تمكن الفيزيائيين أخيراً من رصد جسيمٍ رباعي النيوترونات

كتابة: بيك كرو.
ترجمة: غالية الجبرتي.
مراجعة: عبدالحميد شكري.

رصد علماء الفيزياء الإشارات الأكثر وضوحاً حتى الآن لجسيمٍ رباعي النيوترونات، وهو جسيمٌ يتكون من أربعة نيوتروناتٍ ولا يحتوي على أيّ بروتونٍ. مما يزيد من فرصة احتمالية وجود هذا الجسيم الافتراضي فعلاً. فنظرياً، يستحيل وجود هذا الجسيم المراوغ جداً، نظراً للطبيعة غير المستقرة للنيوترونات الوحيدة. إلا أن علماءً يابانيون يقولون أنهم تمكنوا من رصد إشارةٍ له أثناء التجارب مؤخراً.

في حين تحتاج هذه النتائج إلى تكريرها بشكلٍ مستقلٍ قبل أن نستطيع أن نجزم بوجود هذه النواة الخرافية، حيث سنكون بصدد مواجهة تغييراتٍ كبيرةٍ لمفهومنا الحاليّ للقوى النووية إذا ما استطاع فريقٌ آخر أن يؤكد وجودها. يقول الفيزيائيّ النوويّ النظريّ بيتر استشوك من مركز فرنسا الوطنيّ للأبحاث العلمية، والذي لم ينخرط في الاكتشاف، مخبراً سينس نيوز: “ستكون ضجةً كبيرةً”.

ظل الفيزيائيون يبحثون عن النواة رباعية النيوترونات لعقودٍ، وبينما نشرت ورقةٌ علميةٌ في عام ١٩٦٥مـ تقول بعدم وجود أيّ دليلٍ على وجوده وأن “وجود جسيمٍ رباعي النيوترونات بعيد الاحتمال”، إن أربعة أوراقٍ علميةٍ منفصلةً نُشرت منذ ذاك الحين تؤكد على مشاهدةٍ تجريبيةٍ لهذا الجسيم.

قام الفيزيائيّ النظريّ فرانسيسكو ميغويل ماركويس وفريقه في مسرع غانيل في فرنسا باستخدام تقنيةٍ جديدةٍ لمشاهدة هذا الجسيم مؤخراً، وهي مشاهدة تحلل نواتي البريليوم والليثيوم. ففي عام ٢٠٠٢مـ، كانوا يقومون بمصادمة جسيمات البيريليوم-١٤ مع جسيمات الكربون في محاولةٍ منهم لتفكيك نواة البريليوم إلى أربعة نيوترونات.

وصفت إستر إنغليس أركيل عندما حدث التصادم على مدونة غيزمودو بأنه كان من المفترض أن يشاهدوا أربعة ومضاتٍ صغيرةٍ، ولكنهم شاهدوا بدلاً من ذلك ومضةً واحدةً كبيرةً، مما يدل هذا على أنها تفككت في كتلةٍ واحدةٍ.

إذاً، لماذا تُعد فكرة وجود أربعة نيوتروناتٍ معاً مستحيلةً جداً؟

تقول إنغليس أركيل: “حسناً، ينص مبدأ باولي للاستبعاد على أن من غير الممكن أن يكون للجسيمات نفس الأعداد الكمية في نفس النظام. وتبعاً لذلك، فإنه لا يمكن لنيوترونين أن يتواجدا معاً، فكيف بأربعة نيوترونات”. وتضيف: “لكن اصطدام أربعة نيوتروناتٍ بسرعةٍ عاليةٍ بذرة الكربون ووصولهم إلى كاشفٍ في نفس المكان تماماً وفي نفس الوقت يستحيل تقريباً بنفس استحالة فكرة أن هناك مبدأً فيزيائيّاً أساسيّاً بحاجةٍ للتغيير”.

وجد فريق ماركويس دليلاً مشابهاً في ٢٠٠٤مـ، ولكن لم يتمكن أحدٌ من تكرار نتائجهم، مما يجعل إمكانية التأكد الحقيقية مستحيلةً… حتى الآن. حيث قام فريقٌ من كلية خريجي العلوم بجامعة طوكيو أيضاً بالعمل على جسيمات البريليوم لإنتاج ما أسموها بحالات الجسيم رباعي النيوترونات.

قاموا بذلك عن طريق إطلاق شعاعٍ من أنوية الهيليوم (والتي تحتوي على بروتونين وستة نيوتروناتٍ) على هيليومٍ سائلٍ (والذي يحتوي على بروتونين ونيوترونين)، وحين اصطدمت الجسيمات، فُقدت أربعة نيوتروناتٍ. واستمر اختفاءها لحوالي جزءٍ من المليار من التريليون من الثانية الواحدة قبل أن تظهر مجدداً كاضمحلالٍ لجسيمٍ.

