المفاعل العجيب الذي قد ينقذ الاندماج النووي – الجزء الثاني

ترجمة: عبدالحميد حسين شكري.

هذا هو المقال الثاني من سلسلة “المفاعل العجيب الذي قد ينقذ الاندماج النووي”، وبإمكان القراء الإطلاع على المقال الأول هنا.

 

تقوم ستللاريتور بفرض اللفة من الخارج. حيث أن أول ستللاريتور فعل ذلك عن طريق ثني الأنبوب على شكل رقم ثمانية بالإنجليزية، والذي اخترعه عالم الفيزياء الفلكية ليمان سبيتزر في جامعة برينيستون في عام 1951مـ. ولكن مختبر برنستون لفيزياء البلازما في نيوجيرسي الذي كان يعمل فيه تحول إلى طريقةٍ أبسط لأجهزة الستللاريتور اللاحقة: وهي بلف حزمٍ أكثر من الأسلاك حول طارةٍ تقليديةٍ، مثل أشرطةٍ على حلوى القصب لخلق مجالٍ مغناطيسيٍ ملتوٍ في الداخل.

أما في التوكاماك الذي تم اختراعه في الاتحاد السوفييتي في خمسينيات القرن الماضي، فتأتي اللفة من الداخل. حيث تستخدم التوكاماك طريقةً مثل المحول الكهربائي لحث الإلكترونات والأيونات للتدفق حول الأنبوب كتيارٍ كهربائيٍ. ويقوم هذا التيار بإنتاج حلقةٍ عموديةٍ من المجال المغناطيسي والذي سيقوم بإنتاج خطوط المجال المتصاعدة المطلوبة عند إضافته إلى المجال الذي يعمل فعلاً على طول الأنبوب.

إن كلاً من الطريقتين تعملان، إلا أن التوكاماك أفضل في الإمساك بالبلازما. وهذا يعود جزئياً لتناظر التوكاماك والذي يعطي الجسيمات مساراً أكثر سلالةً لتتبعه. أما في الستللاريتور كما يقول أنديرسون: “تواجه الجسيمات الكثير من التموجات والانحناءات” والتي تتسبب في فقدان الكثير منها. ركزت معظم أبحاث الاندماج منذ سبعينيات القرن الماضي على التوكاماك نتيجةً لذلك، وبلغت ذروتها في مشروع المفاعل الضخم إيتير في فرنسا، وهو مجهودٌ دوليٌ بلغت كلفته 16 مليار يورو لبناء توكاماك يستطيع إنتاج طاقةً أكثر من التي يستهلكها، ممهداً الطريق لمفاعلات الطاقة التجارية.

لكن للتوكاماك لديها عيوبٌ خطيرةٌ. فالمحول يستطيع دفع تيار البلازما في نبضاتٍ قصيرةٍ فقط، والتي لن تلائم مفاعل الاندماج التجاري. كما أن من الممكن للتيار داخل البلازما أن يتداعى بشكلٍ غير متوقعٍ، متسبباً بـ”تشويشٍ”: ومن الممكن أن يؤدي النقص المفاجئ للبلازما المحبوسة إلى تحرير قوىً مغناطيسيةً قويةً بما يكفي لإلحاق الضرر بالمفاعل. إن مشاكل كهذه أصابت حتى التصاميم الحالية والقادمة مثل التوكاماك الكروي.

أما الستللاريتور فهي منيعةٌ. فمجالاتها تأتي كلياً من لفائف خارجية، والتي لا تحتاج لأن تنبض، وليس هنالك تيارٌ للبلازما ليعاني من التشويشات. هذان العاملان دفعا بعض الفريق للاستمرار بملاحقة هذا المفهوم.




أكبر ستللاريتور يعمل حالياً هو الجهاز الحلزوني الكبير في توكي باليابان، والذي بدأ تشغيله في عام 1998مـ. ويدرك ليمان سبيتزر التصميم، وهو تغييرٌ على الستللاريتور التقليدي بلفافتين حلزونيتين لثني البلازما، ولفائف أخرى لإضافة تحكمٍ أفضل. ويمتلك الجهاز الحلزوني الكبير كل الأرقام القياسية لأداء الستللاريتور ويبدي تشغيلاً جيداً في حالةٍ مستقرةٍ، ويقترب من أداء توكاماكٍ مماثلٍ بنفس الحجم.

