التزاوج مع النياندرتال يوضح سبب الفرق بين جهاز المناعة للأوروبيون والأفارقة

كتابة:بيتير دوكريل.
ترجمة: علي الزهراني.

وجد علماءٌ يبحثون في الجهاز المناعي للإنسان الحديث أن الاستجابات المناعية مختلفةٌ بشكلٍ ملحوظٍ بين الأوروبيين والأفارقة، وقد يكون ذلك جزئياً بسبب التزاوج القديم مع انسان النياندرتال قبل عشرات الآلاف من السنين. وقد يفسر هذا الاكتشاف سبب ولادة الأفارقة عموماً بجهاز مناعةٍ أقوى من ذلك الذي عند الأوروبيين، وسبب امتلاكهم لقابليةٍ أعلى للإصابة ببعض أمراض المناعة الذاتية.

يقول عالم الوراثة بجامعة مونتريال بكندا لويس باريرو: “كنت أتوقع أن أرى اختلافاتٍ مرتبطةٍ بالأسلاف في الاستجابة المناعية، لكن ليس كاتجاهٍ سائدٍ واضحٍ نحو إستجابةٍ مناعيةٍ أقوى إجمالا للعدوى بين الأفراد من النسل الأفريقي.” حيث قام بارير وفريقه بدراسة عينات دمٍ مأخوذة من 175 أمريكياً، وكان نصفها تقريباً من أصلٍ أفريقيٍ والنصف الآخر من أصلٍ أوروبي. ومن هذه العينات، قام الفريق بإستخلاص البلاعم (وهي خلايا مناعيةٍ تعمل على قتل الجراثيم)، ومن ثم أصابوها بنوعين من البكتيريا: الليستيرية والسَّلْمونيلَة.

عند مقارنة العينات بعد 24 ساعة، وجد الباحثون أن البلاعم من المجموعة الأفريقية قلَّلت من نمو البكتيريا بثلاث مراتٍ أسرع من المجموعة الأوروبية، وذلك بفضل الإستجابة الإلتهابية الأقوى. وفي ذلك منفعةٌ أكيدةٌ من ناحية مكافحة هذه الأنواع المحددة من البكتيريا، ولكن الباحثون يشيرون إلى أن ذلك يأتي أيضاً ببعض العيوب. حيث يقول باريرو: “إن الجهاز المناعي للأمريكيين الأفارقة يستجيب بشكلٍ مختلفٍ، ولكن لا يمكننا أن نستنتج أنه أفضل. حيث أن الإستجابة المناعية الأقوى تمتلك أيضاً آثاراً سلبية، بما في ذلك القابلية العالية للإصابة بأمراض إلتهابات المناعة الذاتية مثل مرض كرون.”

بالإضافة إلى قياس مدى فاعلية مكافحة البلاعم للجراثيم، حلل الباحثون النشاط الوراثي لهذه الخلايا المناعية، فوجدوا دليلاً يربط العينات الأوروبية بالحمض النووي للنياندرتال ولم يجدوا ذلك في الدم الأفريقي. ويفترض الفريق أن البشر الأوائل لاقو قارةً مستعمرةً من قبل النياندرتال عندما هاجروا لخارج أفريقيا وإلى أوروبا قبل حوالي 100,000 سنةٍ.

لآلاف السنين، قد يكون من الممكن أن هذين النوعين فعلا ما هو أكثر من مجرد التعايش معاً بجانب بعضهما. يث يقترح الباحثون أنهما تكاثرا معاً (اختلط نسلهما) أيضاً، وهو ما قد يفسر سبب وجود بقايا للحمض النووي للنياندرتال في الدم الأوروبي. إن كان الأمر كذلك، فلعلها منحتهم فائدةً في ظروف البيئة الجديدة التي وجد الأوروبيون الأوائل أنفسهم فيها، وذلك إضافةً لمنحهم خفضاً عاماً للإستجابات الإلتهابية، والذي قد يكون منطقياً خارج حرارة أفريقيا.

