إيمي نوثر، عالمة الرياضيات التي لم تسمع بها من قبل

كتابة: لينة الأصفر.

عندما نفكر بعلماء الرياضيات، يكون أول ما يخطر ببالنا صورة رجلٍ عادةً، ولكن هذه الصورة النمطية التي تقول بأن الرجال أبرع  من النساء في الرياضيات ليست صحيحةً تماماً. يوجد العديد من النساء اللاتي قدمن للرياضيات بقدر ما قدم الرجال لها، و مع أن أسمائهن قد نُسيت بفضل صور المجتمع النمطية، إلا أن أعمالهن لا زالت موجودة وتقف شاهداً شامخاً على نضالهن في سبيل رقي الفهم البشري للرياضيات. وإن الرياضية الألمانية ” إيمي نوتر” أحد أوضح الأمثلة على براعة النساء في الرياضيات، فإن ما أثرت به الرياضيات الحديثة والفيزياء الرياضية لا يقل أهمية عن ديفيد هلبرت، أو حتى ألبرت أينشتاين!

ولدت إيمي في مدينة إيرلانجن الألمانية في الـ 23 من مارس عام 1882مـ، وسُميت بإيميلي، ولكن لطالما تم مناداتها بإيمي. كانت إيمي هي الأخت الكبرى من بين اربعة أطفال أنجبهم ماكس نوتر و إيدا إيملي، اللذين توفي إثنين منهم في طفولتهم فلم يبق سوى إيمي و أخوها فريتز. وكان ماكس نوتر والد إيمي بروفيسوراً في الرياضيات في جامعة إيرلانجن. وقد تلقت نوتر تعليماً متركزاً على اللغات، فدرست الإنجليزية و الفرنسية بتركيز، وعلمتها أمها الأعمال المنزلية (الأعمال النمطية للنساء) كالطبخ و التنظيف و غيرهما. تخرجت من الثانوية لتصبح مدرسةً للإنجليزية و الفرنسية بعد خضوعها لاختبارٍ يخولها لهذا.

عندما بلغت الـ18 من عمرها، قررت إيمي، و بإصرار أخذ حصص في الرياضيات و تعلمها، وكان أخوها يدرس الرياضيات في جامعة إيرلانجن، ولكنها مُنعت – كونها إمرأة – من حضور المحاضرات مباشرة، فكانت تحضرها سماعياً لمدة سنتين. لتقوم بعدها بالتقدم لاختبارٍ في الرياضيات يخولها لإكمال الدراسات العليا بها. نجحت إيمي في الإختبار و التحقت رسمياً بجامعة إيرلانجن، لتبدأ دراسة متعمقة في الرياضيات مدتها 5 سنوات، لتحصل بعدها على درجة الدكتوراة، لتكون ثاني إمرأة تحصل على دكتوراة في الرياضيات من هذه الجامعة، وقد سبقتها المرأة الأولى بسنةٍ فقط.

مع أنها حلصت على درجة الدكتوراة في الرياضيات، إلا أن الجامعة رفضت تعيينها كبروفيسور لكونها إمرأة. فقررت إيمي مساعدة أبيها في معهد الرياضيات التابع للجامعة، حيث كانت تساعده بالمهام الأكاديمية والأبحاث، بالإضافة للتدريس عنه عندما يكون مريضاً، وسرعان ما بدأت إيمي نشر أوراقها الخاصة في الرياضيات. استمرت إيمي بمساعدة والدها لمدة عشر سنوات، و أصبحت تدرس بشكلٍ دوريٍ أكثر مع الوقت، ولكنها لم تكن تأخذ أتعاباً على عملها. وأثناء هذه الفترة، بدأت الحرب العالمية الأولى، مما سبب لإيمي الأرق كونها محبةً للسلام، ولطالما أرادت الحرب أن تنتهي في ألمانيا. تحققت أمنيتها في عام 1918مـ حيث إنتهت الحرب و تحولت ألمانيا إلى جمهورية. وفتحت الأبواب للنساء للتصويت، و أعطين حقوقاً كانت مسلوبة منهن. ولكن هذا لم يغير الأمور بالنسبة لإيمي، فظلت تدرس وتعمل دونما أجرٍ فقط لكونها إمرأة.

وفي هذا الوقت، كان ديفيد هلبرت و فيلكس كلاين يعملان على نظرية أينشتين النسبية، و أحسا أنهما بحاجة لخبرة وتمرس نوتر، فقاما بدعوتها للقدوم لجامعة جوتنجن للعمل معهم على رياضيات النسبية العامة. ترددت إيمي في البداية، حيث لم يكن هناك أي نساء في طاقم التدريس في جامعة جوتنجن حينها، وخشيت أن لا تلقى ترحيبا هناك، فالعديد لم يكن يريد قدومها. ولكن في النهاية أنتقلت نوتر لجامعة جوتنجن وعملت بجد لتحصل على منصب تدريسي في النهاية، و أخيرا أصبحت إيمي تدرس تحت اسمها الخاص. ولكنه كان بدون أجرٍفي البداية أيضاً، لتحصل بعد ذلك على راتبٍ بسيطٍ مقارنةً بالمحاضرين الذكور.

