الجهة اليمنى أم اليسرى؟ دماغك يعرف قبل أن تتحرك !

* ترجمة: ميسون الصقعوب


 

بأقل من ثانية من التخطيط يستطيع الدماغ الحيواني تنظيم والقيام بحركات دقيقة ومعقدة، العلماء في معهد هاورد هيوز الطبي وتحديدا في حرم جليانا البحثي قاموا بتحديد الدارة العصبية المسؤولة عن نقل فورة الأنشطة التي تحدث عند تنظيم الحركة إلى أوامر تقوم بإدارة حركة العضلات.

و قد قاموا الباحثين بشرح السبب خلف اختلال تخطيط الدماغ للحركة في جهة معينة من الجسم عند الإصابة. رئيس المجموعة البحثية في جليانا كارل سفبودا وزملائه نشروا نتائجهم في مجلة نايتشر في شهر فبراير الماضي.

الخلايا العصبية في القشرة الأمام حركية في الدماغ ( Premotor Cortex) تكون نشطة في مرحلة التخطيط والتي تحدث في جزء من الثانية قبل أن يقوم الشخص أو أيا من الرئيسيات بالقيام بالحركة. هذه الخلايا لا تقوم باستقبال المدخلات الحسية بشكل مباشر، أو تقوم بتحفيز الحركة في الجسم بشكل مباشر أيضا. لكن هذه النشاطات تمثل ظاهرة معرفية كما يبين سفبودا،” تستطيع من خلال قراءة الخلايا العصبية التنبؤ بما ستقوم به الحيوانات بالمستقبل، إذا قمت بتسجيل هذه النشاطات ومن خلال الكترود لقراءة مخطط كهربية الدماغ EEG تستطيع معرفة متى وكيف سوف يتحرك الشخص حتى قبل أن يعرف بأنه سيقوم بالحركة”. ولكن حتى الآن لا يوجد دليل على أن الدماغ يقوم بترجمة هذه الإشارات التي تسبق الحركة إلى أوامر حركية. بالإضافة إلى ما يظهر كنتائج متضاربة حول كيفية تأثير الجهة اليمنى والجهة اليسرى من القشرة الأمام حركية على الحركة جعلت العلماء في حيرة.

أكثر ما نعرفه عن القشرة الأمام حركية كان نتيجة من دراسة المرضى أو من القيام بتجارب علمية على الرئيسيات. المرضى الذين يعانون من الإصابة في هذه المنطقة من الدماغ بسبب الجلطات يفقدون القدرة على التحكم في الجهة من الجسم المعاكسة لمكان الإصابة. وعلى الرغم من أنه يمكننا ملاحظة ذلك إلا أن ديناميكية الخلايا العصبية لا تتوافق مع هذه الملاحظة حسب الدراسات الفسيولوجية العصبية.

وجد العلماء أن عددا متساويا من الخلايا في كلا الفصين من القشرة الأمام حركية تم ربطه مع الحركة في الجهة اليسرى من الجسم، ووجدوا أن هذه الملاحظة يمكن ربطها مع الحركة في الجهة اليمنى من الجسم أيضا، حيث أن التخطيط للحركة يتوزع بين فصي الدماغ كما وضح سفبودا.

قبل حوالي العام قام فريق سفبودا بتحديد جزء من دماغ الفئران والذي يتصرف بشكل مشابه للقشرة الأمام حركية عند البشر والرئيسيات الأخرى، مما فتح المجال لدراسات أكثر دقة لهذه المنطقة عند الفئران.

