زراعة أجهزةٍ بالدماغ تسمح للقردة المشلولة بالمشي

كتابة: ديفيد سيرانسكي.
ترجمة: عمر سامي رجب.
مراجعة: ريم عبد الله.

لأكثر من عقدٍ، كان عالم المخ والأعصاب غريغوار كورتين يسافر كل بضعة أشهرٍ من معمله في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا الواقع في مدينة لوزان بسويسرا إلى معملٍ آخر في مدينة بكين بالصين، حيث يتولى ويدير هناك بحوثاً على القردة بهدف علاج إصابات الحبل الشوكيّ.

إن التنقل أمرٌ متعبٌ، حيث سافر في بعض المرات إلى بكين ليجري تجاربه وعاد في نفس الليلة. ولكن الأمر يستحق ذلك كما يقول كورتين، لأن العمل مع القردة في الصين يحمل عبئاً أقل من ناحية الضوابط بالمقارنة بأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. وفي هذا الأسبوع (التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2016مـ)*، أصدر كورتين وفريقه تقريراً بنتائج التجربة في بكين، والذي ذكر أن زراعة جهازٍ لاسلكيٍّ في الدماغ مكّن القردة ذوي إصاباتٍ الحبل الشوكيّ من المشي مرةً أخرى، حيث يحفز الجهاز أقطاباً كهربائيةً في الرجل أو الساق لإعادة صنع الإشارات المسجلة من الدماغ.

يقول عالم المخ والأعصاب الذي عمل على استعادة حركة الذراع في المرضى المصابين بالشلل، في منظمة أبحاثٍ غير ربحيةٍ في معهد باتيل ميموريال في كولومبوس بولاية أوهايو وهو غوراف شارما: “لقد استطاعوا أن يبرهنوا أن باستطاعة الحيوانات استعادة وظيفة قدرة الجسم على حمل الوزن وليس فقط التنسيق، ما يُعد مهماً في عملية الحركة. هذا عملٌ عظيمٌ”.

يُعد العلاج نعمةً محتملةً للمرضى المقعدين؛ حيث ابتدأ كورتين بالفعل تجربةً في سويسرا، باستخدام النسخة الأساسية من التقنية على شخصين مصابين بإصابات الحبل الشوكيّ.

يقول المهندس الحيويّ الباحث في الأجهزة الطبية المستخدمة لتجاوز إصابات الحبل الشوكيّ في معهد فاينشتاين للبحوث الطبية في منهاست بولاية نيويورك وهو تشاد بوتون: “تساعد هذه الدراسة على فتح سبلٍ جديدةٍ ومثيرةٍ للدراسات السريرية وخيارات علاجٍ جديدةٍ باستخدام الإلكترونيات الحيوية للمرضى المصابين بالشلل”.

من الفئران إلى القردة
تعتبر هذه التجارب كتقدمٍ أكثر من كونها انجازاً مفاجئاً: فهي تقوم على عقودٍ من العمل على الفئران كما يقول كورتين، ولقد كانت استجابة القردة مشابهٌ جداً للفئران. حيث رسم الفريق بالتفصيل كيفية إرسال الإشارات الكهربائية من الدماغ إلى عضلات الرجل في القردة الصحيحة بينما يمشون على جهازٍ للمشي. كما فحص الفريق أيضاً الجزء السفليّ من العمود الفقريّ، حيث تصل الإشارات الكهربائية من الدماغ قبل أن تُرسل إلى عضلات الرجل. بعد ذلك، قام الفريق بإعادة صنع هذه الإشارات في قرودٍ بحبالٍ شوكيةٍ مقطوعةٍ، وبالتركيز على نقاطٍ رئيسيةٍ محددةٍ في الجزء السفليّ للعمود الفقريّ.

قامت مصفوفاتٍ من الأقطاب الصغيرة المزروعة في أدمغة القردة المُقعدة بالتقاط وفك شفرة الإشارات المرتبطة سابقاً بحركة الرجل، وارسلت هذه الإشارات لاسلكياً إلى الأجهزة التي تولد نبضاتٍ كهربائيةٍ في الجزء السفليّ من العمود الفقريّ، والتي بدورها أثارت عضلاتٍ في أرجل القردة لتتحرك.

يقول كورتين الذي واجه عدة تجارب فاشلةٍ لاستعادة القدرة على الحركة: “كان الفريق كله يصرخ في الغرفة عندما رأيناها”. إن إيقاع حركة الساق غير مثاليٍ، ولكن القردة لم تجر أقدامها والحركة كانت متناسقةً بشكلٍ كافٍ لدعم وزن القردة.

