هل الاكتئاب مجرد حزنٍ وضيقة صدرٍ؟

الكاتب: أنور السلمي.
مراجعة: ريم عبد الله.

أوضحت دراسةٌ نشرت عام 2013مـ أن 3.6 بالمائة من سكان العالم مصابين باضطراب الاكتئاب، إلا أن دراساتٍ أخرى تشير إلى أن نسبة انتشار الاكتئاب بين الناس قد تكون أكثر من ذلك. ويحدث هذا الاضطراب عند الجنسين، ولكنه عند الإناث أكثر بحيث أنه قد يصل إلى الضعف مقارنةً بالرجال. والاكتئاب مرضٌ عضويٌ يصيب الدماغ، مثل الأمراض والاعتلالات العضوية الأخرى التي تصيب الكبد أو الكلى… إلخ، لذلك يستلزم الاكتئاب العلاج والمتابعة.

الاكتئاب هو اضطرابٌ عقليٌّ يجعل الشخص في حالةٍ من انخفاض المزاج والحزن والكآبة، وغالباً ما يصاحبه انخفاضٌ في الطاقة والخمول واحتقار الذات وفقدان الاهتمام، فقد لا يستمتع المريض بالأنشطة التي كان مهتماً بها في الماضي مثلاً، كأن يكون مولعاً بمشاهدة مباريات كرة القدم في سابق عهده، ولكنه يفقد كل الرغبة والاهتمام بها وهكذا. ومن الممكن أن يصيب الاكتئاب الإنسان في أي عمرٍ، إلا أنه غالباً ما يحدث خلال الفترة الممتدة بين العشرينات والثلاثينات بمتوسطٍ حسابيٍّ قدره 32 سنة، وقد يكون الاكتئاب بسيطاً أو متوسطاً أو حتى شديداً.

يؤثر الاكتئاب على حياة الشخص بطريقةٍ سلبيةٍ، إذ يؤثر انخفاض المزاج والحزن المستمر على كل مناحي الحياة ويمنع الاستمتاع بها، كما يؤثر هذا الاضطراب أيضاً على العلاقات الشخصية وفي جوانب العمل والدراسة، وعادةً ما يمتد هذا التأثير إلى عائلته والمحيطين به فتصبح حياتهم صعبةً أيضاً.

إلا أن الشعور بالحزن والكآبة لا يعنيان مطلقاً أن يُشخص المرء نفسه بأنه مريضٌ بالاكتئاب، فالحزن طبيعةٌ بشريةٌ لا تستلزم العلاج في غالبية الحالات، أما الاكتئاب فهو مرضٌ يستلزم العلاج، وإهماله قد يؤدي إلى مشاكل ومضاعفاتٍ عديدةٍ. ولذلك فإن هنالك شروطاً وضوابط وضعها المختصون تؤكد أن الشخص فعلاً مصابٌ بالاكتئاب. ولإعطاء مثال على ذلك، فإن الجمعية الأمريكية للطب النفسيّ وضعت تسعة معايير للاكتئاب، ولا بد أن يظهر على المريض ما لا يقل عن خمسةٍ منها ولمدة أسبوعين كاملين لكي يتم التشخيص بالاكتئاب، وهي:

  • الشعور بانخفاض المزاج والحزن في أغلب اليوم: إما أن يكون ذلك بإحساس الشخص نفسه (مثلاً الشعور بالحزن، الفراغ، اليأس…)، أو من خلال ملاحظات المقربين منه (مثلاً مكتئب، باكٍ، حزين…).
  • فقدان الرغبة أو عدم الاستمتاع في كل أو أغلب الأنشطة اليومية: أيضاً من الممكن أن تكون ملاحظة الشخص نفسه أو المقربين منه.
  • فقدان الوزن أو زيادته (دون وجود حميةٍ معينةٍ) أو ملاحظة انخفاضٍ أو زيادة الشهية بشكلٍ شبه يوميّ.
  • الأرق (صعوبة أو قلة النوم أو انقطاعه أو انخفاض جودته) أو الزيادة في النوم.
  • انخفاض النشاط البدنيّ والخمول بشكلٍ شبه يوميٍّ.
  • الإحساس بالإعياء والتعب بشكلٍ شبه يوميٍّ.
  • الإحساس بعدم القيمة أو بعدم الأهمية (قد يكون شخصاً ذو مكانةٍ رفيعةٍ) أو الشعور بالذنب بشكلٍ شبه يوميّ.
  • ضعف الرغبة في التفكير أو التركيز مع التردد في اتخاذ القرارات بشكلٍ شبه يوميّ.
  • التفكير بالموت (وليس الخوف من الموت) مع وجود أفكارٍ وخواطر للانتحار: قد لا يصاحبها أي خطةٍ معينةٍ للانتحار، ومن الممكن أن يكون لديه خطةً مرسومةً لذلك. أو أنه فعلاً قد سبق وأن أقدم على الانتحار في محاولةٍ فاشلةٍ.

يتضح من المعايير السابقة أن الحزن الذي يأتي إلى أغلب الناس وإن كان شديداً ليس كافياً للتشخيص بالاكتئاب، فقد يتعرض الإنسان لنوباتٍ من الحزن والهم وضيق الصدر بسبب بعض مشاكل وضغوطات الحياة. ومما لا شك فيه أن فقدان أحد الأقرباء أو التعرض لبعض الأزمات المادية والمشاكل الأسرية وغيرها من الضغوط الحياتية المتعددة تجعل الإنسان يواجه نوباتٍ من الاكتئاب والحزن التي تجيء وتذهب. لكن الاكتئاب المرضي أشد من ذلك وأكثر خطورةً، والمختصون في الطب النفسيّ فقط هم المعنيون والمؤهلون بتشخيص الاكتئاب، ومن ثم وضع خطةٍ للعلاج.

أقول أن المختصين هم فقط المعنيون بتشخيص الاكتئاب لأن التشخيص في الطب النفسيّ معقدٌ جداً، فاضطراب الاكتئاب نفسه له أقسامٌ ودرجاتٌ وأنواعٌ، كما أن أعراض الاضطرابات النفسية متداخلةٌ فيما بينها. فمثلاً، ربما يكون لدى بعض المصابين بالاكتئاب ضلالاتٌ واعتقاداتٌ خاطئةً بالإضافة إلى هلوسةٍ سمعيةٍ وبصريةٍ (كأن يسمع أصواتاً ليس لها وجودٌ، يسمعها هو فقط) أو نوباتٍ من القلق أو الهوس، وهي علاماتٌ قد تكون خصائص أساسيةً لاضطراباتٍ نفسيةٍ أخرى. ولهذا فالذهاب إلى خبيرٍ في الطب النفسيّ يُعد عاملاً مهماً جداً وأهم الخطوات نحو التشخيص السليم والعلاج الناجع.

المراجع:

  1. Global Burden of Disease Study 2013, Collaborators (22 August 2015), Lancet (London, England). 386 (9995): 743–800.
  2. Journal of the American Medical Association, 2003; Jun 18; 289(23): 3095-105
  3. (U.S. Census Bureau Population Estimates by Demographic Characteristics, 2005
  4. American Psychiatric Association, 2013: Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders, 5th Edition.

الجمعية الأمريكية للطب النفسيّ (American Psychiatric Association (APA))

 

Article Tags

Comments are closed.