أبرز الأحداث العلمية لعام 2020

كتابة: فريق السعودي العلمي.

لا يختلف اثنان على تفرّد عام 2020م، إذ شَهِد فيه العالم تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) في مدينة ووهان الصينية، وما لبث أن انتشر ليصل أقطار الأرض جميعاً. ولازَم هذه الجائحة إجراءاتٌ وقائيةٌ شهِدها الناس للمرة الأولى في حياتهم، مثل قيود الحركة والسفر، والحجر الكلي والجزئي، والتباعد الاجتماعي، ولبس الكمامات الدائم، وتعطّل مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية. حتى دفعت هذه التجربة العالمية الكثير من الناس إلى وصف هذا العام بأنه عامٌ أجدب. فهل كان كذلك فعلاً من منظورٍ علمي؟ تعالوا لنستعرض سوياً في هذا المقال أبرز وأهم الأحداث العلمية في عام 2020.

1-  إطلاق “مسبار الأمل” الإماراتي

انطلق في العشرين من يوليو/تموز 2020 أوّل مسبارٍ عربيّ إماراتي إلى كوكب المريخ، وسُمّيَ المشروع باسم “مسبار الأمل” للإشارة إلى مكانة المسار كبارقة أمل لملايين العرب المحبين للعلوم والتطور، وأشرفت وكالة الإمارات للفضاء على إدارته وتنفيذه لتصبح دولة الإمارات العربية المتحدة واحدةً من بين تسع دول فقط تطمح لاستكشاف المريخ.

حُمِل المسبار على صاروخ إتش 2 إيه (H2A) من محطة تانيغاشيما في اليابان، ويُخطّط أن يقطع مسافةً تبلغ حوالي 500 مليون كيلومتر ليصل إلى المريخ بحلول شهر فبراير/شباط من عام 2021. وتأتي مهام استكشاف المريخ مدفوعةً بعددٍ من الأسباب العلمية، منها كون المريخ أكثر الكواكب شبهاً بالأرض وكونه الوجهة المرجّحة للبحث عن حياة خارج كوكب الأرض. كما يهتم العلماء بدراسة تاريخ المريخ ووجود الماء على سطحه عبر دراسة التأثيرات الجوية، الكيميائية، الضوئية، والعمليات الجيوفيزيائية لتحليل إمكانية وجود وازدهار الحياة، حيث سيساعدنا فهم المريخ على تعميق فهمنا حول كوكبنا الأرض.

2-  قفزةٌ جديدة في عالم الحواسيب الفائقة

احتل الحاسوب الفائق الياباني فوجاكو المرتبة الأولى مرتين على التوالي كأسرع حاسوبٍ في العالم، وذلك ضمن التصنيف نصف السنوي لأفضل 500 حاسوب الصادر في شهري يونيو/حزيران ونوفمبر/تشرين الثاني من هذا العام. وطُوّر الحاسوب بأحدث المعالجات المتوافقة مع الخوادم عالية الأداء وبتصميمٍ يتناسب مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ويتميز باستهلاكه المنخفض للطاقة بمعدلٍ يتراوح بين 30 إلى 40 ميجاوات، ويمتلك أداءً سريعاً يُعادل 442 بيتافلوبس (الفلوبس تعني عملية النقطة العائمة في الثانية، وهو مقياسٌ لسرعة معالجات الحاسوب في الحسابات العلمية)، ليكون بهذا أسرع بقرابة ثلاثة أضعاف معظم الحواسيب الفائقة، وأسرع ألف مرةٍ من الحواسيب العادية.

بدأ التشغيل التجريبي للحاسوب أثناء أزمة كوفيد-19 لمحاكاة انتشار الرذاذ في المساحات المكتبية، ويُخطط لتشغيله الكامل في مطلع عام 2021. ويأتي تطوير هذا الحاسوب لمعالجة القضايا العلمية والاجتماعية ذات الأولوية، كاستخدامه في تطوير العلوم الأساسية، استكشاف الأدوية ودعم الطب الشخصي والوقائي، تطوير تنبؤات الأرصاد الجوية والبيئية للوقاية من الكوارث وتغير المناخ العالمي، تطوير تقنيات توليد الطاقة النظيفة، وتحسين عمليات التصميم والإنتاج لتعزيز القدرة التنافسية الصناعية.

3-  عودة الرحلات الفضائية المأهولة

انطلق صاروخ فالكون 9 نحو محطة الفضاء الدولية في الخامس عشر من نوفمبر 2020، حاملاً على رأسه مركبة سبيس إكس “كرو-1” كأوّل بعثةٍ تشغيليةٍ من بين ست بعثاتٍ مأهولةٍ ستُطلقها وكالة ناسا وسبيس إكس ضمن برنامج الطاقم التجاري التابع للوكالة. وضمت المركبة في داخلها طاقماً دولياً من أربعة روّاد فضاء لإجراء اختبارات علمية وعمليات الصيانة خلال إقامتهم لمدة ستة أشهر على متن محطة الفضاء الدولية، ليعودوا لاحقاً في ربيع عام 2021. وتستطيع “كرو دراغون” البقاء في المدار لمدة 210 يوم، ومن المقرر أن تكون هذه الرحلة أطول مهمةٍ فضائيةٍ بشريةٍ تنطلق من الولايات المتحدة.

