من أين تطلق الصواريخ الفضائية؟

كتابة: جاسم البناي.

هل تساءلت يوماً عن السبب الذي يدفع مهندسي الفضاء إلى اختيار رقعةٍ معينةٍ من الأرض كمنصةٍ لاقلاع الصواريخ؟ ما الذي يميز هذه الأماكن تحديداً ويجعلها أكثر ملائماً لإطلاق صواريخ الفضاء؟ فعلى الرغم من توفر المساحة للحكومة الروسية إلا أنها اختارت كازاخستان لتنشئ قاعدتها الفضائية فيها! أما الولايات المتحدة فاختارت جزيرةً غير مستقرة الأجواء! إن تحديد المكان المناسب لإطلاق المركبات الفضائية أو الصواريخ يخضع لحساباتٍ دقيقةٍ تعتمد على حركة الأرض، الوقت، المكان، حالة الطقس، ويخضع لحساباتٍ هندسيةٍ دقيقةٍ، وسوف نتحدث بشيءٍ من التفصيل في هذه المقالة عن أسباب اختيار هذه المواقع عن غيرها، وما هو تأثير بقية العوامل الاخرى عند إطلاق الصواريخ، وسنشير كذلك إلى أسباب هذه الاختيار في الدولتين الرائدتين في السباق التقني نحو الفضاء.

قبل التطرق لسبب اختيار هذه الاماكن المحددة، لا بد لنا أن نتذكر حقيقةً مهمةً وهي أن الأرض متحركةٌ، حيث أن كوكبنا يدور حول محوره (نفسه) باتجاه الشرق كل 24 ساعةً تقريباً بسرعةٍ تبلغ 1600 كيلومترٍ في الساعة تقريباً، وأن الأرض تدور أيضاً حول الشمس كل 365 يومٍ بمدارٍ محددٍ بسرعةٍ تبلغ 108 ألف كيلومترٍ في الساعة تقريباً. أما بقية الاجسام الأخرى في الفضاء فهي متحركةٌ أيضاً كما نحن في قاربنا الأزرق، حيث لا يوجد جسمٌ ثابتٌ لا يتحرك في الفضاء، فكل الاجسام تتأثر بجاذبية جسمٍ آخر وتدور حوله بطريقةٍ ما أو بأخرى.

تحركات عديدة لا نشعر بها لأننا فعليا نتحرك معها بنفس السرعة. كما نحن عندما نقود السيارة او نركب الطائرة لا نشعر بهذه الحركة. فحسب النظرية النسبية لآينشتاين. إن الاجسام التي تحمل أجساما أخرى تكتسب نفس مقدار التحرك التي تفرضه عليها وبالتالي لا نشعر بها.

أشرنا في بادئ الأمر إلى أن تحديد مكان الاقلاع يخضع لحساباتٍ دقيقةٍ ومعقدةٍ، ولتوضيح هذه الصعوبة سأقوم بطرح المثال الآتي:

تخيل أنك راكب على متن لعبة الدوامة المتحركة (وهي تمثل الأرض في هذا المثال) وأنك تحمل في يدك كرة غولفٍ صغيرةٍ (تمثل الصاروخ أو المكوك)، وترغب في رميها بداخل سلةٍ صغيرةٍ قمنا بوضعها على دوامةٍ متحركةٍ أخرى (الهدف المراد الوصول اليه في الفضاء). ستجد صعوبةً بالغةً بالطبع! كذلك هو الحال على الأرض. حيث أن إطلاق صاروخٍ من كوكبٍ متحركٍ بحركتين (إحداهما حول نفسه والأخرى حول الشمس) بهدف ايصال مركبةٍ فضائيةٍ إلى كوكبٍ متحركٍ بمدارٍ معينٍ أيضاً أمرٌ صعبٌ وليس بالسهولة التي نعتقد، إذ أن عنصر “الحركة” يضفي صعوبةً لهذ العملية الحسابية.

تخيل ذلك! كما أن المسافة بين الأرض وأحد الاجسام في الفضاء ليست قريبة كما في الصورة

الآن وبعد الحديث عن جميع هذه التحركات الفلكية، نأتي للحديث عن الجزء المهم وهو كيفية استفادة العاملون من حركة الأرض للحصول على أكبر قوةٍ لدفعٍ الصاروخ المتجه نحو الفضاء. ولقد ذكرنا سابقاً ان الأرض تدور حول نفسها وحول الشمس، فماذا سيحدث لو استغلينا هذه الحركة لمصلحتنا؟ تمكن مهندسو وكالات الفضاء من فعل ذلك بإطلاق الصاروخ باتجاه الشرق، مما يضيف للصاروخ قوة دفعٍ ناتجةً عن حركة الأرض حول نفسها باتجاه الشرق بسرعة 1600 كم/س، كذلك سيعطي إطلاق الصاروخ في نفس اتجاه حركة الأرض حول الشمس بسرعة 108 ألف كم/س قوةً إضافيةً أيضاً تمكنه من الانفلات من الجاذبية الأرضية بفاعليةٍ أكبر.

