تخضير الصحاري لمكافحة الاحتباس الحراري  

 

كتابة: طه محمد.
مراجعة: عبد الحميد شكري.

لم تحظ أيّ قضيةٍ بالاهتمام والمتابعة الإعلامية مثلما حظيت به قضية الاحتباس الحراري، فهي ظاهرةٌ عالميةٌ تزيد فيها درجات الحرارة عن المعدل الطبيعي بسبب زيادة مستويات الغازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان، والتي تنتج عن حرق الوقود الأحفوريّ أو إزالة أشجار الغابات، مما يحول دون تسرب الحرارة التي تتلقاها الأرض من الشمس إلى الفضاء عبر الغلاف الجوي. وينسخ الاحتباس الحراري تأثيراً مشابهاً لما يحدث في البيوت الزجاجية الزراعية، مسبباً زيادةً في درجات الحرارة والعديد من الظواهر البيئية الأخرى مثل ارتفاع مستويات سطح البحار، غرق المناطق المنخفضة، وزيادة الجفاف، كما يشمل ذلك آثاراً محتملةً أخرى مثل انكماش غابات الأمازون، وزيادة حدة الأحداث المناخية المتطرفة، انقراض عدة أنواعٍ من الحيوانات، وتضرر المحاصيل الزراعية.

إن حل مشكلة الاحتباس الحراري يتضمن خيارين رئيسين: أولهما هو الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة، ولقد تبنت العديد من الدول والمؤسسات الأممية هذا الحل بالفعل عبر عقد الكثير من المعاهدات والاتفاقيات الدولية الرامية إلى ذلك، أما الحل الثاني فيتضمن ابتكار أساليب أكثر فاعليةٍ لإزالة الغازات الدفيئة من الغلاف الجويّ عن طريق هندسة المناخ، وهو علمٌ يختص بالتحكم بالمناخ عن طريق تقنياتٍ متعددةٍ مثل استمطار السحب فوق المناطق الجافة، أو استخدام الطائرات لرش كمياتٍ كبيرةً من غبار أملاح الكبريتات البراقة في الغلاف الجوي لتشتيت أشعة الشمس قليلاً وبالتالي خفض درجة الحرارة.

إن أحد حلول هندسة المناخ المقترحة والأكثر ابداعاً لحل المشكلة هو تحويل الصحاري إلى مناطق خضراء تمتص ثاني أكسيد الكربون من الهواء. فطبقاً لما نشرته صحيفة القارديان، هناك خطةٌ مقترحةٌ تهدف إلى زراعة أشجار الأوكالبتوس في الصحراء الكبرى الإفريقية أو الصحراء الأسترالية، وهي أشجارٍ سريعة النمو تستطيع تحمل الظروف المناخية المتطرفة للصحراء كالجفاف وتباين درجات الحرارة بين الليل والنهار، وسيتم ريّها بمياه البحر المعالجة من وحداتٍ لتحلية مياه البحر عبر شبكةٍ من القنوات العملاقة.

لقد اقترح الفكرة ثلاثة علماء وهم: عالم أحياء الخلية في كلية طب مونت سيناي في نيويورك ليونارد أورنشتاين، إيغور ألينوف، وديفيد ريند، وهما من واضعي النماذج المناخية في ناسا. ومن شأن الغطاء الشجريّ الجديد أن يخلق نظام طقسٍ خاصٍ به ويسبب هطول الأمطار، وفي نفس الحين سيستهلك ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. وتشير حسابات الفريق إلى أن الصحاري المشجرة يمكن أن تمتص حوالي ثمانية مليار طنٍ من الكربون سنوياً، وهي نفس الكمية المنبعثة من حرق الوقود الأحفوري وإزالة الغابات حالياً.

تبدو تكلفة زراعة الصحراء متواضعةً مقارنةً بتكلفة تقنية احتجاز الكربون وتخزينه، ويدافع واضعي الخطة بأن تقنية احتجاز الكربون وتخزينه لا تعالج أكثر من 20% من المشكلة، كما أنها تستخدم أنابيب ذات ضغطٍ عالٍ، مما يجعلها غير آمنة الاستخدام في المناطق الآهلة بالسكان، خلافاً لخطة الزراعة في الصحراء. فعندما فكر واضعو الخطة بالمكان الأنسب، لم يجدوا أفضل من الصحراء الإفريقية والصحراء الأسترالية، لأنه في حال زُرعت في الأماكن المقترحة الأخرى مثل كندا وسيبيريا ستكون الفرصة أكبر للأشجار ذات الأوراق الداكنة الخضرة لامتصاص كمياتٍ كبيرةٍ من أشعة الشمس، مسببةً بذلك زيادةً في درجة الحرارة ولاغِيةً أي فوائد مرجوةً من الخطة.

يقول أورنشتاين أن المشروع سيمثل منظومةً توفر العديد من فرص العمل الخضراء، ومصدراً هاماً للصناعات المستدامة القائمة على الأخشاب، بالإضافة إلى إمكانية تكامل الخطة مع مشاريع مثل إنتاج الطاقة من الخلايا الشمسية ومزارع الرياح، ويحتج معارضو الخطة بحججٍ مثل أن تكلفة تلك الخطة كبيرةً بالنسبة للجدوى المرجوة منها، بالإضافة إلى تأثيرها السلبيّ على النظام البيئيّ للصحراء، حيث أنها نظامٌ بيئيٌّ قائمٌ بذاته توجد بها حياةٌ نباتيةٌ وحيوانيةٌ وليس خواءً، ويسكن بها بعض القبائل. كما أنه سيحرم البحر من غبار الصحراء المحتوي على الحديد، وهو عاملٌ مهمٌ في إثراء الحياة البحرية، كما أن وجود الأشجار سيكون عاملاً جاذباً للجراد بسبب زيادة الرطوبة. ولكن في النهاية، يقول رونشتاين أننا مضطرون لتبنّي الخطة، لأننا في وضعٍ استثنائيٍّ بلغت فيه مستويات التلوث بالغازات الدفيئة حداً غير مسبوقٍ، وبات من الضروريّ من الجميع أهمية المواجهة العاجلة معه حتى لا نضطر في وقتٍ ما للتعامل مع الأسوأ.

المصادر :

springer
sciencemag
ccsassociation
ACP

هندسة المناخ (geo-engineering)
تقنية احتجاز الكربون وتخزينه (CCS)

 

Comments are closed.