وخلال فترة تدريسها في جامعة جوتنجن، كونت ايمي مجموعة من الطلاب المقربين منها الذين أتوا من أماكن مختلفة ( بعضهم من روسيا) للدراسة تحت يدها و الذين عرفوا بـ ” أولاد نوتر”. وعلى الرغم من صعوبة اللحاق بأسلوب نوتر التدريسي، إلا أنها كانت محبةً كثيراً لطلبتها و تعاملهم بشكل عائلي، و تستمع لمشاكلهم. وقد كان أسلوبها أيضاً يحث الطلبة على ترك بصمتهم الخاصة في الرياضيات، ليتخرج لاحقاً من طلبتها علماء رياضيات كبار و نسبوا لها الفضل في الكثير من أعمالهم. وعند تولي هتلر الحاكم في ألمانيا وبدايات التوتر في ألمانيا في عام 1933، إضطرت إيمي لمغادرة جامعة جوتنجن، و الذهاب للولايات المتحدة، فقد قدم لها منصب تدريسي في جامعة براين ماور ( للبنات) و التي ظلت بها حتى وفاتها.

إن التدريس في جامعة للبنات كان تجربةً مختلفةً لإيمي، حيث كان لديها ولأول مرة زميلاتٍ نساء في العمل وطالباتٍ بعدما كانت في بيئة ذكورية فقط. وأصبحت صديقةً مقربةً مع آنا ويلر، رئيسة قسم الرياضيات في الجامعة، حيث تفهمت ويلر معاناة إيمي لتحصل على تعليمها و أن تحصل على منصب تدريسي، و بعدها عن وطنها بسبب الحرب. ولم تغير نوتر أسلوبها التدريسي في جامعة براين ماور، حتى أنها استخدمت الألمانية أحيانا في محاضراتها! إلا أنها كانت محبوبةً و مقربةً من الطالبات.

توفيت إيمي نوتر في 1935مـ فكانت وفاتها مفاجأة، حيث لم تخبر سوى صديقتها المقربة بمرضها. إن الأثر الذي تركت تونر في الرياضيات و الفيزياء كبيراً جداً، حيث نشرت في حياتها أكثر من 40 ورقة علمية في مجالات متعددة من الرياضيات التجريدية والتطبيقية، ونشرت أعمالاً في مجال البنى الجبرية، نظرية الزمر، وتوبولوجيا نظرية التمثيلات. كما أنها درست علاقة الهندسة الريمانيانية الكذابة و الجائبية، علاقة التناظرات الرياضية بقوانين الحفظ الفيزيائية، ونظرية الإلغاء و تحليل متعددات الحدود. كما قامت أيضاً بتوسيع مبرهنات هيلبرت للتناظر للزمر المنتهية، وغيرها الكثير من الأعمال.

تم تقدير نوثر من قِبل أعظم الفيزيائيين والرياضيين في عصرها، حيث وصفها ألبرت أينشتين بعبقرية الرياضيات، وقال عنها الرياضي نوبرت فينير: “أعظم إمرأة في مجال الرياضيات عرفها التاريخ، و على أقل تقدير أعظم عقل علمي يعيش الآن.” تقيم جمعية النساء للرياضيات سنوياً محاضرة على شرفها وغيرها الكثير من التكريمات. فبالرغم من التمييز التي تعرضت له إيمي، إلا أنها أثبتت للجميع ما يمكن للمرأة عمله! و كيف يمكن للتمييز أن يحرم البشرية من إنجازات كبيرة.

 

المصادر:

1. Angier, Natalie. “The Mighty Mathematician You’ve Never Heard Of,” New York Times Science section, page D4, March 27, 2012

2. Noether, Gottfried. “Emmy Noether,” in Women of Mathematics, A BiobibliographicSourcebook, Louise Grinstein and Paul Campbell, Editors, Greenwood Press, 1987.

3. Noether, Emiliana Pasca. “Emmy Noether,” in Complexities: Women in Mathematics, Bettye Anne Case and Anne Leggett, Editors, Princeton University Press (2005), 30-37.

4. Morrow, James. “Emmy Noether,” in Notable Women in Mathematics: A Biographical Dictionary, Charlene Morrow and Teri Perl, Editors, Greenwood Press (1998), 152-157. 5. Olsen, Lynn M. Women in Mathematics, Massachusetts Institute of Technology, 1974.

Comments are closed.