجزنا عن النوم يُشكل خطراً على كلانا الآن، وأرشدنا الطبيب بأن ننام منفصلين إلى أن نقدر على العودة للنوم، وكان الهدف من ذلك جعله يبدأ الفحوصات السريرية بدون حالة الحرمان من النوم التي كان يعاني منها. ومع اقتراب إجازة نهاية الاسبوع الثانية من شهر أغسطس، بدا أن الهلاوس بدأت تخف، فربما كان ذلك مفعول استبدال الدواء، لقد قمنا بجميع الأشياء التي نحبها صباح السبت حتى المساء، وكان كل شيءٍ مثالي كموعدٍ غراميٍ طويل، ومع نهاية يوم الأحد شعرت أنه بدأ يتحسن.

عندما أردنا الخلود إلى النوم قال لي زوجي كما اعتدت: “تصبحين على خيرٍ، حبيبتي”. وانتظر بعدها ردي المعتاد:” تصبح على خيرٍ، حبيبي”. ما زال صدى كلماته يتردد في قلبي حتى هذه اللحظة. وفي الإثنين الموافق للحادي عشر من شهر أغسطس، رحل روبين.

بعد رحيله لم يعد الوقت يمض كما كان بالنسبة لي، وكان بحثي عن معنى قد تضاعف نحو كل جانب من جوانب عالمي بل حتى نحو أبسط الأشياء.

في الأشهر الأخيرة التي عشناها سويًا، بدأنا أنا وروبن بحثنا على الدماغ دون تخطيط مسبق، فخضنا تجربة غير متسلحين فيها بخبرة سابقة. كانت أنظارنا مهووسة في التعرف على الإرهابي داخل دماغ زوجي وإخضاعه، ومنذ ذلك الحين أكملت بحثنا ولكن على الصعيد الآخر من التجربة، متسلحة بالعلم.

أصبح تقرير الطب الشرعي جاهزاً للاطلاع عليه أخيراً بعد ثلاثة أشهرٍ من وفاة روبين، وعندما سألني الطبيب الشرعي ونائب المشرحة عما إذا كنت متفاجئةً من انتشار مرض أجسام لوي فقلت: ” بالطبع لا”. بالرغم من أنه لم يكن لدي أيّ فكرةٍ عما كان يعنيه ذلك آنذاك، ولكن الحقيقة المحضة بأن هناك شيئاً اجتاح كل المناطق في دماغ زوجي تقريباً هي المنطق بعينه بالنسبة لي.

بعد سنةٍ أخذت أوسع اطلاعي وفهمي لمرض أجسام لوي. فقابلت أطباء اختصاصيين راجعوا سجلات روبين الطبية للسنتين الماضيتين، وتقارير المشرحة، وتقارير أشعة الدماغ، واتفقوا جميعاً بأن حالة روبين كانت أحد أسوأ حالات الإصابة بمرض أجسام لوي، ولم يكن هناك بيد أيّ أحدٍ شيءٌ يعمله حيال ذلك، لقد كان فريقنا الطبي في المسار الصحيح وكنا سنصل هناك حتماً في نهاية المطاف، وبصراحة لقد كنا على وشك الوصول.

لكن هل كان وصولنا للتشخيص الصحيح عندما كان على قيد الحياة سيشكل فارقاً في حين أنه ليس هنالك علاجٌ؟ لن نعرف أبداً إجابة هذا السؤال. أنا غير مقتنعة بأن معرفتنا ستقدم شيئاً أفضل من إطالة معانة روبين ليكون أحد أشهر من يخضعون لتجربة الأدوية الجديدة وللتجارب الطبية المستمرة. وحتى لو كان عزاءنا هو أننا عرفنا اسم ما يعاني منه، وشعرنا بأملٍ مؤقتٍ من وجود أدويةٍ تعطي راحةً مؤقتةً، فإن الإرهابي الذي في دماغه كان له بالمرصاد. فلم يكن هناك أملٌ بالشفاء وكان تدهور روبين الحاد والسريع أمراً لا مفر منه.