قام الباحثان جورغن نورنبيرغ من معهد ماكس بلانك لفيزياء البلازما وألين بوزر من مختبر برنستون لفيزياء البلازما (وهو حالياً في جامعة كولومبيا) بحساب أن بإمكانهم أن يأتوا بنتيجةٍ أفضل من ذلك بتصميٍم مختلفٍ، والذي يقوم بتقييد البلازما بمجالٍ مغناطيسيٍ ذو قوةٍ ثابتةٍ ولكنه متغير الاتجاه. يقول العالم النظري بير هيلاندر من معهد ماكس بلانك لفيزياء البلازما أن مجالاً شبه متناظرٍ كهذا لن يكون كميناً مثالياً للجسيم، “ولكنك تستطيع أن تقترب اعتباطياً لتحصل على خسائر بمستوىً مرضٍ.” ويمكن لهذا أن يجعل أداء الستللاريتور جيداً مثل التوكاماك مبدئياً.

تتطلب استيراتيجية التصميم المعروفة بالتحسين تحديد أفضل شكلٍ للمجال المغناطيسي لحصر البلازما، ثم تصميم مجموعةٍ من المغانط لتنتج المجال. قد يتطلب ذلك قدرةً حاسوبيةً هائلةً، ولم تكن الحواسيب الفائقة قادرةً على عمل ذلك حتى ثمانينات القرن الماضي.

تم بناء أول محاولةٍ لستللاريتور محسنٍ جزئياً والمسمى فينديليشتاين 7-إيه إس في فرع معهد ماكس بلانك لفيزياء البلازما في غارشينغ قريباً من ميونخ، وعمل بين عامي 1988مـ و2002مـ. وقد حطم كل الأرقام الستللاريتور القياسية لآلاتٍ بنفس حجمه. قام باحثون من جامعة ويسكونسن بالتخطيط لبناء أول جهازٍ محسنٍ كلياً في عام 1993مـ. وكانت النتيجة آلةً صغيرةً تدعى بـ”التجربة الحلزونية المتناظرة”، والتي بدأت بالعمل في عام 1999مـ. يقول ديفيد غيتس وهو رئيس فيزياء الستللاريتور في مختبر برنستون لفيزياء البلازما: “كلاً من فينديليشتاين 7-إيه إس والتجربة الحلزونية المتناظرة أظهرتا أن الفكرة تعمل.”

أعطى ذلك النجاح الباحثين الأمريكيين الثقة لمحاولة شيءٍ أكبر. حيث بدأ مختبر برنستون لفيزياء البلازما ببناء “تجربة الستللاريتور المرصوص الوطني” في عام 2004مـ، وذلك باستخدام استراتيجيةٍ محسنةٍ ومختلفةٍ عن معهد ماكس بلانك لفيزياء البلازما. ولكن صعوبة تجميع أجزاء الشكل المعقد بدقة الميلليمتر أدى إلى ارتفاع التكلفة وزلاتٍ في الجدول الزمني. ومع بناء أو شراء 80% من الأجزاء الرئيسية في عام 2008مـ، قامت وزارة الطاقة بإجهاض المشروع. يقول جورج هاتش نيلسون من مختبر برنستون لفيزياء البلازما ومدير تجربة الستللاريتور المرصوص الوطني: “لقد استخفينا وقللنا من قدر التكلفة والجدول الزمني.”

يجب جمع أجزاء فينديليشتاين 7-إكس ذات الأشكال الغريبة معاً بدقة الميلليمتر. كما أن كلّ اللحام يتم التحكم به عن طريق الحاسوب ويتم مراقبته بماسحات الليزر.

يتبع …

المصدر (sciencemag)

ليمان سبيتزر (Lyman Spitzer)
جامعة برينيستون (Princeton University)
مختبر برينيستون لفيزياء البلازما (Princeton Plasma Physics Laboratory (PPPL))
نيوجيرسي (New Jersey)
إيتير (ITER)
الجهاز الحلزوني الكبير (the Large Helical Device (LHD))
توكي (Toki)
جورغن نورنبيرغ (Jürgen Nührenberg)
ألين بوزر (Allen Boozer)
جامعة كولومبيا (Columbia University)
بير هيلاندر (Per Helander)
فينديليشتاين 7-إيه إس (Wendelstein 7-AS)
غارشينغ (Garching)
ميونخ (Munich)
التجربة الحلزونية المنتاظرة (Helically Symmetric Experiment (HSX))
ديفيد غيتس (David Gates)

Website Comments