استخدم الباحثون سابقاً تقنيةً لقراءة الدماغ لتمكين الأشخاص المشلولين من تحريك ذراعٍ آليّةٍ، ليجلبوا شراباً لأنفسهم، أو لتحريك أيديهم ليتمكنوا من لعب ألعاب الفيديو. يقول كورتين أن إشارات الدماغ المشاركة في تنشيط عضلات الساق المشلولة أقل تعقيداً بكثير من تلك التي توجه اليد والأصابع، ولكن الباحثين الذين يدرسون حركة الذراع واليد لديهم ميزةٌ بأن حتى التطورات التدريجية تكون مفيدةً.

أضاف كورتين: “إن أي تطورٍ صغيرٍ في قدرتك على المسك ستغير من نوعية حياتك؛ ولكن المشي تقريباً لا يساعد كثيراً. فالحال مع الأرجل هو كل شيءٍ أو لا شيءٍ”. ويعمل الآن مع القردة في محاولة ضمان تحكمٍ جيدٍ بعضلة الساق، لكي تستطيع القردة حمل وزنها الخاص والحفاظ على توازنها وتجنب العقبات أيضاً.

التطبيقات البشرية
يضيف كورتين أن فعل نفس الشيء مع البشر سيكون أكثر تعقيداً؛ إذ إن فك شفرات الدماغ سيكون أكثر تعقيداً. فعلى سبيل المثال، استخدم نشاط كهربائيٌّ مسجلٌ من الحبل الشوكيّ قبل حدوث الإصابة في دراسة الرئيسيات، “وأعيد تشغيله مرةً أخرى” لاستعادة الحركة، كما ينوّه بوتون. ويضيف: “هذا النهج لن يكون عملياً بعد الإصابة الفعلية للحبل الشوكيّ”.

يقول شارما أن البحوث القادمة يجب أن تأخذ بالحسبان العوامل الأخرى للمشي، كالتنسيق الإيقاعيّ للمشية على سبيل المثال التي تتحكم بها مجموعةٌ أخرى من الخلايا العصبية، وهو أمرٌ لم تُظهره القردة بشكلٍ واضحٍ. مثالياً، ستحتوي الأجهزة لتمكين الإنسان من الحركة عند المرضى المشلولين على وصلة الدماغ بالحاسوب، مُحفزٍ كهربائيّ لتنشيط العضلات، جهازٍ مثل الهيكل الخارجيّ للمساعدة على حمل الوزن، ومعالجٍ كهربائيٍ ذكيٍ للتحكم بالمشي.

شرع كورتين بتجربةٍ سريريةٍ في مستشفى لوزان الجامعيّ (تشوف)، وهي موجّهةٌ لإعادة تأهيل الأشخاص المشلولين ومساعدتهم لتحفيز المشي المنسق. ولقد حصل شخصان على مولدات النبضات الكهربائية المزروعة في أسفل الحبل الشوكي (إلا أن التجربة لن تزرع مصفوفات الأقطاب الصغيرة في دماغ البشر، لذا لن يستطيعوا التحكم بالحركة بأنفسهم).

مع تقدم التجارب السريرية في سويسرا، لا يزال كورتين يسافر بانتظامٍ إلى الصين، وعلي الرغم من أن النتائج الإيجابية أتاحت له التفاوض على استعمال خمسة قرودٍ في المختبر السويسريّ للرئيسيات، إلا أن بعضاً من عمله التجريبيّ ما زال يجري في بكين. وسيحصد أسلوب الصين الترحيبيّ للبحوث على الرئيسيات فوائد عديدةٍ للدولة، حيث يقول كورتين: “سيزود هذا الصين بنفوذٍ هائلٍ في الطب الترجمي”.

المصدر: (nature)

ديفيد سيرانسكي (David Cyranoski)
غريغوار كورتين (Grégoire Courtine)
المعهد الفيدرالي السويسري للتقنية (Swiss Federal Institute of Technology )
الأقطاب الكهربائية (electrodes)
غوراف شارما (Gaurav Sharma)
معهد باتيل ميموريال (organization Battelle Memorial Institute)
تشاد بوتون (Chad Bouton)
الإلكترونيات الحيوية (bioelectronic)
الشلل (paralysed)
معهد فاينشتاين ( Feinstein Institute)
مستشفى لوزان الجامعيّ (تشوف (CHUV)) (University Hospital of Lausanne)
الأقطاب الصغيرة (microelectrode)

 

 

 

 

 

Comments are closed.