الأنواع تسارع في التكيف لتتغلب على آثار سخونة المحيطات

ترجمة: خالد القحطاني.
مراجعة: أغادير المطيري.

تتكيف بعض أنواع الأسماك لتنجو من التغيرات البيئية دون تطورٍ وراثيٍّ يذكر، وذلك وفقاً لبحثٍ من جامعة إيست أنجليا وجامعة دالهاوزي بكندا. إن التغيرات كهذه تعني أن الأنواع المُهددة بالتغير المناخيّ قد تجد طرقاً لتتكيف أسرع بكثيرٍ من التغيرات عبر الحمض النووي منقوص الأكسجين الذي يأتي مع التطور.

درس الباحثون الورنك الشتويّ (أو الليوكوراجا أوسيلاتا) في مياهٍ عمرها حوالي ٧٠٠٠ سنةٍ وأدفأ بكثيرٍ من المياه التي توجد بها بقية الأنواع، ولاحظوا العديد من التكيفات البدنية والوظيفية التي تسمح للنوع بالتأقلم مع مجموعةٍ من الحالات البيئية المختلفة التي شُوهدت في هذا الموطن البيئيّ الدافئ والضحل.

يقول الدكتور جاك لايتن من كلية العلوم البيئية بجامعة إيست أنجليا أن هذا النوع من التكيف يرجع إلى التغيرات فيما فوق الموروثات، أي تلك التي كان سببها تعديلٌ في التعبير الوراثيّ الذي يُحوَّل التعليمات في الحمض النووي منقوص الأكسجين إلى منتجٍ وظيفيٍّ، كالبروتين.

إن هذه التكيفات مهمةً بالخصوص للأنواع ذات أوقات النضوج الطويلة والقدرة الإنجابية المنخفضة، حيث تؤدي خصائص تاريخ الحياة هذه عادةً إلى تطورٍ بطيءٍ. إذ تسمح التغيرات السريعة في التعبير الوراثيّ بتعديلٍ سريعٍ للخصائص الحيوية لكائنٍ حيٍّ ودعم شكلٍ من التكيف السريع، بغض النظر عن التغيرات في تسلسل الحمض النووي منقوص الأكسجين.

يقول الدكتور لايتن: “هناك وفرةٌ في الدليل الأحفوريّ الذي يقترح أن التحولات المناخية السريعة لا توفر فرصةً كافيةً للعديد من الأنواع لتتكيف، ما يعني أنها تنقرض أو تقتصر على مساحاتٍ أصغر من المسكن البيئي المناسب”. ويضيف: “لكن تستطيع التكيفات في القدرة التطورية عبر التعبير الوراثيّ أن تُمكن الأنواع الطويلة النضج ومنخفضة الإنجاب (صاحبة القدرة التطورية المنخفضة جداً) أن تنجو وتتكيف لبيئاتٍ مختلفةٍ، وهذا شيء قد يكون حيوياً للنجاة المستقبلية لأسماك القرش، الورنك، والشفنينيات في ضوء التغير المناخي المستقبلي”.

شكّل الورنك قاعدةً للبحث لأنها نجت لأكثر من ١٥٠ مليون عامٍ وانقراضَيْن جماعيَّيْن، بغض النظر عن مخرجاته قليلة الإنجاب وطول فترة النضج، مما يقترح أن لديها مرونةً واستراتيجيةً تطوريةً سمحت لها أن تقاوم التغيرات البيئية. والأكثر من ذلك، أن أحد المجموعات الحيوية مُهددةُ بالانقراض وتُظهر بعض الاختلافات المثيرة للاهتمام في المظهر الخارجيّ الفيسيولوجيّا البيئية مقارنةً ببقية الأنواع.

دُرست مجموعتان من الورنك في منطقة كندا الأطلنطية، إحداهما تسكن في جنوب خليج سانتا لورنس ومهددةٌ بالانقراض، والأخرى مجموعةٌ كبيرةٌ في الجرف الاسكوتيانيّ. إن مجموعة الخليج الجنوبي تسكن في مساحةٍ أكثر ضحالةً، حيث تكون درجات حرارة المياه في الصيف أعلى بعشر درجاتٍ من الجرف الاسكوتياني، ويُقدر أن عمر هذا الموطن البيئيّ الأدفأ بـ ٧٠٠٠ عامٍ.

