رقاقة الحاسوب التي تعتقد أنها كبد إنسانٍ صغيرٍ

كتابة: الأستاذ المحاضر نايف الروضان.
ترجمة: إسراء الحاجي.
مراجعة: عبدالحميد شكري.
لن تجد أعضاءً إنسانيةً حيةً طافيةً في معامل الأحياء إلا في متاجر هوليوود للمؤثرات الخاصة. فأعضاء الإنسان الكاملة ثمينةٌ جداً لزراعتها بدلاً من أن تُستخدم في التجارب، حتى بصرف النظر عن كل الصعوبات الفنية التي ينطوي عليها الاحتفاظ بعضوٍ خارج الجسم. لكن الكثير من الدراسات الحيوية المهمة واختبارات الأدوية العملية لا يمكن أن تتم إلا عبر دراسة العضو أثناء عمله. ويمكن لتقنيةٍ جديدةٍ أن تسد هذه الحاجة عبر زراعة قطعٍ وظيفيةٍ مصغرةٍ من أعضاء الإنسان على رقاقاتٍ دقيقةٍ.

طوّر دونالد إنقبر من معهد ويس في عام 2010مـ رئةً على رُقاقةٍ، وكانت الأولى من نوعها. لقد تدخل القطاع الخاص بسرعةٍ، فقامت شركاتٌ مثل شركة إميولات برئاسة إنقبر وآخرين من معهد ويس بعمل شراكاتٍ مع باحثين في الصناعة والحكومة، بما فيهم وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة الأمريكية. حيث أعلنت حتى الآن مجموعاتٌ متعددةٌ نجاحها في صنع نماذج مصغرةٍ للرئة، الكبد، الكلية، القلب، نخاع العظم، والقرنية. وسيحذوا بالتأكيد آخرين حذوهم.

يعادل حجم كل عضوٍ على رقاقةٍ تقريباً حجم وحدة الذاكرة اليو إس بي. حيث تُصنع من بوليمراتٍ شبه شفافةٍ ومرنةٍ. وتجري أنابيب موائع دقيقةٍ يبلغ قطر كلٍّ منها أقل من ملليمترٍ واحدٍ عبر الرقاقة بأنماطٍ معقّدةٍ، وهي مُبطّنةٌ بخلايا إنسانيةٍ مأخوذةٍ من العضو المطلوب. وعندما تُضّخ العناصر الغذائية، الدم، ومركبات الاختبار مثل أدوية التجارب خلال الأنابيب، فإن الخلايا تحاكي وتنسخ بعض الوظائف الرئيسية للعضو الحيّ.

يمكن أن تُنظم الحُجيرات داخل الرقاقة لتحاكي تركيباً محدداً لنسيج العضو، مثل أكياس الهواء الصغيرة في الرئة. فعلى سبيل المثال، يمكن لعبور الهواء خلال قناةٍ أن يحاكي بشكلٍ دقيقٍ جداً تنفس الإنسان. وفي ذات الوقت، يمكن أن يُضّخ دماً ملوثاً بالبكتيريا عبر أنابيبٍ أُخرى، ويمكن للعلماء بعد ذلك ملاحظة كيفية استجابة الخلايا للعدوى، كل هذا بدون أي خطرٍ لأي شخصٍ. هذه التقنية تسمح للعلماء برؤية آلياتٍ حيويةً وسلوكياتٍ فسيولوجيةً لم تُر من قبل.

ستُقدم رقاقات الأعضاء الدقيقة أيضاً مساعدةً للشركات التي تطور أدويةً جديدةً. وتسمح قابلية هذه الشرائح لمحاكاة أعضاء الإنسان بعمل اختباراتٍ أكثر واقعيةً ودقةً على الأدوية المرشّحة. فعلى سبيل المثال، استخدمت إحدى المجموعات في العام الماضي رقاقةً لمحاكاة الطريقة التي تُفرز بها خلايا الغدد الصماء الهرمونات في مجرى الدم، واستخدموا هذا لتنفيذ تجارب أساسيةً ومهمةً على أدوية مرض السكريّ.

تقوم مجموعاتٌ أخرى باستطلاع إمكانية استخدام تقنية الأعضاءٍ على الرقاقات في الطب الشخصيّ. فمن حيث المبدأ، يمكن أن تُنشأ هذه الشرائح الدقيقة باستخدام خلايا جذعيةٍ تُستخلص من المرضى أنفسهم، وبعد ذلك يمكن أن تُجرى الاختبارات لتحديد العلاجات المناسبة لمريضٍ معينٍ والتي لها قابليةٌ أعلى للنجاح.

هناك ما يبرر الأمل بأن الأعضاء المصغرة يمكن أن تقلل من اعتماد صناعة الأدوية على الحيوانات لاختبار المركبات التجريبية بشكلٍ كبيرٍ. حيث يُضحّى بملايين الحيوانات  كل سنةٍ في مثل هذه الاختبارات، وهذه الممارسة تُثير جدلاً ساخناً. وبصرف النظر عن الاعتبارات الأخلاقية، فقد ثبت أن التجارب على الحيوانات ما هي إلا تبذيرٌ ضخمٌ، فنادراً ما تقدم التجارب على الحيوانات رؤىً يمكن الاعتماد عليها في معرفة كيفية استجابة البشر لنفس الدواء. حيث أن الاختبارات التي تُجرى على أعضاء الإنسان المُصغّرة ربما تكون ذات فائدةٍ أكبر في تقديم مثل هذه الرؤى.

يرى الباحثون في مجال البحوث العسكرية والدفاع الحيويّ أن تقنية الأعضاء على الرقاقات قادرةً على أن تنقذ الأرواح بطريقةٍ مختلفةٍ. إذ يمكن أن تكون الرئة المحاكاة والأجهزة الأخرى المشابهة لها الخطوة الكبيرة القادمة في اختبار الاستجابات للأسلحة الحيوية، الكيميائية أو الإشعاعية. ولكن ليس من الممكن عمل ذلك اليوم، لأسبابٍ أخلاقيةٍ جليةٍ.

هذا المقال هو جزءٌ من سلسلةٍ عن  أعلى 10 تقنياتٍ صاعدةٍ لعام 2016، أُنشِئ بالتعاون مع مجلة ساينتيفيك أمريكان.

 المصدر: (weforum)

 دونالد إنقبر (Donald Ingber)
معهد ويس (The Wyss Institute)
شركة إميولات (Emulate)
وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية الأمريكية (the U.S. Defense Advanced Research Projects Agency)
عضوٌ على  رقاقة (organ-on-a-chip)
الدفاع الحيويّ (biodefence)

Comments are closed.