المادة المظلمة “مظلمة” أكثر مما كنا نعتقد !

*ترجمة: عياش البيطار


قام علماء الفلك بدراسة كيفية تصرف المادة المظلمة في العناقيد المجرية عند اصطدامها ببعضها البعض عن طريق مشاهدتها من تلسكوب هابل الفضائي التابع لوكالة ناسا الفضائية ووكالة الفضاء الأوروبية، ومرصد شاندرا الفضائي للأشعة السينية. وتوضح النتيجة والتي نشرت في مجلة ساينس العلمية يوم 27 مارس عام 2015، أن المادة المظلمة تتفاعل مع نفسها بشكل أقل مما كان يُعتقد سابقًا، وقد قللت الخيارات لمعرفة ماهية المادة الغامضة.

المادة المظلمة هي علامة استفهام عملاقة تلوح في أفق معرفتنا للكون. إذ إن المادة المظلمة في كوننا أكثر من المادة المرئية، ولكنها بعيدة المنال للغاية لصعوبة البحث والعثور عليها. فالمادة المظلمة لا تعكس ولا تمتص أو تبعث أية ضوء، مما يجعلها غير مرئية. وبسبب هذا، نحن لم نعلم عن وجودها إلا من خلال تأثير جاذبيتها على الكون المرئي.

لمعرفة المزيد عن هذه المادة الغامضة، يمكن للباحثين دراستها بطريقة مشابهة لدراسة التجارب على مادة مرئية (من خلال مشاهدة ما يحدث عندما تصطدم الجسيمات) [1]. ولهذا السبب، يراقب الباحثون مجموعات كثيرة من المجرات، وتسمى العناقيد المجرية، حيث تحتوي هذه الاصطدامات على مادة مظلمة بشكل طبيعي، بل إنها توجد بكميات كبيرة تكفي لرؤية آثار الاصطدامات. [2]

إن المجرات مصنوعة من ثلاثة مكونات رئيسية هي: النجوم، وسحب من الغاز، والمادة المظلمة. وفي أثناء الاصطدامات، تنتشر السحب الغازية في جميع أنحاء المجرات وتصطدم ببعضها البعض، مما يؤدي إلى إبطاء حركتها أو حتى توقفها. وأما النجوم فإنها تتأثر بشكل ضئيل جداً بقوة السحب التي تسببها السحب الغازية [3]، وبسبب الفجوات الكبيرة بين النجوم، فلن يكون لها تأثير على بعضها يؤدي إلى تباطؤها -على الرغم من أنه إذا اصطدم اثنان من النجوم فإن قوى الاحتكاك ستكون ضخمة.

ويوضح ديفيد هارفي من المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان بسويسرا، المؤلف الرئيسي في هذه الدراسة جديدة: “نحن نعرف كيف تتفاعل الغازات والنجوم في هذه الاصطدامات الكونية وكيف يظهرون من حطام هذه الاصطدامات. وبمقارنة كيفية تصرف المادة المظلمة سنتمكن من تضييق احتمالات ماهية هذه المادة.”

قام هارفي وفريقه باستخدام بيانات من تلسكوب هابل الفضائي ومرصد شاندرا للأشعة السينية لدراسة 72 من اصطدامات كبيرة للعناقيد المجرية. حيث حدثت هذه الاصطدامات في أوقات مختلفة، وتم رؤيتها من زوايا مختلفة -بعضها من الجوانب، وبعضها من الأعلى. [4]

وقد وجد الفريق أن المادة المظلمة واصلت حركتها مباشرة من خلال الاصطدامات العنيفة دون إبطاء وهذا ما حدث في النجوم. ولكن، خلافا لما حدث في حالة النجوم، هذا التصرف ليس لأن المادة المظلمة تبعد مسافات كبيرة عن المادة المظلمة الأخرى أثناء الاصطدامات، بل على العكس فالنظرية الرائدة هي أن المادة المظلمة متوزعة بالتساوي في جميع أنحاء العناقيد المجرية، لذلك فإن جسيمات المادة المظلمة في كثير من الأحيان تكون قريبة جدا من بعضها البعض.

السبب في أن المادة المظلمة لا تتباطأ ليس فقط لأنها لا تتفاعل مع المادة المرئية، بل لأنها أيضا تتفاعل بشكل أقل مع المادة المظلمة الأخرى، بعكس ما كان يُعتقد سابقا. ويقول عضو فريق البحث ريتشارد ماسي من جامعة دورهام في المملكة المتحدة : “لقد شهدت دراسة سابقة نفس السلوك في العنقود المجري الرصاصة، ولكن من الصعب تفسير ما تراه إذا كان لديك مثال واحد فقط”.

وأضاف :”يستغرق كل تصادم مئات الملايين من السنين، وفي إطار عمر الإنسان يمكننا رؤية إطار ثابت من زاوية كاميرا واحدة. والآن بما أننا قد درسنا الكثير جدا من الاصطدامات، يمكننا أن نبدأ بتجميع الفيلم الكامل وفهم ما يجري بشكل أفضل”.