لقد قلّل ورنك جنوب خليج سانتا لورنس من حجم جسده بشكلٍ كبيرٍ يُقدر بـ ٤٥% مقارنةً بأولئك في المجموعات الأخرى، وتمتلك فترة حياةٍ أقصر بشكلٍ كبيرٍ مع فترة نضوجٍ أسرع. حيث أظهرت الفحوصات في موروثات الورنك آلافاً من التغيرات في التعبير الوراثيّ.

يقول الدكتور لايتن: “كان ورنك الشتاء قادراً على التكيف في بيئةٍ مختلفةٍ بشكلٍ كبيرٍ في غضون زمنٍ تطوريٍّ قصيرٍ، مع تغيرٍ وراثيٍّ قليلٍ على ما يبدو. ولقد حدثت هذه التغيرات التكيفية في تاريخ الحياة، الفيسيولوجيا، والنمط الظاهريّ عبر تنظيم ما فوق الموروثات، ما سبب تغيراتٍ في التعبير الوراثي، ممكِّنةً الأنواع للاستجابة بسرعةٍ للتحدياتٍ بيئيةٍ”.

كما أضاف: “أظهرت المقارنات مع المجموعات في جنوب خليج سانتا لورنس أكثر من 3600 تغيرٍ في التعبير الوراثيّ، والتي من الممكن أن تكون مسؤولةً عن تمكين الأنواع من التكيف في المياه الأكثر ضحالةً ودفئاً والتحديات التي تأتي مع هذا”.

تثير أهمية التغيرات الوراثية مقارنةً بتغيرات ما فوق الموروثات في التطور التكيفيّ نقاشاً ساخناً، وإن نتائج هذه الدراسة مهمةٌ لتوضيح قيمة دراسة هذه التنوعات، ليس في الأسماك فقط بل الأنواع الأخرى التي تواجه تحدياتٍ مشابهةً.

يقول الدكتور لايتون: “ربما يمثل جنوب خليج سانتا لورنس نموذجاً طبيعياً لاختبار آثار المحيطات الأدفأ على التنوع الحيويّ البحريّ، وذلك لكونه أكثر ضحالةً ودفئاً من مناطق الشمال الأطلنطي الغربيّ الأخرى، بالإضافة إلى أن الأنواع لم توسع من نطاقها في هذه المنطقة إلا أثناء السبع آلاف عامٍ الأخيرة تقريباً بعد العصر الجليديّ الأخير. وبالطبع فإننا نرى تصغيراً للأنواع الأخرى في الخليج مقارنةً بنطاق الأنواع الباقي، وتقترح كل الأدلة الأخرى أن هذا قد يكون بسبب درجات الحرارة الأعلى للمياه”.

يضيف: “يقترح عملنا أن سبب نجاح بعض القروش، الورنك، والشفنينيات على مدى فتراتٍ زمنيةٍ تطوريةٍ طويلةٍ جداً هو قدرتها على الاستجابة بسرعةٍ على التغيرات البيئية عبر تعديل تعبيرهم الوراثيّ، وُيعد الصيد الجائر أكبر تهديدٍ اليوم للعديد من الأنواع، ولقد بدأنا للتو في فهم كيفية تأثرها بتغير المناخ. ونأمل أن تفتح النتائج التي توصلنا إليها الباب لإجراء أبحاثٍ أكثر تفصيلاً عن الدور الذي يمكن أن يلعبه التغير فيما فوق الموروثات في السماح للأسماك الضعيفة ذات الأهمية البيئية بالاستمرار خلال هذه الفترة من الاحتباس الحراري العالميّ السريع”.

المصدر: (phys.org)

جامعة إيست أنجليا (University of East Anglia)
جامعة دالهاوري Dalhousie University))
الحمض النووي منقوص الأكسجين DNA))
التعبير الوراثي Gene expression))
تغير ما فوق الموروثات (Epigenetic)
الورنك الشتوي (Winter Skates)
الشفنينايت (Rays)
الليوكوراجا أوسيلاتا (Leucoraja ocellata)
جاك لايتن (Jack Lighten)
كلية العلوم البيئية بجامعة إيست أنجليا (UEA’s School of Environmental Sciences)
خليج سانتا لورنس (Gulf of St Lawrence)
الجرف الاسكوتيانيّ (Scotian Shelf)

Comments are closed.