ما الذي يحدث عندما تعطي الذكاء الاصطناعيّ ذاكرةً عاملة؟

كتابة: ويل نايت.
ترجمة: علي العابد الحربي.
مراجعة: سلمى الحبشي.

صمم باحثو شركة “العقل العميق” التابعة لجوجل في المملكة المتحدة نوعاً جديداً من الحاسوب، والذي يمكن أن يزيد من قدرات أفضل أنظمة الذكاء الاصطناعيّ اليوم من خلال منحها ميزةً جديدةً هامةً، ألا وهي نوعٌ من الذاكرة العاملة.

أظهر الباحثون أن الحاسوب المُكوّن من شبكةٍ عصبيةٍ كبيرةٍ متصلةٍ بشكلٍ فريدٍ من الذاكرة العاملة يمكن أن يؤدي مهاماً معقدةٍ نسبياً، وذلك من خلال استنتاجه لماهية المعلومات التي يحتفظ بها في ذاكرته. وتشمل المهام معرفة أفضل طريقةٍ للوصول من محطةٍ إلى أخرى عبر شبكة قطار الأنفاق المعقدة الشبيهة بالمعكرونة، وذلك بعد استكشاف الرسوم البيانية لأنواعٍ أخرى من الشبكات وتعلّم السمات الأكثر وضوحاً.

يسمي باحثو شركة “العقل العميق” التابعة لجوجل نظامهم بـ “الحاسوب العصبيّ المُميز”، حيث أنه مُمَيِزٌ بمعنى أنه قادرٌ على تعلم سلوكه باستخدام العمليات الرياضية، بما في ذلك ماهية المعلومات التي ستُخزن في الذاكرة وهو ما يُدعى ذلك بـ “الانتشار الخلفيّ”، وهي العملية التي تكمن وراء عمل الشبكات العصبية. حيث ستُخزن بعض المعلومات تلقائياً في مصفوفة الذاكرة حين تُدَرب الشبكة بالبيانات.

يقول مؤلفو الورقة العلمية المنشورة بدورية نايتشر وهم أليكس غرافز، جريج واين، وديميس هسابيس: “يمكن لهذا الحاسوب أن يستخدم ذاكرته لعرض ومعالجة هياكل البيانات المعقدة مثل الحاسوب التقليديّ، ولكن يمكن أن يتعلّم أن يفعل ذلك من البيانات مثل الشبكة العصبية”.

يُعد هذا التقدم خطوةً أقرب للذكاء الاصطناعيّ من ناحية أنها شبيه بالإنسان في قدراتها، ويقول الأستاذ المساعد في جامعة كارنيجي ميلون والمتخصص في تعلّم الآلة والذكاء الاصطناعي رسلان صلاح الدينوف أن التقنية محدودةٌ في الوقت الراهن، ولكن من الممكن أن الأنظمة التي ستبنى بهذه الطريقة ستؤدي يوماً ما عملاً مفيداً. فعلى سبيل المثال، يمكن لنسخةٍ أكثر تقدماً من هذا الحاسوب أن يزور ويكيبيديا ليكتشف المفاهيم الهامة مثل الأسماء، الأماكن، والتواريخ ويخزنها في الذاكرة. أو قد يسمح للروبوت باستخدام معلومةٍ سبق له تعلمها سابقاً في ظروفٍ جديدةٍ تماماً”. وأضاف: “إن هذا عملٌ مثيرٌ جداً”.

إن أحدث أنظمة التعلّم الآلي بارعةً في بعض المهام، مثل التعرف على الوجوه في الصور أو الكلمات المنطوقة، ومع الممارسة يمكن أن تتعلم أداء المهام المعقدة مثل لعب ألعاب الحاسوب بمستوى الخبراء، ولكنها تتطلب كمياتٍ هائلةً من البيانات المحددة للتدريب، ولا يمكنها تخزين الكثير مما تعلمته في الذاكرة بغرض استخدامها لاحقاً خلافاً للإنسان. وهذا يُمثل مشكلةً في العديد من المجالات بما في ذلك اللغة.

غير أن صلاح الدينوف يشير إلى أن صنع حاسوبٍ عصبيٍ مُميّزٍ أكثر تعقيداً مثل هذا قد يكون صعباً، وذلك لأنه الوصول إلى ذاكرته يستوجب عليه إجراء حساباتٍ معقدةٍ للاستعلام عن كل قطعةٍ مخزنةٍ. يقول صلاح الدينوف: “إنه لمن الصعب جداً تشغيل هذه الأشياء، وإن توسيع نطاق عملها بهذه الصورة قد يكون مشكلةً بعض الشيء”.

من المثير للاهتمام أن هذا الإنجاز يجمع بين مجالين في الذكاء الاصطناعيّ، والتي كانت لفترةٍ طويلةٍ في خلاف معاً. ففي البداية، كان العمل على الذكاء الاصطناعيّ يتضمن برمجة الآلات لتمثيل المعلومات رمزياً، في حين أن الرائج حالياً هو استخدام شبكاتٍ عصبيةٍ كبيرةٍ جداً تقوم بتدريب نفسها لأداء المهام. ولفترةٍ طويلةٍ، تساءل بعض علماء الذكاء الاصطناعيّ التقليديين وعلماء الإدراك عمّا إذا كانت الشبكات العصبية تستطيع أن تفعل ما يفعله البشر دون الحصول على بعض قدرةٍ أعمق لتمثيل المعلومات رمزياً.

يقول عالم الإدراك في جامعة نيويورك الذي يدرس طرق جعل أجهزة الحاسوب تحاكي الذكاء البشريّ وهو بريندن ليك: “أكثر ما يثير إعجابي هو قدرة الشبكة على تعلّم الخوارزميات من الأمثلة”. وهذا من الممكن أن يوسع من فائدة التعلّم العميق. وأضاف: “إن الخوارزميات مثل التصنيف أو إيجاد أقصر المسارات ما هي إلا الخبز والزبدة لعلوم الحاسوب الكلاسيكية، حيث إنها تتطلب عادةً مبرمجاً للتصميم والتنفيذ”.

إلا أن ليك ينوه إلى أن النظام لا يزال غير شبيهٍ بالإنسان تماماً في الطريقة التي يعمل بها، إذ يقول: “يمكن للناس أن يلتقطوا مهمةً جديدةً من خبرةٍ محدودةٍ، خاصةً إذا كانوا على درايةٍ بالمجال”. ويضيف: “وفي المقابل، يُدرب الحاسوب العصبيّ المميز على عشرات أو مئات الآلاف من الأمثلة على كل مهمةٍ، وأعتقد أن القدرة البشرية على تعلم المهام الجديدة بسرعةٍ ستكون واحدةً من التحديات الرئيسية المقبلة للذكاء الاصطناعيّ”.

 

المصدر: (technologyreview)

العقل العميق التابعة لجوجل (Google DeepMind)
الحاسوب العصبيّ المميز (differentiable neural computer)
الانتشار الخلفي backpropagation)
أليكس غرافز (Alex Graves)
جريج واين (Greg Wayne)
وديميس هسابيس (Demis Hassabis)
رسلان صلاح الدينوف (Ruslan Salakhutdinov)
بريندن ليك (Brenden Lake)
ويل نايت (Will Knight)
جامعة كارنيجي ميلون (CMU)
دورية نايتشر (journal Nature)

 

 

 

Comments are closed.