مصافحة اليد تساعدنا على التواصل بالروائح

ترجمة: موسى الشبيب.
مراجعة: فارس بوخمسين.

قد تبدو المصافحة باليد شيئاً روتينياً لا معنى له، ولكن اتضح أن هذه البادرة هي أكثر من مجرد لباقة اجتماعية، إذ يبدو أنها وسيلة البشر للتواصل مع “رائحة” الآخرين. حيث تقوم كل الثدييات تقريباً باستنشاق روائح القادمين الجدد لتحديد هوية الآخرين والمكان التي كانت فيه، ولكن من الواضح أن الإنسان لا يقوم بذلك. ومع ذلك، اكتشف فريقٌ بقيادة رئيس قسم الأعصاب الحيوية في معهد وزنان للعلوم في فلسطين المحتلة العالم نوم سوبل أن الإنسان يتنشق روائح الأشخاص الجدد أيضاً، ولكن بشكل مخفيٍ عن طريق تفقد الرائحة المتوركة بمصافحة باليد!

التعرف عن طريق الروائح:
إن كل من عاش مع الكلاب أو القطط سيلاحظ أن استشناق الروائح يلعب دوراً رئيسياً في تحية الآخرين لدى هذه الحيوانات. مما قاد عدداً من الباحثين إلى الاعتقاد بأن البشر يتواصلون أيضاً باستخدام نفس جزيئات الاشارات الكيميائية مع الآخرين. وفيما أثبتت التجارب السابقة بأن الاستجابة العاطفية للإنسان وحتى دوراته الحيوية يمكن أن تتزامن مع بعضها البعض من خلال التواصل الكيميائي من الآخرين، ولكن ما زالت الأدلة المباشرة قليلةً على كيفية نقل البشر للإشارات الكيميائية من شخصٍ لآخر.

ويعتقد فريق سوبل بأن الجواب يقع تحت أنوفهم بالضبط. فكل البشر تقريباً على الأرض يمارسون نوعاً من مصافحة الأيدي عند التحية، حتى في الثقافات التي يعد فيها الاتصال البدني مع الغرباء محرماً. ومع أن القصة المتداولة تقول بأن المصافحة بالأيدي تطورت كطريقةٍ لكي تري الآخرين بأنك لا تحمل سلاحاً، يتساءل سوبل وفريقه عما إذا ما كانت جذور هذا الطقس تقع أعمقاً في تاريخنا التطوري. فلقد وجد سوبل وفريقه بالمراقبة بأن الناس تقوم بشم أيديهم في الظروف الاجتماعية. ولهذا، قاموا بتجهيز بعض التجارب ليروا إن كان الشم يزداد بعد مصافحتهم الآخرين.

التواصل الكيميائي:
ابتدأ الفريق بإجراء اختبارٍ لمعرفة إذا كانت اليد البشرية تحمل كميات مؤثرة من المواد الكيميائية المستخدمة في الإشارات الكيميائية. فطلبوا من مجموعةٍ من الناس ارتداء قفازاتٍ مطاطيةٍ، وبعد مصافحتهم بعضهم البعض تم فحص أسطح هذه القفازات من خلال تقنية منظار طيف الكتلة. فوجدوا ازدياداً لمستويات عددٍ من جزيئات الإشارات الكيميائية على أسطح القفازات، مما يؤكد أن هذه الجزيئات تنتقل بين أيدي الناس وقت المصافحة.

وكانت الخطوة التالية هي التحقق من إذا ما كان الأشخاص يستنشقون تلك الإشارات الكيميائية التي ترسبت على أيديهم. فقام الفريق بجمع عينةٍ مكونةٍ من 280 شخصٍ وتوزيعهم إلى مجموعات عشوائية مكونة من 20 شخصاً، ومن ثم وضعهم في غرفٍ للانتظار، والتي كانت في الحقيقة غرفاً للتجربة، فكانت مزودةً بكاميرات مراقبةٍ مخبأةٍ لتراقب المشهد.

وبينما كان الباحثون يراقبون المشهد عبر الكاميرات المخفية، بحثوا عن أي اشاراتٍ لسلوك شم الأيادي مهما كان صغيراً. فلاحظوا أن نسبة ما لا يقل عن 55% من الموجودين قد شموا أيديهم في نقطةٍ ما، بمعدل 5 ثوانٍ لليد اليمنى و12 ثانيةٍ لليد اليسرى. بمعنىً آخر، وضع الناس أحد أيديهم بجوار أنفهم لمدةٍ لا تقل عن 22% من الوقت الذي أمضوه في الانتظار. وقد تحقق الفريق من أن الموجودين قاموا بـشم أيديهم وليس فقط جعلها قريبة من وجوههم عبر مساعدة من جهاز كاشف للتنفس.

والجدير بالذكر أن الرغبة بشم اليد تزداد بنسبة 136% إذا كانت المصافحة بين شخصين من نفس الجنس (رجل لرجل – امرأة لامرأة)، بينما تتضاءل هذه العادة بعدما لطخ الباحثون أيدي الناس بجزيئات الإشارات الكيميائية لناسٍ من الجنس الآخر. مما يعني وبوضح أننا عندما نشم يد شخص من نفس جنسنا فإننا مهتمين بشيءٍ في رائحتهم

التأثير على العلاقة:
بالرغم من هذه النتائج المذهلة إلا أن فريق سوبل يعتبرها قمة الجبل الجليدي فقط، حيث يصرح بوجود عوامل أخرى عديدة تؤثر في الاشارات الكيميائية بين أيدي الناس، كالحالة الاجتماعية النسبية بين المتصافحين، والعمر، والميول الجنسية، ووجود عوامل كيميائية أخرى في المكان نفسه.

فإذا استطعنا التعرف على المزيد من الفهم لقيمة هذه الاشارات وكيفية تعامل دماغنا معها، لربما استطعنا أن نعرف، وبدقة كما لم نستطع من قبل، كيفية تكون العلاقات وسبب تفككها أيضاً بين الناس. فقد يكون لهذا الاكتشاف تأثيرٌ كبيرٌ ليس فقط على العلاقات بين الأفراد، بل قد يصل إلى تحسين العلاقات بين الشعوب التي يبدو أنها غير قادرة على التواصل. فكما علمنا آباؤنا وأمهاتنا، أن المصافحة باليد لها آثار إيجابية على العلاقة بين بعضنا البعض.

المصدر (discovermagazine)

الاشارات الكيميائية: Chemosignaling
منظار طيف الكتلة: mass spectrometry

 

Comments are closed.