اكتشاف علاماتٍ على ثاني أكبر ثقبٍ أسود في مجرة درب اللبانة

ترجمة: علياء فادان.
مراجعة: عبدالحميد شكري.

قام الفلكيون باستخدام منظار نوبياما الراديوي ذو الـ45 متراً برصد علاماتٍ على وجود ثقبٍ أسودٍ خفيٍّ كتلته أكبر من كتلة الشمس بمئة ألف مرةٍ، والذي يقع حول مركز مجرة درب التبانة. ويعتقد الفريق أن هذا الثقب الأسود “ذو الكتلة المتوسطة” قد يكون المفتاح لفهم ولادة الثقوب السوداء فائقة الضخامة المتواجدة في مراكز المجرات.

وجد فريقٌ من الفلكيين بقيادة الأستاذ توموهارو أوكا بجامعة كيو في اليابان سحابةً غامضةً من الغاز تسمى بسي أو-0.40-0.22 وتبعد عن مركز مجرة درب اللبانة ٢٠٠ سنةٍ ضوئيةٍ فقط. وما يميز هذه السحابة هو السرعة الكبيرة لتشتتها: إذ تحتوي السحابة على غازٍ بنطاقٍ واسعٍ من السرعات. حيث وجد الفريق هذه الخاصية عن طريق اثنين من المناظير الراديوية، وهما: منظار نوبياما ذو الـ45 متراً في اليابان ومنظار أي إس تي إي في تشيلي، واللذين يديرهما المرصد الفلكي الوطني باليابان.

قام الفريق برصد السحابة باستخدام منظار نوبياما ذو 45 متراً مرةً أخرى فحصلوا على ٢١ خط انبعاثٍ من ١٨ جزيئاً لدراسة التركيب المفصل للسحابة. حيث أظهرت النتائج أن السحابة بيضاوية الشكل وتحتوي على مكوِّنين: مركبٌ متراصٌ ذو كثافةٍ منخفضةٍ وسرعة تشتتٍ كبيرةٍ تبلغ ١٠٠كم/ث، والمكوِّن الآخرُ كثيفٌ يمتد لمسافة ١٠ سنين ضوئيةٍ وسرعة تشتتٍ صغيرةٍ.

ما الذي يجعل سرعة التشتت ذات نطاقٍ واسعٍ؟ إذ لا توجد ثقوبٌ بداخل السحابة. كما لم ترصد المشاهدات بواسطة الأشعة السينية والأشعة تحت الحمراء أية أجرامٍ مضغوطةٍ. وتدل هذه السمات على أن سرعة التشتت لم يتسبب بها مصدر طاقةٍ محليٍّ كانفجاراتِ المستعر الأعظم.

أجرى الفريق محاكاةً مبسطةً لسحب غازٍ مدفوعةٍ بمصدر جاذبيةٍ قويٍ. حيث انجذبت السحب أولاً للمصدر في المحاكاة وتزايدت سرعاتها كلما اقتربت إليه، لتصل لأعلى سرعةٍ عند أقرب نقطةٍ من المصدر. بعد ذلك، تمر السحب متجاوزةً المصدر وتقل سرعاتها. ووجد الفريق أن نموذجاً يكون مصدر جاذبيته أكبر من كتلة الشمس بمئة ألف مرةٍ وبداخل مساحةٍ نصف قطرها 0.3 سنةً ضوئيةً كان أفضل نموذجٍ مطابقٍ للبيانات المرصودة. ويوضح الكاتب الرئيسي للورقة العلمية التي نُشرت في رسائل دورية الفيزياء الفلكية أوكا: “بالأخذ في الاعتبار حقيقة عدم ظهور أية أجرامٍ متماسكةٍ عند رصد السحابة بالأشعة السينية والأشعة تحت الحمراء فإن أفضل مرشحٍ للجرم المتماسك الضخم هو ثقبٌ أسود”.

