رصد هروب الإلكترونات من الذرة خلال أقصر فترةٍ زمنيةٍ

كتابة: ريبيكا بويل.
ترجمة: علي الحويجي.
مراجعة: عبد الحميد شكري.

للمرة الأولى، تمكّن الفيزيائيون من قياس تغيراتٍ في ذرةٍ على مستوى الزيبتو ثانية، أي جزءٍ من تريليون مليار جزءٍ من الثانية، وهو أصغر فترةٍ زمنيةٍ رصدت حتى الآن. ويعد ذلك مثل اصطياد الضوء أثناء تحركه.

في هذه الحالة، كان شيطان السرعة هو إلكترونٌ هاربٌ من روابط ذرته الأم، فعندما يصطدم الضوء بالإلكترونات، يتم استثارتها وتتحرر من ذراتها، حيث يتم امتصاص طاقة الفوتون إما من إلكترونٍ واحدٍ أو تتوزع بين عدة إلكتروناتٍ. وتسمى هذه العملية الطاردة للإلكترونات بالتأثير الكهروضوئي، والتي وصفها ألبرت أينشتاين في عام 1905مـ.

يقول مارتن شولتز من معهد ماكس بلانك للبصريات الكمية في جارتشينق بألمانيا أن التجارب السابقة التي تدرس هذا الأثر استطاعت أن تقيس ما حدث للإلكترون بعدما تم طرده كلياً من الذرة فقط. ولقد رأى شولتز وزملاؤه النهاية الأخرى لهذه العملية الآن، حيث قاسوا طرد الإلكترونات في ذرة الهيليوم من البداية وحتى النهاية بدقة الزيبتو ثانية (10-21 ثانية)، مسجلين أصغر فترةٍ يتم قياسها على الإطلاق.

المخرج السريع
في سلسلةٍ من التجارب، أطلق الفريق نبضة ليزرٍ فائقةً من الأشعة الفوق البنفسجية وقصيرةً بشكلٍ لا يصدق على ذرة الهيليوم، وذلك لبدء إثارة زوجٍ من إلكتروناتها، حيث استمر هذا النبض لما لا يتجاوز 100 الى 200 أوتو ثانية (10-18 ثانية). ولكن من خلال عدة قراءاتٍ وحساب انتشارهم الإحصائي، كانوا قادرين على قياس الأحداث بمعدل 850 زيبتو ثانية.

كما أطلقوا أيضاً نبضةً ليزريةً قريبةً من الأشعة تحت الحمراء دامت لأربع فيمتو ثانية فقط (1 فيمتو ثانية تساوي 10-15 ثانية)، وكان هذا النبض قادراً على الكشف عن الإلكترون الهارب بمجرد تحريره من ذرة الهيليوم. وتم تسريع هذا الإلكترون أو تبطيؤه اعتماداً على المجال الكهرومغناطيسي لنبض الليزر.

يقول ماركوس أوسياندر من معهد ماكس بلانك: “باستخدام هذه المعلومات، يمكننا قياس الوقت الذي يستغرقه الإلكترون لتغيير حالته الكمومية من الحالة المقيدة جداً حول الذرة إلى الحالة الحرة”. ولقد استغرقت عملية إفلات الإلكترونات من سبع الى 20 أوتو ثانية وفقاً لشولتز، وهذا يعتمد على كيفية تفاعل الإلكترون مع النواة والإلكترونات الأخرى.

يقول أوسياندر:” نحن فقط بحاجةٍ لمعرفة مركز الوقت للنبضة بشكلٍ دقيقٍ، وتسمح تقنياتنا لأن نقيس ذلك بدرجةٍ عاليةٍ من الدقة”. ويضيف: “نبضٌ أقصرٌ سيعطي وضوحاً أفضل، ولكن الوضوح يمكن أن يتجاوز فترة النبض بكثيرٍ. يمكننا أن نؤكد ذلك من خلال القيام بإحصائياتٍ لكثير من القياسات وقياس الخطأ القياسيّ الإحصائيّ للمتوسط، والذي في حالتنا هو 850 زيبتو ثانية”.

تمكن الباحثون أيضاً من قياس كيفية تقسيم الإلكترونات لطاقة الليزر، بأخذ حصصٍ متساويةٍ أو غير متساويةٍ من تلك الطاقة، ففي بعض الحالات، استولى واحدٌ من الإلكترونين على كامل الطاقة. وأوضح شولتز أن العديد من العوامل أثرت على تقسيم هذه الطاقة، ابتداءً من الارتباطات الكمومية بين الإلكترونات إلى الحالة الكهرومغناطيسية لمجال الليزر.

شراكةٌ ثنائيةٌ
أحد أسباب اختيار الهيليوم هو أنه يحتوي فقط على إلكترونين، مما يسمح بالقياس المباشر لسلوكها الكميّ الميكانيكي، وبالنسبة للذرات التي تمتلك عدداً أكبر من الإلكترونات، سنحتاج إلى فرضياتٍ حول كيفية تقسيم الطاقة والوقت الذي تستغرقه عملية الإفلات. يقول شولتز أن هذه النتائج تعتبر نافذةً هامةً لفهم السلوك الكمي في الذرات، وخاصة كيفية عمل الإلكترونات. وربما يقودنا فهم هذا إلى فهم ظواهر مثل الموصلات الفائقة أو الحواسيب الكمية.

يقول شولتز: “هناك دائماً أكثر من إلكترونٍ واحدٍ، والذين يتفاعلون دائماً، ويشعرون دائماً ببعضهم البعض، حتى من على مسافاتٍ بعيدةٍ”. ويضيف: “هناك العديد من الأمور المتجذرة في تفاعلات الإلكترونات الفردية، ولكننا نتعامل معها كشيءٍ جماعيٍّ. إذا كنت تريد حقاً تطوير فهمٍ مجهريٍّ للذرات على المستوى الأساسيّ، فأنت بحاجةٍ إلى فهم كيفية تعامل الإلكترونات مع بعضها البعض”.

المصدر: (newscientist)

ريبيكا بويل (Rebecca Boyle)
ماركوس أوسياندر (Marcus Ossiander)
مارتن شولتز (Martin Schultze)
معهد ماكس بلانك للبصريات الكمية (Max Planck Institute of Quantum Optics)
جارتشينق (Garching)

فارس بوخمسين

فارس بوخمسين
dr.faris.bu50@gmail.com

Comments are closed.