إن الانتشار الهائل لأجسام لوي الذي شمل دماغه سبب تلفاً كبيراً للأعصاب والنواقل العصبية، ولكم أن تقولوا أنه حرباً كيميائيةً شنت على دماغه. وصرح أحد الاختصاصيين: “ما حصل له أشبه بمن اجتاح السرطان كلّ عضوٍ من جسده”. وبدى أن المشكلة الأساسية تكمن في أنه لم يستطع أحد تفسير أعراض روبين في الوقت المناسب. ولقد كنت أسعى لتعلم كل ما أستطيع تعلمه عن هذا المرض الذ عرفت اسمه أخيراً، وإن بعض ما تعلمته أذهلني.

وصف أحد اختصاصيي علم الأمراض العصبية داء أجسام لوي، ومرض باركنسون بأنهما يقعان على طرفي نقيض من طيف المرض، وأن ذلك الطيف مبني على قاسم مشترك بينهما: وهو ظهور أجسام لوي- التكدس غير الطبيعي للبروتين الطبيعي، والألفا- سينكلين بين أعصاب الدماغ، كما صدمت عندما علمت أن تشخيص داء أجسام لوي مقابل تشخيص مرض باركنسون يعتمد على أي الأعراض ظهرت أولًا.

بعد أشهرٍ طويلة، تمكنت من تحديد مرض روبن، ووجدت أنه كان يعاني من مرض باركنسون سريريًا، ولكنه كان يعاني من انتشار أجسام لوي مرضيًا (باثولوجيًا)، وكانت الأعراض المهيمنة التي انتابت روبن غير ملموسة، وأثبتت الباثولوجيا ذلك بحجة دامغة، بل يمكنكم أنتم تأمل ذلك حين أودت أجسام لوي بحياة روبن.

الطريق الذي سرنا به أنا وروبين قادني إلى التعرف على الأكاديمية الأمريكية لطب الأعصاب وجماعاتٍ أخرى من الأطباء. كما قادني لاكتشاف مؤسسة الدماغ الأمريكية حيث أشغل الان منصب عضو مجلس الإدارة. ومن هنا يأتي دوركم في القصة:

فأنا على يقين من أن صراع روبن ما كان ليذهب سدى فيمت متأثرًا بمرضه لو أن الشفاء كان من حليفه بعد معاناته المريرة. وأنتم تشغلون مكانةً فريدةً تؤهلكم للمساعدة في هذا الأمر.

أعلم أنكم حققتم الكثير بالفعل في مجالات البحث والاكتشاف عن علاجاتٍ لأمراض الدماغ. وموقنةٌ بأنكم شعرتم بأن التقدم بطيء للغاية أحياناً. لكن لا تستسلموا. وثقوا بأن سلسلةً العلاجات والاكتشافات لشتى ميادين أمراض الدماغ أمرٌ قريبٌ، وأنتم ممن سيكون لهم الفضل في التوصل إليها.

لو أن روبن قابلكم، لأحبكم، ليس لأنه كان عبقريًا ويحب العلوم والاكتشافات فقط، بل لأنه كان سيجد الكثير من المواد في عملكم ليستخدمها في الترفيه عن جمهوره، ومنهم الجيش الأمريكي الذي أحبه، إن أكثر دور كرره خلال مسيرته المهنية هو دور الطبيب.

أنتم وعملكم أوقدتم شعلةً في منطقةٍ من دماغي التي يكمّن فيها الفضول والاهتمام، وفي قلبي حيث يعيش الأمل. أريد أن أتبعكم، ليس كمعجبةٍ مجنونةٍ، بل كشخصٍ يعلم أنكم أنتم من قد يكتشف علاج مرض أجسام لوي، وأمراض الدماغ الأخرى. فشكراً على ما قدمتموه، وعلى ما ستقدمونه.

المصدر (neurology)

سوزان شنايدر ويليامز Susan Schneider Williams
مرض أجسام لوي (Lewy body disease)
جوليارد (Juilliard School)
الكورتيزول (Cortisol)
فينكس (Phoenix)
فلم ليلةٌ في المتحف ٣ (The Night at the Museum 3)
لوزة الدماغ (Amygdala)
مسرحية النمر البنغالي في حديقة بغداد (Bengal Tiger at the Baghdad Zoo)
ميرابيكس (Mirapex)
سينيميت (Sinemet)
الألفا-سينكلين (a-synuclein)
الأكاديمية الأمريكية لطب الأعصاب (American Academy of Neurology)
مؤسسة الدماغ الأمريكية (American Brain Foundation)

Website Comments