هكذا يستفيد المكوك من دوران الأرض حول
نفسها وحول الشمس لكسب قوة للدفع

هذا بالنسبة إلى الاستفادة عن عنصر “حركة الأرض” لإطلاق الصاروخ، أما عنصر “الوقت” من السنة واليوم فتكون الاستفادة منه بناءً على وجهة الصاروخ او المركبة الفضائية. ولتوضيح ذلك انظر إلى الصورة المرفقة بالأسفل.

يختلف موقع الأرض بالنسبة إلى الشمس من وقتٍ إلى آخر خلال السنة، ففي الصورة المرفقة سيكون الموقع رقم 1 أقرب للجسم المراد الوصول اليه من الموقع رقم 2. لذلك يختار مهندسو الطيران “الوقت” المناسب في العام والذي تكون به الأرض في أقرب مكانٍ لها إلى الجهة المحددة.

نأتي للحديث عن العنصر الأخير وهو عنصر “المكان” وهو جوهر الدراسات الجغرافية، حيث ذكرنا سابقاً أن الأرض تدور حول نفسها بسرعةٍ محددةٍ كل يوم أو 24 ساعة، وتختلف هذه السرعة من مكانٍ إلى آخر بحسب بُعد الموقع عن خط الاستواء، فكلما كان الموقع قريب من خط الاستواء ازدادت سرعة الدوران وكلما ابتعنا عنه باتجاه القطبين قلت السرعة، ويحدث ذلك لأسبابٍ فيزيائيةٍ، ولهذا تنحرف الرياح والتيارات المائية إلى جهة اليمين في نصف الكرة الشمالي وإلى اليسار في نصف الكرة الغربي تحت قوة أو “تأثير كورليوس”(1) وهذا ما دفع الباحثين  إلى اختيار مواقع قريبةٍ من المناطق الاستوائية للاستفادة القصوى من سرعة دوران الأرض حول نفسها.

تقل سرعة دوران الأرض كلما ابتعدنا عن خط الاستواء باتجاه القطبين

أما بالنسبة للظروف الجوية أو حالة الجو، سيُطلق الصاروخ أو المكوك في ظروفٍ جويةٍ جيدةٍ تسمح لذلك بالطبع.

الآن وبعد أن أصبحت لدينا معرفةً بأهم العوامل المؤثرة على اختيار المكان المناسب لإطلاق الصواريخ، لنستعرض ما قاله العالم الفلكي روجر لونيس في مقالةٍ مع مجلة ساينتفيك أمريكان: “اختارت الولايات المتحدة هذه الجزيرة لأسبابٍ عدةٍ، أهمها قربها من خط الاستواء وبعدها عن التجمعات السكانية حيث لا يتأذى أحد في حال حصول حادثٍ أو خللٍ في إطلاق المكوك (مكانٍ منعزلٍ)، كما أن الاطلاق يتم في الساحل الشرقي للاستفادة من سرعة دوران حول نفسها. الأمر الذي يوفر الطاقة والجهد والنفقات. ولا أعتقد ان ناسا تخطط لتغيير هذا المكان في المستقبل القريب. الأمر الذي يكلف الوقت والجهد والمال.

بالنسبة لروسيا فهي تملك الصواريخ الأكبر حجماً، لذلك فهي تحتاج إلى قوة دفعٍ أكبر لتتمكن من الانفلات من الجاذبية الأرضية، ويفترض أن يكون الموقع في كازاخستان أقرب لخط الاستواء. كذلك اعتقد أن الاتحاد السوفييتي أراد بقاء الأمر سرياً حينما شرع في بناء المحطة. وقد استطاعوا بالفعل الابقاء على الموضوع سرياً حتى اكتشفت الولايات المتحدة الأمر عن طريق الأقمار الصناعية”.

مركز كينيدي للفضاء بجزيرة ميريت بولاية فلوريدا

لعلم الجغرافيا نصيبٌ من العلوم المهتمة بالفلك فيما يعرف بالجغرافيا الفلكية، حيث يهتم هذا الحقل من حقول الجغرافيا الطبيعية بدراسة كوكب الأرض وخصائصه الفلكية من دورانه حول محوره، حركته حول الشمس، علاقته مع القمر والشمس أيضاً، وتأثير كل ذلك على نشاط الانسان، كتأثير الشمس والقمر على الضغط الجوي، ومن ثم حركة الرياح، التيارات، وحركات المد والجزر، الخ. أيّ بمعنى آخر هو العلم الذي يهتم بدراسة كوكب الأرض فلكياً من جهة، وتأثير ذلك على الإنسان من جهةٍ أخرى.

المراجع:

NASA
scientificamerican

الأحيدب، إبراهيم (1431هـ). المدخل إلى الطقس والمناخ والجغرافيا المناخية. السعودية: د.ن.
مبادرة الباحثون السوريون

 

المصطلحات:

  • تأثير كورليوس: نتيجة لهبوب الرياح من مناطق سريعة الدوران عند خط الاستواء إلى مناطق بطيئة الدوران عند القطبين تنحرف الرياح والتيارات البحرية أيضا إلى يمين اتجاهها في نصف الكرة الشمالي وإلى يسار اتجاهها في نصف الكرة الغربي، وهذا ما يؤخذ بعين الاعتبار أيضا عند اطلاق توجيه الصواريخ الفضائية.

 

Comments are closed.