تتنوع الدراسات والاختبارات العلمية التي سيجريها الطاقم خلال مهمته، والتي تهدف في مجملها إلى تحسين صحة الإنسان وقدراته استعداداً لرحلاتٍ فضائية مستقبلية طويلة الأمد. حيث تتضمن الدراسات فسيولوجيا الغذاء، تأثير النظام الغذائي المحسّن على صحة الطاقم، تأثير الرحلات الفضائية على وظائف الدماغ، زراعة الفجل في أنواع مختلفة من الضوء والتربة، وفهم دور الجاذبية الصغرى على صحة الإنسان. وقد أطلق روّاد الفضاء المشاركين اسم “ريزيلينس” على المركبة الفضائية، والذي يعني القدرة على الصمود والتحمّل، مُشيرين إلى أن التسمية تأتي تقديراً للظروف التي يمر به الناس في ظل جائحة كورونا.

(Image: © NASA)

4-  حل لغزٍ عمره 50 عاماً في علم الأحياء 

استطاع نظام الذكاء الاصطناعي ألفا فولد الذي طوّرته شركة ديب مايند أن يحل تحدي “طي البروتين” الذي حيّر العلماء لما يقارب من خمسين عاماً، وينطوي هذا التحدّي على إمكانية التنبؤ بشكل البروتين. حيث اُستخدمت هياكل التعلم العميق والأساليب المستوحاة من الأحياء والفيزياء وتعلم الآلة إلى جانب جهود العلماء والمجتمع على مدار نصف قرن، سعياً لتحسين آلية تقييم طرق نمذجة شكل البروتين CASP وتحقيق مستوياتٍ بالغة الدقة. ففي أحدث إصدارٍ من ألفا فولد، دُرِّبت شبكةٌ عصبيةٌ قائمةٌ على التركيز لتفسير البروتين المطوي والتنبؤ بشكله من خلال استخدام تقنيات المعلوماتية الحيوية.

 البروتينات هي جزيئاتٌ أساسيةٌ ومعقدة، وتتكون من سلاسل من الأحماض الأمينية المرتبة وفقاً للتعليمات الوراثية التي يحملها الحمض النووي للكائن الحي. وتتفاعل هذه الأحماض الأمينية مع بعضها البعض لينطوي البروتين، أي أن شكله يتغيّر ليأخذ شكلاً معيّنا من طيفٍ واسعٍ من الأشكال الممكنة. ولأن شكل البروتين يرتبط ارتباطاً وثيقاً بوظيفته، يعد التنبؤ الدقيق بشكله أمراً مهماً لمعرفة دوره في الخلايا، وبالتالي تعميق فهمنا للأمراض، تحسين قدرتنا على تصميم علاجاتٍ واعدة، وتطوير الأدوية بأسرع مما كان ممكناً.

5-  بدء توزيع لقاحات فيروس سارس-كوف-2

وافقت العديد من الجهات التشريعية حول العالم شهر في ديسمبر من عام 2020 على استخدام حوالي خمسة لقاحات مضادة لفيروس سارس-كوف 2 المسبب لمرض كوفيد19، وأشهرها لقاحات شركتي فايزر-بيونتيك، موديرنا، سينوفاك، سبوتنيك، أسترازينيكا-أكسفورد، وغيرها الكثير. ولقد تعدت جميع هذه اللقاحات مرحلة التجارب السريرية، كما أثبتت فاعليتها بنسبة تتفاوت بين 70 -95%. وبدأ توزيع بعضها في بعض الدول، بينما لا زالت لقاحاتٌ أخرى تخضع لمراحل الاختبار قبل الموافقة على استخدامها. فمنذ إعلان اكتشاف فيروس كورونا المستجد في يناير عام 2020م، عكف العلماء والباحثون في جميع أنحاء العالم على دراسة الفيروس وتتبع خريطته الوراثية، وتظافرت الجهود والمبادرات على مستوياتٍ محليةٍ وتعاونٍ دولي من أجل إنتاج اللقاح والعلاج في أسرع وقتٍ ممكن.

عموماً، تعمل اللقاحات على تعريف الجهاز المناعي بالفيروس وتساعده على إنتاج الأجسام المضادة لمحاربته، وهناك أساليبٌ مختلفة لإنتاجها وتحفيز ردة الفعل المناعية للإنسان، منها حقن الجسم بجرعة مقتولةٍ أو مخففةٍ من الفيروس بالقدر الذي يولّد استجابةً مناعيةً دون أن يُسبب المرض، وهناك أساليب أخرى أكثر تطوراً كلقاحات الحمض النووي الريبوي المراسل، وفيه يُستخدم الحمض النووي الريبوي المعدَّل وراثياً لتوليد بروتين شبيهٍ بأحد أجزاء الفيروس ليحفّز الاستجابة المناعية.