لمعرفة كيف تؤثر النشاطات العصبية في الفترة التخطيطية على الحركة قام الفريق بالاستفادة من تقنية تدعى الأبتوجينتكس (الجينات البصرية)، حيث يتم إدراج بروتينات حساسة للضوء جينيا في الخلايا العصبية، وهذا يؤدي إلى التحكم بالخلايا سواء بالتحفيز أو الإيقاف عن طريق أشعة الليزر.  قام الباحثون بتطوير مهام سلوكية وتدريب الفئران عليها، هذه الفئران تستجيب لإشارات حسية؛ فهناك عامود تستطيع الإحساس بمكانه عن طريق الشارب، ثم تقوم بلعقة بتأخير ١.٣ ثانية وهذا التأخير يسمح بالتخطيط للحركة. ثم قاموا بإيقاف عمل الخلايا العصبية في أحد الجهتين من الجزء المشابه للقشرة الأمام حركية من دماغ الفئران. تقنية الأبتوجنتكس سمحت بالتحكم بسرعة جزء من الثانية، مما سمح للباحثين إيقاف الخلايا في فترة التخطيط للحركة. فلاحظوا أن إيقاف الخلايا العصبية في الجزء الأيمن من الدماغ أثر على قدرة الفأر بلعق الجهة اليسرى، والعكس صحيح حيث إيقاف الخلايا في الجهة اليسرى أثر على قدرة الفأر بلعق الجهة اليمنى. ولكن وكما لاحظ العلماء عند البشر والرئيسيات الأخرى فإن الخلايا تنشط في كلا الفصين في فترة التخطيط لحركة الفأر.

يوجد أنواع مختلفة من الخلايا العصبية في هذا الجزء من الدماغ ولم يستطع الباحثون في دراسات سابقة من فرزها. ولكن باستخدام تقنيات الأبتوجنتكس الحديثة لتحديد نشاط أنواع معينة من الخلايا العصبية، قام العلماء بتحديد مجموعة صغيرة من الخلايا التي تنشط فقط عند التخطيط للحركة في الجهة المعاكسة من الجسم. هذه الخلايا العصبية من خلايا السبيل الهرمي والتي تمتد حتى مركز الحركة في الدماغ لإنتاج الحركة، وقاموا بتصوير الخلايا لمعرفة نشاطها في السبيل الهرمي، ووجدوا أنها ترتبط مع الحركة في الجزء المعاكس من الجسم.

وضح سفبودا. “هذه الخلايا تعتبر أقلية صغيرة من الخلايا في هذه المنطقة. فعند تسجيل نشاط الخلايا بشكل عشوائي لن يتم ملاحظتها”. كما بين” لمعرفة كيفية عمل الدماغ يجب دراسة الشفرة العصبية على مستوى نوع من الخلايا العصبية ذا خصائص محددة”.

كما لاحظ العلماء استطاعتهم التحكم باتجاه اللعق عن طريق تحفيز خلايا السبيل الهرمي” إذا قمنا بتحفيز الخلايا العصبية قبل حركة الفأر فإنه يتحرك بالاتجاه المعاكس، وهذا يؤكد أن هذا الجزء من الدماغ وهذا النوع من الخلايا هو المسؤول عن تنظيم الحركة” كما بين سفبودا. “بشكل مبسط، فإن التخطيط للحركة يتوزع بين فصي الدماغ، حيث يتواصل الفصين مع بعضهم كالحديث بينهم، ويتم توزيع النشاط، ومن بينها الخلايا العصبية التي تتفاعل مع الأماكن الحسية، وقبل الحركة، تقوم بنقل الخطة الحركية إلى خلايا السبيل الهرمي”

والآن وبعد فهم الدارة العصبية التي تربط التخطيط بالحركة، سفبودا وفريقه بدأوا بدراسة آلية بداية هذه الأنشطة، وكيفية قيام الفص الحركي بالتخطيط، وكيف تخزن هذه المعلومات إلى حين القيام بالحركة. “لا يمكننا برمجة برنامج كمبيوتر للقيام بهذه المهام وفقا لما لدينا من المعلومات عن الخلايا العصبية، وهنا يكمن الغموض”.


 

مصدر الصورة

Stanford

المصدر الأصلي:

HowardHughesMedicalInstitute 

Comments are closed.