يقول أحد أعضاء الفريق ويدعى سوزومو شيمورا لشيرن رين تي من مجلة العالم الآسيويّ: “في كل مرة يتم فيها الكشف عن زوجٍ من جسيمات ألفا* من الاصطدامات الثانية، سيتبين بحسبةٍ بسيطةٍ أن المتبقي لدينا أربعة نيوتروناتٍ، ولكن هل تجمعت لتكون جسيماً واحداً أم أنها ببساطةٍ تطايرت كحطامٍ في اتجاهاتٍ متفرقةٍ؟”.

للتأكد من أيّ السيناريوهات كان مرجحاً أكثر، قام شيمورا وفريقه بقياس الطاقة المنبعثة من الجسيمات في التفاعل، واكتشفوا أنه لم تكن هناك طاقةٌ كافيةٌ لدفع كلٍّ من النيوترونات المفقودة بعيداً بشكلٍ مستقلٍ. يقول تي: “هذا يؤكد أن النيوترونات المتبقية كانت بالتأكيد مرتبطةً ببعضها لتكوّن الجسيم رباعي النيوترونات”.

والآن، ماذا بعد؟ تحتاج فرقٌ منفصلةٌ من الباحثين لاتباع منهجية هذا الفريق والحصول على نفس النتائج ودحض أية تفسيراتٍ منافسةٍ لما شاهدوه. فإن تمكنوا من ذلك، فلابد للفيزيائيين النظريين في جميع أنحاء العالم بأن يضعوا مبادئ أكثر دقةَ عن كيفية فهمنا لتصرف القوى النووية.

هذا شيءٌ مثيرٌ فعلاً، إذ أنه ليس بوسعنا في كل يومٍ أن نعيد النظر في مفهومنا الأساسيّ للكون، وليس هذا ما نستطيع أن نرى حدوثه فقط، بل قد يقودنا أيضاً لتقدمٍ مهمٍ في معرفتنا عن كيفية حقيقة وجود بعضٍ أكثر الأمور غموضاً.

يقول شيمورا: “إن كلاًّ من الأنوية الذرية الثقيلة (والتي يفوق عدد النيوترونات فيها عدد البروتونات بحوالي ٣-٢ في المتوسط) والنجوم النيوترونية تحتوي على كتلٍ ضخمةٍ من النيوترونات، والتي لا يزال فهمنا لسلوكها ضعيفاً جداً”. ولقد نشر هذا البحث في رسائل المراجعة الفيزيائية.

 

المصدر: (sciencealert)

* توضيح من المترجم: جسيم ألفا يحتوي على بروتونين ونيترونين، وزوجٌ منه يعني أن لدينا أربعة بروتوناتٍ وأربعة نيوتروناتٍ، إذاً يتبقى لدينا أربعة نيوتروناتٍ من التفاعل.

بيك كرو (BEC CREW)
جسيم رباعي النيوترونات (tetraneutron)
بيتر استشوك (Peter Schuck)
مركز فرنسا الوطنيّ للأبحاث العلمية (France’s National Centre for Scientific Research)
سينس نيوز (Science News)
فرانسيسكو ميغويل ماركويس (Francisco-Miguel Marqués)
مسرع غانيل (the Ganil accelerator)
البريليوم (beryllium)
الليثيوم (lithium)
إستر إنغليس أركيل (Esther Inglis-Arkell)
مدونة غيزمودو (Gizmodo)
مبدأ باولي للاستبعاد (Pauli exclusion principle)
كلية خريجي العلوم بجامعة طوكيو (University of Tokyo Graduate School of Science)
حالات النواة رباعية النيوترونات (tetraneutron states)
سوزومو شيمورا (Susumu Shimoura)
شيرن رين تي (Shern Ren Tee)
مجلة العالم الآسيويّ (Asian Scientist)

 

 

Website Comments

  1. Dr. Rafat

    تلك الحالة هي وصف حقيقي للعلم فالعلم – دائما – في تطور مستمر يبني آفاق المستقبل على أساسات الماضي ويجني ثمار الغد بالاعتماد على جذور الأمس بشرط أن نتأكد من صحة كل منهما وأنه من المتوقع أن نقابل مفاجآت تغير بعض معتقدات الفيزياء السابقة فربما فات على من وضع نظرية أو أسس مبدأ بعض الأفكار أو بعض الملاحظات في الطبيعة أو أنه كان ينظر إلى الظاهرة من وجهة نظر ضيقة أو لم تكن الامكانيات العلمية المتاحة حينها تساعد في فهم أعمق ولهذا ليس بمستغرب تعديل قانون فيزيائي أو نظرية كونية فكلاهما قابل للتعديل شريطة صحة التعديل وتوافقه مع بيانات الكون المرصودة وأما بالنسبة لموضوع النيوترونات وكذلك البروتونات فأنا اقول كلاما قلته من قبل مرارا وتكرارا وهو وجهة نظر شخصية آمنت بها منذ زمن واملك عليها برهانا قويا يتفق مع قوانين الطبيعة وظواهرها الكونية دون تعارض ولا افتعال