وبمعرفة أن المادة المظلمة تتفاعل مع نفسها بشكل أقل مما كان يعتقد سابقا، استطاع الفريق تضييق احتمالات خصائص المادة المظلمة بشكل ناجح. وبالنسبة لعلماء فيزياء الجسيمات النظرية فيجب أن يستمروا بالبحث، ولكن أصبح لديهم الآن مجموعة أقل من المجاهيل للعمل معها عند بناء نماذجهم عن المادة المظلمة. [5]

من المحتمل أن تحتوي المادة المظلمة على الكثير من الجسيمات ذات خصائص معقدة، و لا تزال هناك عدة أنواع أخرى من التصادمات تحتاج للدراسة. وفي ضوء هذه الاكتشافات الجديدة تم استبعاد فرضية أن تفاعلات المادة المظلمة تقوم بخلق قوة احتكاك كبيرة، مما يجعل المادة المظلمة تقوم بإبطاء حركتها أثناء الاصطدامات. أحد التفاعلات الأخرى الممكنة هي أن جزيئات المادة المظلمة ترتد عندما تصطدم ببعضها مثل ارتداد كرات البلياردو، مما يتسبب برمي جزئيات المادة المظلمة بعيدا عن مكان الاصطدامات أو أن تقوم نقاط من المادة المظلمة بتغيير شكلها. ويبدو أن الفريق سيدرس هذه الفرضيات مستقبلاً.

لزيادة عدد التصادمات التي يمكن دراستها، يتطلع الفريق أيضا لدراسة التصادمات بين مجرات فردية، والتي هي أكثر شيوعا. ويلخص هارفي: “لا يزال هناك العديد من المرشحين للمادة المظلمة، وبالتالي فإن اللعبة لم تنته بعد، ولكننا بدأنا نقترب أكثر من الإجابة،” ويضيف: “وأخيرا بدأت مصادمات الجسيمات الفلكية بالسماح لنا بأن نلقي نظرة على هذا العالم المظلم الموجود في كل مكان حولنا ولكنه بعيدٌ عن متناولنا”.

 


 

ملاحظات:

[1]  على الأرض يستخدم العلماء مسرعات الجسيمات لمعرفة المزيد عن خصائص الجسيمات المختلفة. ويمكن لعلماء الفيزياء معرفة مكونات المادة من خلال تسريع الجسيمات إلى أن تتصادم، ومن ثم دراسة خصائص ومسار الحطام الناتج عن ذلك التصادم.

[2]  العناقيد المجرية هي سرب من المجرات يتخللها بحر من الأشعة السينية الساخنة و التي ينبعث منها غاز الهيدروجين المتأين وكل هذا هو عبارة عن جزء لا يتجزأ من سحابة ضخمة من المادة المظلمة. ومن خلال مراقبة تفاعلات جزيئات المادة المظلمة الضخمة يمكننا الكشف عن خصائصها.

[3]  تفاعل السحب الغازية مع بعضها في المجرات أثناء اصطدامها قوي جدا، في حين أن تفاعل السحب الغازية مع النجوم ضعيف للغاية . ولفهم هذا الموقف يمكن أن تتخيل فقاعة صابون ورصاصة في مواجهة الريح. في هذه الحالة ستتأثر الفقاعة بالريح بشكل أكبر من تأثر الرصاصة بالريح.

[4]  لمعرفة أين كانت تقع المادة المظلمة في العناقيد المجرية درس الباحثون الضوء المنبعث من المجرات الموجودة خلف هذه العناقيد التي تم تضخيم الضوء المنبعث منها وتشويهه بسبب الكتلة الهائلة الموجودة في هذه العناقيد. وبسبب معرفتنا لكتلة المادة المرئية في العناقيد المجرية، فأن مقدار تشوه ضوء يخبرنا كم يوجد من المادة المظلمة في تلك المنطقة.

[5]  النظرية المفضلة حاليا هي أن المادة المظلمة يمكن أن تتألف من جسيمات “فائقة التماثل(supersymmetric)”. التناظر الفائق هي نظرية تفترض فيها أن جميع الجسيمات في الموجودة في النموذج القياسي لدينا -الإلكترونات، والبروتونات والنيوترونات، وهلم جرا -لديها نظير “فائق التناظر” ذا كتلة أكبر. وبالرغم من أنه لم يوجد هناك أي تأكيد تجريبي لنظرية “التناظر الفائق” حتى الآن، فإن نظرية تقدم حلول لبعض من الثغرات في تفكيرنا الحالي. على سبيل المثال، واحد من الجزيئات المقترحة من نظرية “التناظر الفائق” يتميز بكونه مستقر، متعادل كهربائيا، ويتفاعل مع جزيئات النموذج القياسي الشائعة بشكل ضعيف -وهذه هي جميع الخصائص المطلوبة لتفسير المادة المظلمة.


العناقيد المجرية: galaxy clusters
العنقود المجري الرصاصة: Bullet Cluster
المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان بسويسرا: EPFL

مصدر الصورة:

IndiLens

المصدر:

ScienceDaily 

Comments are closed.