إلا أن العديد من اللقاحات تواجه موجةً من الشائعات المُشككة في فعاليتها بسبب سرعة تطويرها مقارنةً باللقاحات السابقة، ولكن العلماء وضحوا أن سبب سرعة التوصّل إلى اللقاح يرجع إلى التحالفات العلمية والتعاون الدولي المُركّز، الدعم المادي السخّي من الحكومات، التطوّر الكبير في التقنيات الحيوية، والتراكم المعرفي الضخم عبر السنين، ما جعل من الممكن التوصل إلى هذا الإنجاز العلمي الضخم.

6- الاقتصاد الدائري للكربون: خطة سعودية لمشكلة عالمية

قدّمت المملكة العربية السعودية خلال رئاستها لمجموعة العشرين نهجاً متكاملاً مبتكراً لإدارة الكربون، وهو مفهوم “الاقتصاد الدائري للكربون”، وقد لاقى هذا المقترح ترحيباً عالمياً وموافقةً من وزراء الطاقة لدول العشرين. ولقد اعتمدته المملكة العربية السعودية بالفعل كاستراتيجية لتتبنّاها جميع قطاعات الدولة لتخفيف حدة التغيّر المناخي، مع الحفاظ على الفوائد التي يوفرها النفط والغاز للمملكة كدولة مُنتجة لهما. 

يُعرّف الاقتصاد الدائري للكربون بأنه نظام حلقةٍ مغلقةٍ، ويشبه إلى حدٍ كبير ما يحدث للكربون في دورته الطبيعة، ويُمكن من خلاله ربط جميع خيارات تخفيف الانبعاثات الكربونية في نظامٍ يحقق الأهداف المناخية المنصوص عليها عالمياً، ويتضمن مفهوم الاقتصاد الدائري بشكلٍ عام أربعة عناصر وهي:

الخفض: ويتضمن كفاءة استخدام الطاقة والطاقة المتجددة.

إعادة الاستخدام: من خلال احتجاز الكربون واستخدامه.

إعادة التدوير: من خلال البواليع الطبيعية مثل الأشجار والطاقة الحيوية.

الإزالة: من خلال تخزينه واحتجازه بالطرق الكيميائية أو الجيولوجية.

لقد كان لمركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية (كابسارك) دورٌ محوري في تطوير مفهوم الاقتصاد الدائري للكربون، كما عمل كابسارك بالمشاركة مع منظماتٍ دوليةٍ رائدةٍ في كتابة دليل لهذا المفهوم الثوري يشرح فيه عناصره الرئيسية وطرق تطبيقه على نطاق واسع لتستفيد منه الدول حول العالم.

كجزءٍ من دورها الريادي، أبدت المملكة العربية السعودية بوادر مبشرةً لتفعيل هذا المبدأ على نطاق واسع في صناعة الطاقة المحلية، إذ تعمل حالياً على تقليل الانبعاثات الكربونية في عمليات توليد الكهرباء محلياً عبر زيادة نسبة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة المحلي، كما أظهرت بوادر مبشرةٍ للاستثمار في إنتاج الهيدروجين الأخضر والأزرق اللذان يعدان مصادران نظيفان للطاقة عالمياً، حيث صدّرت المملكة العربية السعودية في سبتمبر من هذا العام أوّل شحنةٍ في العالم من الأمونيا الزرقاء (المُصنعة من الهيدروجين الأزرق) إلى اليابان، كما أعلنت كلٌ من شركتي أكوا باور وإير برودكتس عن نيتهم لتأسيس مصنع للهيدروجين الأخضر في مدينة نيوم.  

المصطلحات:

 فوجاكو Fujaku
الحاسوب الفائق Supercomputer
بيتافلوبس Petaflops
صاروخ فالكون 9 Falcon 9
سبيس إكس “كرو-1 ” SpaceX Crew-1
ريزيلينس Resilience
ألفا فولد AlphaFold
فسيولوجيا الغذاء Food Physiology
طي البروتينProtein Folding   
التعلم العميق Deep Learning
تعلم الآلة Machine Learning
المعلوماتية الحيويةBioformatic   
الحمض النووي الريبوي المراسل mRNA
الاقتصادي الدائري للكربون (Circular Carbon Economy (CCE

   المراجع:

European Space Agency
UAE Space Agency
FujiTSU
Top500
Techxplore
NASA
NASA Space Flight
DeepMind
MITTechnologyReview
WHO
FDA
COVID-19 Awareness
KAPSARC
Arab News 

السعودي العلمي

شاركنا تعليقك ..