هل يجب أن نعيد كتابة نظرية آينشتاين للنسبية العامة؟

ترجمة: عبدالحميد شكري.

اشتهر آينشتاين بأنه عمل جاهداً على وضع النظرية النسبية العامة، ولكن مساعدته على ظهور ميكانيكا الكم أيضاً معروفةٌ بشكلٍ أقل، والتي لم يهتم بها كثيراً. هاتان الرؤيتان للعالم هما حجرا الأساس للفيزياء الحديثة، واللتان لن نحصل على أشياءٍ مثل السفر إلى الفضاء، التصوير الطبي، أنظمة تحديد المواقع العالمية أو الطاقة النووية من دونهما.

تُعد النسبية العامة فريدةً عندما تصف العالم على نطاقٍ واسعٍ مثل الكواكب والمجرات، في حين أن ميكانيكا الكم تصف وبشكلٍ ممتازٍ الفيزياء على أصغر نطاقٍ مثل الذرة أو حتى أجزاء من الذرة. وتوحيد الاثنين إلى “نظرية كل شيء” المتناسقة هو التحدي الأكبر والوحيد في الفيزياء اليوم، والتي تتطور ببطء.

ولادة الفيزياء الحديثة:
إن معرفتنا للكون مبنيةٌ على سلسلةٍ من “القوانين الطبيعية”. ومع مرور الزمن تتحول العديد من القوانين إلى أخرى جديدةٍ كنتيجةٍ للبرهان التجريبيّ أو تغيير التحيزات المفاهيمية. فرفض إينشتاين لمفهوم عالمية الزمن كان أحد أكثر التغييرات جذريةً في تاريخ الفيزياء. وعواقبها كانت حاسمةً في تشكيل بعض أكثر التطورات العميقة في فهمنا للطبيعة.

بدمج الأبعاد الثلاثة للفضاء (الارتفاع، العرض والعمق) مع اتجاه الزمن لتشكيل “بنية الزمكان”، ظهر تناظرٌ جديدٌ للطبيعة. وعندما قام إينشتاين لاحقاً بإضافة الجاذبية لنظرياته أدى ذلك إلى تنبؤاتٍ يمكن التحقق منها تجريبياً، بالإضافة إلى التنبؤ بموجات الجاذبية والثقوب السوداء خارج النطاق الطبيعي لقانون نيوتن القائم للجاذبية.

لكن إينشتاين لم يعمل فقط على النسبية. فمسألةٌ عويصةٌ في ذلك الوقت كانت حقيقة أن قوانين ماكسويل والتي تصف ظاهرة الكهرومغناطيسية لم تكن قادرةً على تفسير تساؤلٍ ما، وهو لماذا يمكن أن يؤدي الضوء الباهت فوق بنفسجي إلى ظهور شررٍ عندما يسقط على معدن قطبٍ كهربائيٍ أسهل بكثير من الضوء الأحمر الساطع. اقترح إينشتاين أنه من الممكن فهم ذلك إذا كانت الطاقة في موجة الضوء غير موزعةِ بشكلِ مستمرِ كموجةِ، بل كوابلِ من “رصاصات الضوء” الفردية (الفوتونات والمعروفة أيضاً بـ”كمات الضوء”)، وتمتلك كل واحدةٍ منها طاقةً تتناسب طردياً مع لون (تردد) الضوء. شكك كثيرٌ من العلماء في هذه الفكرة الرائدة، حيث أن العديد من التجارب أظهرت فعلاً أن الضوء موجةٌ.

أحد هؤلاء العلماء المعارضين كان روبرت ميليكان، والذي أخيراً انتهى بإثبات تجريبيّ لنظرية آينشتاين بشكلٍ مثيرٍ للسخرية. اكتشف ميليكان أيضاً أن جسيماتٍ مشحونةٍ تُعرف بالإلكترونات لديها خصائصٌ شبيهةٌ بالموجة. أشار هذا سوياً مع اكتشاف آينشتاين إلى الازدواجية، حيث أن كلاً من المادة والضوء يمكن وصفهما كجسيمٍ أو كموجةٍ، وهي فكرةٌ أدت إلى تطور ميكانيكا الكم عن طريق عددٍ من العلماء.

كان لهذه النظرية تطبيقاتٌ واسعةٌ على أصغر المقاييس، حيث يمكن عادةً تجاهل الجاذبية لأنها ضعيفةٌ مقارنةً بالقوى الأخرى التي تؤثر على الجسيمات. لم تؤد هذه النظرية إلى وصفٍ دقيقٍ للمادة والإشعاع المرصود في حياتنا اليومية فحسب، بل قامت أيضاً بالتنبؤ بجسيماتٍ جديدةٍ وعملياتٍ يتم رصدها الآن في تجارب المسرعات عالية الطاقة هنا على الأرض أو في الأحداث الكونية في الفضاء.