يقول باريرو لموقع لايف ساينس: “تشير نتائجنا إلى أن الأجهزة المناعية للأفراد المتحدّرين من الأصول الأفريقية والأوروبية تطورت لتستجيب بشكلٍ أفضل لإحتياجاتٍ محددةٍ فرضتها عليهم بيئاتهم الخاصة بهم. ما قد يكون مفيداً في بيئةٍ يحتمل أن يكون ضاراً في بيئة أخرى.” ففي دراسةٍ منفصلةٍ، قارن علماءٌ في فرنسا بين الإستجابات المناعية لمئتي فردٍ مقسمين بحسب السلالة: 100 من أصلٍ أفريقيٍ، و100 من سلالةٍ أوروبيةٍ.

في هذه المرة، قام الفريق وبقيادة الباحث ليويس كوينتانا مورسي من معهد باستر بالنظر إلى كيفية استجابة الخلايا المناعية المعروفة بوحيدات النوى لجزيئاتٍ بكتيريةٍ وفيروسيةٍ، بما فيها فيروس الإنفلونزا. فأظهرت الإختبارات أن الإستجابات المناعية الأوروبية للجراثيم اتسمت بإلتهابٍ أقل من الإستجابات الأفريقية، والتي تشبه إلى حدٍ كبيرٍ نتائج باريرو. وتماماً كما في الدراسة الكندية، أظهروا كذلك أن الموروثات المشابهة للنياندرتال في الدم الأوروبي لعبت دوراً هاماً في حدوث ذلك.

يقترح الفريق أن الأوروبيين الأوائل “إستعاروا” طفراتٍ وراثيةٍ من النياندرتال، وتشمل متغيراتٍ تنظم كيفية استجابة الجهاز المناعي للتهديدات مثل البكتيريا والفيروسات. ومن المحتمل أنه كان هناك حاجةٌ أقل للإستجابات الإلتهابية لدرء الجراثيم الخطيرة في مناخ أوروبا الأكثر برودة عما كانت عليه في أفريقيا، ويمكن أن يكون ذلك التكيف وفر فائدةً تطوريةً كامنةً أخرى أيضاً. يقول كويناتا مورسي لموقع ريسيرش جيت: “إن خفض الإستجابات الإلتهابية المناعية طريقةٌ لتجنب أمراض المناعة الذاتية، الإلتهابية، والحساسية”.

يقول أحد أعضاء لفريق: “إن معرفة الإستجابات المناعية المخفّضة منحتنا ميزةً تلقي الضوء على التسوية بين التعرف على الجراثيم وبين تجنب ردات الفعل الشاذة والمتفاقمة التي يمكن أن تكون ضارةً أيضاً للمضيف.” ويقر كلاً من الفريقين بأن هنالك الكثير من العمل الذي يجب القيام به للوصول إلى تفسيرٍ أفضل عن سبب عمل أجهزتنا المناعية بشكلٍ مختلفٍ جداً، ولكن عمل ذلك قد يساعدنا يوماً ما لتطوير أشياءٍ مثل العلاجات الشخصية، أو الأدوية المصممة لأعراقٍ معينةٍ.

بالإضافة إلى النظر نحو الماضي، نحتاج أيضا للنظر  لعوامل إجتماعيةٍ أخرى تتجاوز أسلاف الإنسانية القدماء. حيث يقول باريرو: “لا يزال هناك الكثير للقيام به. حيث تفسر الموروثات حوالي 30 في المئة فقط من الإختلافات الملاحظة في الإستجابات المناعية. يجب أن تركز دراساتنا المستقبلية على عوامل أخرى، مع التركيز على تأثير البيئة وسلوكنا.” ولقد نشرت كلاً من دراستا باريرو و ليويس كوينتانا مورسي في دورية سِيل.

المصدر: (sciencealert)

PETER DOCKRILL بيتير دوكريل
Neanderthal نياندرتال
autoimmune المناعة الذاتية
Luis Barreiro لويس باريرو
University of Montreal in Canada جامعة مونتريال بكندا
Macrophages البلاعم
Listeria ليستيريا
Salmonella السَّلْمونيلَة
inflammatory response استجابة إلتهابية
autoimmune inflammatory diseases الأمراض الإلتهابية المناعية الذاتية
Crohn’s disease مرض كراون
Lluis Quintana-Murci ليويس كوينتانا مورسي
the Institut Pasteur معهد باستور
Monocytes الخلايا وحيدات النوى
Life Science لايف ساينس
ResearchGate ريسيرش جيت
Cell سِيل

 

Comments are closed.