إذا كانت هذه هي الحالة، فإنها المرة الأولى التي يتم فيها رصد ثقبٍ أسود متوسط الكتلة. حيث يعلم الفلكيون مسبقاً عن نوعين من الثقوب السوداء: ثقوبٌ سوداء بكتلٍ نجميةٍ تتكون بعد انفجاراتٍ هائلةٍ لنجومٍ ضخمةٍ جداً، وثقوبٌ سوداء فائقة الضخامة تتواجد غالباً في مراكز المجرات، وتتراوح كتلتها من عدة ملايين إلى مليار كتلةٍ شمسيةٍ. ولقد وُجد عددٌ من الثقوبٌ سوداء فائقة الضخامة ولكن لا أحد يعلم كيفية تكوّنها. وتنص إحدى الفرضيات على أن الثقوب السوداء فائقة الضخامة تتكون من اندماج عددٍ من الثقوب السوداء متوسطة الكتلة، ولكن هذا التفسير يثير مشكلةً إذ لم يتم رصد أي ثقوبٍ سوداء متوسطة الكتلة بشكلٍ مؤكدٍ. فإن كانت سحابة الغاز سي أو-0.40-0.22 الواقعة على بعد ٢٠٠ سنةً ضوئيةً من القوس أ* (وهو ثقبٌ أسود فائق الضخامة تعادل كتلته ٤٠٠ مليون كتلةً شمسيةً في مركز مجرة درب اللبانة) تحتوي على ثقبٍ أسودٍ متوسط الكتلة فمن الممكن أن تدعم سيناريو اندماج الثقوب السوداء متوسطة الكتلة لتكوين ثقبٍ أسود فائق الضخامة.

تفتح هذه النتائج طرقاً جديدةً للبحث عن الثقوب السوداء بواسطة المناظير الراديوية. حيث أظهرت المشاهدات الحديثة تواجد عددٍ من سحب الغاز ذات سرعات انتشارٍ كبيرةٍ مشابهةٍ لسحابة سي أو-0.40-0.22. ويقترح الفريق أن بعضاً من هذه السحب ربما تحتوي على ثقوبٍ سوداء. وتشير دراسةٌ إلى وجود ١٠٠ مليون ثقبٍ أسود في مجرة درب التبانة، ولكننا لم نرصد بالأشعة السينية سوى العشرات منها. فقد تكون معظم الثقوب السوداء “مظلمةٌ” ومن الصعب رصدها مباشرةً بأي طولٍ موجيٍّ. يقول أوكا: “سيتيح التحقق من حركة الغاز عن طريق المناظير الراديوية طريقةً جديدةً مكملةً للبحث عن الثقوب السوداء المظلمة”. ويضيف: “إن المسح الجاري لمساحةٍ واسعةٍ من مجرة درب اللبانة باستخدام منظار نوبياما ذو الـ45 متراً والمشاهدات عالية الدقة للمجرات المجاورة عن طريق مصفوف مرصد أتاكاما الملليمتري الكبير، لديها القدرة على زيادة عدد الثقوب السوداء المرشحة بشكلٍ كبيرٍ”.

 

المصدر: (sciencedaily)

منظار نوبياما الراديوي ذو 45 متراً (the Nobeyama 45-m Radio Telescope)
توموهارو أوكا (Tomoharu Oka)
جامعة كيو (Keio University)
منظار أي إس تي إي (ASTE Telescope)
المرصد الفلكي الوطني باليابان (the National Astronomical Observatory of Japan)
دورية رسائل الفيزياء الفلكية (Astrophysical Journal Letters)
ثقوبٌ سوداء فائقة الضخامة (supermassive black holes (SMBH))
مصفوف مرصد أتاكاما الملليمتري الكبير (Atacama Large Millimeter/submillimeter Array (ALMA))
سي أو-0.40-0.22 (CO-0.40-0.22)
القوس أ* (*Sgr A)

Comments are closed.