المتنافسَين:
سيكون من الطبيعي أن نتوقع وجود “كمات الجاذبية” التي تحمل قوة الجاذبية لتوحيد وصف المادة وكمات الإشعاع مع الجاذبية. ولقد ظهرت نظرية الأوتار كمرشحٍ لفعل ذلك. فهي تنص على أن المادة مصنوعةٌ من بنياتٍ ممتدةٍ كأوتارٍ ضئيلةٍ أو أغشيةٍ في حالة اهتزازٍ، بدلاً من كونها جسيماتٍ تشبه النقط. حيث أن كلّ نوعٍ من اهتزاز هذه البنيات يقابل حالةً خاصةً للمادة.

أحد أنواع الاهتزازات يقابل الجاذبية الكمومية أيضاً. ولكن ليكون الوصف الكمومي الناتج صحيحاً فمن الضروري أن نعزز أبعاد الزمكان عبر إدخال أبعادٍ إضافيةٍ للفضاء، والتي لا يمكن ملاحظتها بالعين والتقنية الحالية. ولا يوجد هناك إثباتٌ تجريبيّ حاسمٌ لنظرية الأوتار إلى الآن.

تبقى ميكانيكا الكم دون تغييرٍ في المجالات حيث تبدو الجاذبية ليست ذي علاقةٍ بالموضوع بشكلٍ متناقضٍ، على الرغم من وصفها عالماً شديد الغرابة. فهي تنص على أن للجسيمات القدرة على أن تكون في عدة حالاتٍ مختلفةٍ ممكنةٍ في نفس الوقت. وفي حين تستطيع النظرية التنبؤ بمجموعةٍ من الاحتمالات للجسيم بأن يكون في حالةٍ معينةٍ، فهي لا تستطيع بشكلٍ عامٍ التنبؤ بأي الاحتمالات سيحدث حقاً.

يجب علينا في حالاتٍ كهذه أن نأخذ عدداً هائلاً من الملاحظات، ومن ثم نقوم بحساب معدل القياسات. علاوةً على ذلك، تعتمد هذه المعدلات على ماهية الخصائص التي ستقاس ومتى تم إجراء قرارات القياس تلك. هذه الصورة المميزة للعالم تجلس وبشكلٍ غير مريحٍ جنباً إلى جنب مع نظرة إينشتاين لعالمٍ ذو أحداثٍ سببيةٍ وتاريخٍ متجمدٍ في الزمكان.

وفقاً لميكانيكا الكم أيضاً، فحالة جسيمٍ ما يمكن أن ترتبط مع حالة جسيمٍ آخر، حتى وإن كانت على مسافةٍ بعيدة. لم يعجب آينشتاين ذلك لأنها بدت وكأنها تشير إلى أن ذلك الارتباط قد يحدث في أحداثٍ لا يمكن وصلها بشعاعٍ ضوئيٍ، وبالتالي ستكسر القاعدة التي تقول ألا شيء يمكنه أن يسير أسرع من الضوء. وقد شعر أن ذلك النوع من “الفعلٌ الشبحيٌ عن بُعد” كان دليلاً على وجود نقصٍ في النظرية، رغم أن الأدلة التجريبية قد أشارت إلى العكس.

لكن تجارب جديدةٍ ما زالت قيد التنفيذ لترى ما إذا كانت تفاعلات الجاذبية تؤثر على فعلٍ غريبٍ كهذا بطرقٍ غير متوقعةٍ. واقترح فريق بحثٍ في فيينا استخدام محطة الفضاء الدولية لمعرفة كيف يمكن للجاذية أن تؤثر على هذا الفعل. حيث سيتم صناعة مجموعةٍ من أزواج الفوتونات المتشابكة على الأرض، قبل أن يتم إرسال واحدٍ من كل زوج إلى محطة الفضاء المدارية. وسيتم هناك تسجيل حالةٍ تعرف بالاستقطاب ومقارنتها مع حالة شريكتها على الأرض.

من غير الواضح ما إذا كانت ميكانيكا الكم أم النسبية العامة ستحتاج لتعديلٍ رياضيٍ أو مبدئيٍ كردٍ على التجارب التحققية في المستقبل. ولكن في حين يصعب توقع النتيجة، كان وسيبقى تأثير آينشتاين محورياً في هذا المسعى.

المصدر: (phys.org)

كمات الضوء (light quanta)
روبرت ميليكان (Robert Millikan)
محطة الفضاء الدولية (International Space Station)
كمات الجاذبية (gravitational quanta)
الجاذبية الكمومية (gravitational quantum)

Comments are closed.